في حوار استثنائي جديد، تستضيف "عرب جورنال" عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الأردني، جمال الشربجي، للحديث عن أبعاد الاتفاق الإيراني الأمريكي وانعكاساته على الجمهورية الإسلامية من جهة، وعلى أمن واستقرار المنطقة والإقليم من جهة أخرى. كما يناقش الحوار تداعيات هذا الاتفاق على العمق الصهيوني في ظل السخط الواسع وإقرار الأوساط الإسرائيلية بأن الاتفاق يعكس هزيمة فاضحة للولايات المتحدة و"إسرائيل"، وهو ما فجّر خلافات علنية بين الإمبراطورية العجوز ووكيلها الأول في المنطقة. ويسلط الحوار الضوء على أهمية التمسك الإيراني بوقف الحرب في جميع الجبهات، وكيف أن هذا الموقف، إلى جانب المشاركة اليمنية والعراقية واللبنانية في المعركة الأخيرة، قد جسّد وحدة الساحات عملياً في الميدان وغيّر المعادلات العسكرية لصالح محور المقاومة.
عرب جورنال / حوار / حلمي الكمالي
مخاوف صهيونية من مفاوضات واشنطن وطهران واليمين المتطرف في "تل أبيب" يسعى لعرقلة أي اتفاق سياسي قد ينهي الحرب بالمنطقة.
فشل التحالف الصهيوأمريكي في مواجهة إيران يعزز دور الدول العربية والإسلامية الرافضة للتبعية ويبحث صياغة جبهة موحدة لمواجهة العنجهية.
تراجع القدرة الأمريكية على خوض الحروب الطويلة والاعتماد على المرتزقة يدفع إدارة واشنطن للبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه.
أهداف الحرب تتجاوز إثبات الوجود نحو الهيمنة المطلقة على ثروات المنطقة ومنع امتلاك أي سلاح يكسر التفوق الإقليمي للكيان الصهيوني.
ثبات الموقف الإيراني الداعم للمقاومة منذ الثورة الخمينية يرسخ ترابط الساحات في لبنان واليمن والعراق وفلسطين تحت قرار ومصير موحد.
صمود المقاومة اللبنانية في الأشهر الثلاثة الأخيرة يلحق خسائر باهظة بجيش الاحتلال ويثبت تفوق الأسلحة منخفضة التكلفة على الترسانة الصهيوأمريكية.
فشل السياسة الأمريكية نابع من التبعية لتطرف حكومة الكيان التي تبتز ترامب وتطيل الحرب هرباً من المحاكم الدولية والجنائية.
_ كيف تقرؤون المشهد في إيران اليوم بعد انقشاع غبار الجولة الأخيرة من العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية، والتي انتهت إلى اتفاق ومفاوضات سياسية عقب فشل العدوان العسكري؟ وهل تعتقدون أن طهران قدمت نموذجاً استثنائياً للصمود أمام كثافة الأعداء والمؤامرات التي واجهتها ولا تزال خلال هذه المواجهة؟ وإلى أي درجة يمكن أن تذهب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لشن جولة جديدة من العدوان على إيران في ظل معادلات الردع الراهنة التي فرضتها طهران وجبهات المقاومة؟
أولاً أسجل شكري وتقديري لاهتمام صحيفتكم الغراء بهذه المواقف الوطنية العربية والآراء الحرة في مواجهة الغطرسة الصهيوأمريكية، والتي تعزز ثقة كبيرة في الشارع العربي والإسلامي، الذي بكل تأكيد يرى في أي صمود وأي انتصار -إن كان عربياً أو إسلامياً في وجه الغطرسة الأمريكية والصهيونية- أنه يصب في المصلحة الإسلامية والعربية.
المشهد السياسي الذي أراه اليوم، وبعد فشل التحالف الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يعني أنه متوقع.. لأنه مهما تمادت الصهيونية الأمريكية والمدعومة بالأوروبيين لابد لها أن تنتهي وأن تفشل، ومن المتعارف عليه أن الأمريكان لا يمكنهم خوض معارك طويلة ضد أيٍّ كان بدون حسابات، وهم أكثر شعوب الدنيا التي تخشى من الخسائر البشرية؛ لذلك كل معاركهم التي يخوضونها هي معارك بجنود مرتزقة، إن كانوا من الأوروبيين أو إن كانوا من الدول العربية أو الأفريقية الفقيرة التي تسعى فقط لتأمين لقمة عيشها، وفي ظل هذا الفشل كان لابد للإدارة الأمريكية أن تبحث لها عن مخرج من هذه الحرب المحسومة عسكرياً لصالح تحالف المقاومة في الشرق الأوسط بقيادة الجمهورية الإسلامية.
_ أيّ انعكاسات متوقعة لصمود إيران وبقية دول وقوى محور المقاومة على وضع ومكانة الدول والشعوب في المنطقة العربية والإسلامية بشكل عام؟ وهل تعتقدون أن أي اصطفاف لأي نظام عربي أو إسلامي في نطاق المعسكر المعادي للجمهورية الإسلامية أو بقية دول وقوى محور المقاومة يشكل خطراً حقيقياً على مستقبل الأمة جمعاء؟ كيف ذلك؟ وما هو موقفكم من كل ما يجري في هذا السياق في ظل ما وصلت إليه العربدة الأمريكية الصهيونية على مستوى المنطقة والصمت المخزي لغالبية الأنظمة الرسمية؟
أما بالنسبة إلى الانعكاسات المتوقعة لصمود إيران ومحور المقاومة، أنا أعتقد أن هذا سيعزز الدور المحوري للدول الإسلامية والعربية الرافضة للعدوان والخارجة من تحت العباءة الصهيوأمريكية والبروباغندا والأوهام العدوانية، ورفضها لاستمرار الحرب والزيادة في حجم الدمار العربي؛ ستسعى وتبحث عن كيفية توافقها على بناء ما هو معروف بتحالف عربي إسلامي للضغط من أجل إنهاء الحرب، يعني جبهة جديدة مقاومة للعنجهية الصهيونية والأمريكية، رغم المعرفة التامة بأن الكيان الصهيوني بقادته المجرمين المطلوبين للمحاكم الدولية لا يرغبون نهائياً بأن يصل الأمريكان والإيرانيون إلى طاولة المفاوضات، وسيحاولون قدر استطاعتهم إفشال هذه المفاوضات. وحتى لو تم توقيع هذا الاتفاق واستمرار الحوار وجلسات المفاوضات في الأيام المقبلة، ستقوم الصهيونية بزعامة المتطرفين القتلة نتنياهو وبن غفير بإفشال هذه المفاوضات، وجر الأمريكان مرة أخرى لمواجهات مع محور المقاومة على كل الجبهات ومواجهة الإيرانيين.
وأنا أعتقد أن الموقف الشعبي والوطني في الدول العربية والدول الإسلامية ودول الجوار سيكون مشابهاً لموقفي الشخصي؛ أننا مع وقف القتال ووقف الدمار في الشرق الأوسط، والوصول إلى اتفاق يضمن حقوق الدول في الاستفادة والوصول إلى ثرواتها وحرية اقتصادها بمعزل عن الضغوط الأمريكية والأسلوب الصهيوني المتمثل في المنظمات والهيئات الدولية التي تفرض الذل على دول العالم وخضوعها للشروط الأمريكية بغطاء أممي على حساب الكرامة العربية والإسلامية، وكرامة أي دولة من دول الشرق أوسطية أو في كل أنحاء العالم.
صحيح أن الخليج العربي ودول الخليج تصطف إلى جانب الكيان الصهيوني والأمريكي في موقفها ضد إيران، ولكن الموقف الشعبي العربي والإسلامي رافض للموقف الرسمي لهذه الدول؛ لذلك كل عربي وكل مسلم لا يريد استمرار هذا العدوان وتكرار الاعتداءات من أجل الهيمنة الصهيونية والأمريكية على كل المقدرات في المنطقة.
الحرب ليست حرب إثبات وجود وهيمنة فقط، بل هدف الحرب هو الهيمنة على كل خيرات هذه المنطقة، وعدم السماح بامتلاك أي سلاح يمكنه مواجهة العنجهية الصهيونية، إن كانت نووية أو صاروخية أو اقتصادية، والهدف الأساسي هو إبقاء المنطقة العربية والشرق أوسطية تحت الهيمنة الأمريكية والصهيونية لتظل "إسرائيل" هي القوة النووية والإقليمية الأولى.
_ ما رأيكم بالموقف الإيراني الداعم للمقاومة الإسلامية في لبنان، وتمسك طهران بشمول لبنان ضمن وقف إطلاق النار والاتفاق مع الجانب الأمريكي؟ وكيف أن هذا الموقف، إلى جانب المشاركة اليمنية والعراقية واللبنانية في المعركة الأخيرة، قد جسّد وحدة الساحات عملياً في الميدان؟ وأي دور لهذه المشاركة في حسم نتائج المعركة لصالح محور المقاومة من وجهة نظركم؟
أما بالنسبة إلى الموقف الإيراني الداعم للمقاومة الإسلامية فهذا ليس بجديد؛ إذ إننا نعلم جميعاً أن الدعم الإيراني منذ الثورة الخمينية ولغاية الآن يقف إلى جانب الثورات العربية والنضال العربي والفلسطيني ضد الكيان الصهيوني وضد التواجد الأمريكي في المنطقة، وتمسّك الطرف الإيراني بالحفاظ على الهوية اللبنانية والحفاظ على المقاومة الوطنية الإسلامية المتمثلة بوجود حزب الله في لبنان، وهذا يعني أن الإصرار على ربط المقاومة بشكل موحد بقرار ومصير واحد وعدم التفريط في دعم حزب الله والحفاظ على وجوده وتقويته؛ هذا يعني نفس الشيء ينطبق على اليمن، ونفس الشيء ينطبق على العراق، ونفس الشيء ينطبق على المقاومة الفلسطينية الرافضة للمشروع الصهيوني واتفاقيات الذل والعار من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية -الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني- المقاوِمة لهذا المشروع الصهيوني. وأعتقد أن دور حزب الله في الأشهر الثلاثة الأخيرة مع الشرفاء في المقاومة اللبنانية، والذي بدا واضحاً أنه كان كالمخرز في عين الكيان الصهيوني والأمريكي، وأوقع فيهم المئات من القتلى والآلاف من الجرحى، وتدمير المئات من الدبابات والآليات التي كانوا يتباهون بها على أنها هي خير الصناعات القاتلة، والتي تم التعامل معها كالتعامل مع صناديق من الكرتون أو من الخشب بأسلحة تكاليفها لا تقارن مع التكاليف الباهظة للصواريخ والدبابات والطائرات التي تكلف عشرات الملايين من الدولارات، وبالمناسبة هذه التكاليف تأتي على حساب دافعي الضرائب من الشعوب في كل من أمريكا وأوروبا وحتى في إسرائيل.
أعتقد أن استمرار المقاومة من الجبهات اليمنية والعراقية واللبنانية وغزة هو الدعم الحقيقي لاستمرار صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية بثبات في وجه هذه الغطرسة.
_ عقب إعلان واشنطن توقيع الاتفاق مع طهران لإنهاء الحرب، بدأت حملة تراشق واسعة بين المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين وتبادل الاتهامات بالخيانة والتضحية بالآخر.. برأيكم ما الأسباب التي أدّت إلى هذه الهوّة بين أمريكا وذراعها الأولى في المنطقة؟ وهل يمكن التأكيد أصلاً أن هناك خلافات حقيقية بين الطرفين على المستوى الرسمي والاستراتيجي؟ وهل أصبحت "إسرائيل" عبئاً حقيقياً على الولايات المتحدة وخطراً مباشراً على المصالح الأمريكية في المنطقة والإقليم؟ وما علاقة ذلك بفشل السياسات الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة والحروب التي تورطت فيها واشنطن من أجل "تل أبيب" وارتدت آثارها على المصالح الاستراتيجية الأمريكية؟
بعد الانتهاء من إعلان واشنطن، تم الوصول إلى توقيع اتفاق لإنهاء الحرب، وصحيح أيضاً ظهور جبهات واسعة من التراشق الإعلامي ما بين الإسرائيليين والأمريكان من جهة، ومن جهة أخرى بين إسرائيليين وإسرائيليين لرفضهم الغطرسة الإسرائيلية وشعورهم بأن الكيان الصهيوني هو من يهيمن على القرار الأمريكي، وهذا الشيء جعل الكثير من الأصوات الأمريكية داخل الكونغرس والحزبين الحاكمين في أمريكا ترفض سياسة الخضوع للهيمنة الصهيونية ومحاور السيطرة الصهيونية داخل أمريكا من الرساميل الصهيونية والمحاور التي تتحكم في الحياة الأمريكية، وظهور قناعات طاغية في الشارع الأمريكي والأوروبي أنّ الحكومة الإسرائيلية هي من تُوجه سياسات الولايات المتحدة، وبتوجيه مباشر من المجرم رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، والتي تؤكد أنّ إصراره على إبقاء الأمريكان في داخل هذه المعركة فقط، وهو ما يُواجَه برفض المواطن الأمريكي الذي أصبح على قناعة تامة أنّ هذا الكيان أصبح يشكل العبء الأكبر على الموازنة الأمريكية والاقتصاد الأمريكي، وفرض واجب التسليح لجيش الكيان، وهو ابتزاز سياسي وشخصي بالتلاعب في وثائق الستين والتهديد المستمر للرئيس ترامب الذي أصبح غير متوازن وغير قادر على فرض السياسة الأمريكية على حكومة الكيان. والاستمرار في التلويح والتهديد من رئيس الوزراء الصهيوني هو وحكومته حتى لا تنتهي الحرب فيُقدَّم هو ومجموعة وزرائه إلى المحاكم الإسرائيلية والجنائية الدولية لمجرمي الحرب.
فما دامت الحرب قائمةً وما دام القتال مستتمراً، وما دام هناك عدو مختلق، فهم على بعد مسافات واسعة من المحاكم وسيفلتون من قرارات المحاكم أو الوقوف أمام القضاء الإسرائيلي أو الأمريكي أو الأوروبي أو المحاكم الدولية. فلذلك فشل السياسة الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة وأقاليمها نابع من أن هاتين الدولتين الخارجتين عن القانون هما مجرد قطاع طرق أو على طريقة القراصنة الذين يقومون بسلب الناس الآمنين حريتهم وممتلكاتهم وأوطانهم.
إذا أرادت أمريكا القيام بالدور الحقيقي لحفظ الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والحفاظ على مصالحها كما بقية الدول -وهذا حق مشروع للجميع، كل طرف من الأطراف الحفاظ على مكتسباته والحفاظ على حقوقه التجارية والاقتصادية وما إلى ذلك- لكن إذا بقيت هذه الإدارة الأمريكية تسير مغمضة العينين أمام التطرف الصهيوني وجر الإدارة والجيش الأمريكي والقادة السياسيين في أمريكا حول الأوهام بإقامة دولة إسرائيل الكبرى في الشرق الأوسط، فإنّ هذا الشيء لن يتم، وهذا هو مجرد حلم صهيوني متطرف لا يمكن لأي عاقل أن يرضى به.