عرب جورنال _ أنس القباطي
يقف الاتحاد الأوروبي اليوم أمام مفترق طرق؛ بين التفكك المستقبلي، أو أن يصبح قوة عالمية بعيداً عن حليفته الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يزيد البون بينه وبينها، خصوصاً منذ العام الثاني لاندلاع الحرب الأوكرانية.
إمبراطورية المانية
والمتتبع للسياستين الخارجية والدفاعية للاتحاد منذ خروج بريطانيا رسمياً منه في 31 يناير/كانون ثاني 2020، سيجد أن الاتحاد أصبح رهينة لألمانيا، التي تسعى من خلاله لبناء إمبراطورية ألمانية، في وقت تجاهد فيه فرنسا لكي تصبغ الاتحاد بصبغتها؛ لاستخدامه كحامل دولي لاستعادة أمجادها، مما جعل برلين وباريس بمثابة عرابتين للاتحاد، الذي تخلص من العباءة البريطانية التي ظلت لعقود ترسم سياساته الخارجية والاقتصادية والدفاعية.
اخلال بالتنمية المتوازنة
ورغم المحاولات الفرنسية لتطويعه ليكون حاملاً لأجنداتها الدفاعية والاقتصادية وعلاقاتها الخارجية، إلا أن ألمانيا تبدو الأكفأ في توجيه سياساته، خصوصاً الاقتصادية؛ حيث نجحت خلال السنوات الخمس الأخيرة في إقناع كثير من الدول الصغيرة في الاتحاد بالتخلي عن صناعتها مقابل قروض من البنوك الألمانية، مما جعلها تظهر كأقوى اقتصاد أوروبي، وهو ما أخلّ بمبدأ التنمية المتوازنة داخل الدول المنضوية في الاتحاد، خصوصاً الصغيرة منها مثل اليونان، التي يعاني اقتصادها من تراكم الديون.
خروج بريطانيا
إن خروج بريطانيا من الاتحاد جاء استجابة للعديد من الضغوط الداخلية، لكن أبرزها هو اقتناع النخب البريطانية بأن كلفة البقاء في الاتحاد الأوروبي أصبحت أعلى من العوائد الاقتصادية التي يمنحها لهم سوق الاتحاد المشترك؛ مما يعطي انطباعاً بأن الاتحاد الذي تأسس رسمياً في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1993، فشل خلال عقدين ونصف في أن يصبح قوة متماسكة يمكنها أن تكون قطباً دولياً، على الأقل في الجانب الاقتصادي، وهو ما يعد إخفاقاً للاتحاد في الوصول إلى حالة نسبية من التكامل الاقتصادي والسياسي.
رهن السيادة
ومرد ذلك الإخفاق بدرجة رئيسية يرجع إلى أن الاتحاد رهن معظم سيادة دوله مقابل الحماية الأمريكية، والتي حولت أراضيه إلى قواعد عسكرية تحت يافطة الحلف العسكري "الناتو" الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي استخدمته كرأس حربة للتوسع في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
محك التكامل
وتبعاً لذلك، فإن نجاح واشنطن في التوسع شرقاً منذ تسعينيات القرن العشرين لمحاصرة الاتحاد الروسي (الذي ورث الاتحاد السوفيتي)، واكتمال ذلك التوسع مع العقد الأول من الألفية الثالثة، وضع الاتحاد الأوروبي أمام محك جدية السعي لتحقيق هدف التكامل الاقتصادي، الذي يعد الهدف الرئيسي لإنشائه. وفي هذا السباق، مثّل خروج بريطانيا -كقوة اقتصادية وازنة- ضربة للاتحاد، مما حوّل التكتل إلى مجرد تجمع تتنازع النفوذ فيه ألمانيا وفرنسا؛ لاستخدامه كمطية لتحقيق تطلعاتهما الاقتصادية والدفاعية.
ويبدو أن بريطانيا أدركت مبكراً أن الاتحاد الأوروبي لم يعد ذلك التكتل الذي يهدف لإيجاد حالة تكامل اقتصادي في قارة أوروبا، فغادرته بعد أن صار البقاء فيه عبئاً عليها، ومثقلاً لخزينتها.
مخطط بونزي
واليوم، يبدو الاتحاد الأوروبي في ظل قيادة ألمانيا شكلاً من أشكال "مخطط بونزي"؛ وهذا المخطط هو شكل من أشكال الاحتيال والنصب المالي، يقوم فيه المحتال بجذب المستثمرين من خلال الوعد بتحقيق أرباح خيالية ومضمونة بأقل نسبة مخاطرة، حيث تقوم فكرته الأساسية على أن المحتال لا يقوم باستثمار الأموال في أي مشروع حقيقي، بل يعتمد على "تدوير الأموال"؛ إذ يدفع أرباح المستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد الذين ينضمون إلى المخطط حديثاً. وسُمي هذا النظام بهذا الاسم نسبة إلى تشارلز بونزي، وهو مهاجر إيطالي أصبح أشهر من وظّف هذا الأسلوب في الولايات المتحدة عام 1920، محققاً ثراءً فاحشاً في أشهر قليلة قبل أن ينهار نظامه.
أجندة ألمانيا
وطبقاً لذلك، استخدمت ألمانيا الاتحاد الأوروبي في تنمية اقتصادها وتوسعه، بعد أن نجحت البنوك الألمانية في إقناع الدول الصغيرة في الاتحاد بالحصول على قروض مقابل التخلي عن صناعاتها التي كانت تواجه الكثير من العثرات، وهو ما يراه بعض المحللين الاقتصاديين، ومن أبرزهم الروسي ألكسندر نازاروف، الذي يرى أن الاتحاد الأوروبي ليس متماسكاً ولن يكون كذلك، مرجعاً ذلك إلى أن الاتحاد صار يُبنى كإمبراطورية ألمانية، مما جعله في جوهره أحداً أشكال مخطط بونزي، الذي له عمر محدود.
هدف انقضى
واستناداً إلى ما سبق، يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي ليس أقوى من الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا، بل إنه أُنشئ لهدفٍ ما، انقضى بتحقيق الهدف الذي مهد لتمدد النفوذ الأمريكي في أوروبا الشرقية، وانتهى هذا الهدف باندلاع الحرب الأوكرانية، والتي لن تنتهي إلا بصفقة روسية أمريكية بعيداً عن الاتحاد الأوروبي.
وفي حال تمت هذه الصفقة، فإن الاتحاد لن يصمد أمام أول أزمة اقتصادية كبرى؛ لأن الدول ذات الاقتصادات القوية -وعلى رأسها ألمانيا تحديداً، ثم فرنسا- كانت تقرض الدول المتعثرة في جنوب أوروبا عبر حزم إنقاذ، وجزء كبير من أموال الإنقاذ هذه لم يذهب لتنمية اقتصادات تلك الدول، بل عاد مباشرة إلى البنوك الألمانية والفرنسية التي كانت دائنة لتلك الدول المتعثرة؛ لسداد فوائد الديون القديمة.