يونيو 19, 2026 - 16:13
يونيو 19, 2026 - 22:37
الباحثة في العلاقات الدولية اللبنانية د. سهام محمد لـ(عرب جورنال): الاتفاق الإيراني الأمريكي يعكس توازناً جديداً بالمنطقة ومعادلة "وحدة الساحات" فرضت شروطها على واشنطن

في حوار جديد، تستضيف "عرب جورنال" الباحثة في العلاقات الدولية اللبنانية الدكتورة سهام محمد، لمناقشة الاتفاق الإيراني الأمريكي الذي أفضى إلى وقف العدوان على الجمهورية الإسلامية، في ظل فشل عسكري أمريكي إسرائيلي وعجز فاضح عن تحقيق أي نصر يذكر خلال الجولات المباشرة السابقة. ويناقش الحوار انعكاسات صمود إيران وخروجها من هذه الحرب منتصرة على الشعب الإيراني وعلى جميع شعوب ودول الأمة العربية والإسلامية، في مقابل تداعيات هزيمة أمريكا و"إسرائيل" في هذه الحرب على مستقبل العربدة الصهيونية والهيمنة الأمريكية على امتداد المنطقة والعالم، وما إذا كان هذا الاتفاق هو تتويج لصمود إيران وجميع قوى محور المقاومة ونجاحهم في إسقاط مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي سعى إليه الأمريكيون والإسرائيليون لتطويع المنطقة وشعوبها وثرواتها لصالح الأجندات الصهيونية طوال الفترة الماضية. كما يتطرق الحوار إلى تطورات المشهد اللبناني والاستياء الإسرائيلي من معادلة طهران والمقاومة التي فرضت شمول لبنان في وقف إطلاق النار. كما يتطرق الحوار إلى مخاطر العلاقات بين الكيان الصهيوني وما يسمى بـ"أرض الصومال".

عرب جورنال/ حوار / حلمي الكمالي 

الجمهورية الإسلامية نجحت في فرض صمود استراتيجي أفشل أهداف الأعداء القصوى وأجبر واشنطن على العودة للمسار التفاوضي كاعتراف ضمني بفشل خيار إسقاط النظام.

الاتفاق يمثل انتصاراً سياسياً للمواطن الإيراني سيساهم في تخفيف العقوبات وتحقيق استقرار اقتصادي نسبي، لكن العبرة تكمن في مدى التزام الأمريكي بتنفيذ البنود.

الاتفاق الأمريكي الإيراني يعد تسوية تعكس موازين قوى جديدة أثبتت أن الحلول العسكرية عاجزة بمفردها عن فرض ترتيبات سياسية كبرى على الخصوم في المنطقة

تآكل صورة الردع النفسي هو أكبر خسارة للكيان الصهيوني لأن تفوقه لم يعد كافياً لفرض الإملاءات العسكرية والسياسية على دول المنطقة ومحور المقاومة.

معادلة وحدة الساحات وتعدد الجبهات هي التي فرضت شروطها على الإدارة الأمريكية، وعرقلت بعض جوانب مشروع "الشرق الأوسط الجديد".

حالة الفشل الداخلي قد تدفع العدو لارتكاب حماقات جديدة لاستعادة ردعه المفقود، لكن أي تصعيد قادم سيكون محكوماً بمعادلات الردع الصارمة التي فرضتها المقاومة.

ذهاب السلطة اللبنانية لمفاوضات مباشرة مع الاحتلال يمثل تنازلاً سياسياً مجانياً لا يستند لعناصر قوة، والتاريخ يثبت أن معادلة المقاومة الميدانية هي الوحيدة القادرة على انتزاع الحقوق.

التوغل الصهيوني في أرض الصومال يستهدف ضرب أمن البحر الأحمر وباب المندب، والصمت الرسمي لبعض الأنظمة يرجع لاختلاف الأولويات والارتهان للمصالح الضيقة.

_ ما رأيكم بشكل الاتفاق المعلن بين إيران والولايات المتحدة؟ وهل تعتقدون أن طهران حققت نصراً استراتيجياً من خلال هذا الاتفاق بعد إجبارها واشنطن على النزول من الشجرة وإبرام صفقة بشروط الجمهورية الإسلامية، وسط فشل صريح وواضح لأمريكا و"إسرائيل" في تحقيق أهداف الحرب وعلى رأسها إسقاط النظام والقضاء على البرنامج النووي والصاروخي؟ وماذا يعني هذا النصر للشعب الإيراني ولكل شعوب ودول الأمة العربية والإسلامية من وجهة نظركم؟ وأي انعكاسات لهزيمة أمريكا في هذه الحرب على مستقبل العربدة الصهيونية والهيمنة الأمريكية على امتداد المنطقة والإقليم والعالم من وجهة نظركم؟

يعتمد الجواب على تعريف "النصر". فإذا كانت الأهداف المعلنة للولايات المتحدة و"إسرائيل" قبل الحرب تشمل:

إسقاط النظام الإيراني.

تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل.

إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية.

تقويض النفوذ الإقليمي الإيراني.

فإن عدم تحقق هذه الأهداف بالكامل يعني أن إيران نجحت في منع الأعداء من تحقيق أهدافهم القصوى، وهو ما يمكن اعتباره شكلاً من أشكال "النجاح الدفاعي" أو "الصمود الاستراتيجي".

وبالتالي، إيران استطاعت الحفاظ على بقاء النظام والدولة وقدرات الردع الأساسية، وأجبرت واشنطن على العودة إلى المسار التفاوضي، وهذا في حد ذاته يعد انتصاراً استراتيجياً مهماً في هذه المرحلة، على أن يلتزم الأمريكي بتنفيذ بنود الاتفاق. يبقى التخوف بخصوص الإسرائيلي الذي ستثبت الأيام القليلة المقبلة إن كان سيرضخ لقرار ترامب أو يتمرد وبالتالي ينكشف أكثر الصراع القائم بين الأمريكي والإسرائيلي وما هو أبعد من ذلك، تأثير اللوبي الصهيوني على صناعة القرار داخل البيت الأبيض.

ما يعنيه الاتفاق بالنسبة للشعب الإيراني، أنه يعد انتصاراً سيساعد على تخفيف العقوبات، وربما استقرار اقتصادي نسبي، وتقليص احتمالات الحرب. وبالتالي، فإن المستفيد الأول سيكون المواطن الإيراني. أما إذا بقيت العقوبات الرئيسية واستمرت المواجهة بشكل آخر، فستكون المكاسب السياسية أكبر من المكاسب الاقتصادية.

أما انعكاسات لهزيمة أمريكا في هذه الحرب على مستقبل العربدة الصهيونية والهيمنة الأمريكية على امتداد المنطقة والإقليم والعالم، إذا افترضنا أن ما حدث يمثل بالفعل هزيمة أمريكية استراتيجية وليس مجرد تسوية أو إعادة تموضع تكتيكي، فإن انعكاسات ذلك ستكون كبيرة على ثلاثة مستويات: الإسرائيلي، والإقليمي، والدولي. لكن يجب التمييز أولاً بين أمرين: هزيمة عسكرية أو سياسية في معركة محددة، وانهيار الهيمنة الأمريكية الشاملة. فالتاريخ يبين أن الولايات المتحدة تعرضت لانتكاسات كبرى في فيتنام والعراق وأفغانستان دون أن يؤدي ذلك مباشرة إلى نهاية قوتها العالمية. لذلك يجب الحذر من المبالغة في الاستنتاجات.

ما يعنيه ذلك بالنسبة للكيان الصهيوني، هو أنّ القوة الإسرائيلية منذ عقود تقوم على ثلاث ركائز: التفوق العسكري، الدعم الأمريكي، وصورة الردع النفسي.

وبالتالي، إذا تشكل انطباع إقليمي بأن: "إسرائيل" لم تستطع فرض أهدافها، والولايات المتحدة اضطرت للعودة إلى التفاوض، ومحور المقاومة بقي قائماً. فإن أكبر خسارة قد تكون تآكل صورة الردع. ففي الشرق الأوسط، صورة القوة لا تقل أهمية عن القوة نفسها. ولهذا السبب نرى عادةً حساسية إسرائيلية شديدة تجاه أي نتيجة يمكن أن تُفهم إقليمياً باعتبارها فشلاً أو تراجعاً. لكن ذلك لا يعني أن الكيان الصهيوني سيفقد قدرته على العمل العسكري، بل يعني أن تكلفة استخدام القوة قد تصبح أعلى من السابق.

وإذا ثبت أن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية، فقد تظهر عدة نتائج: أولاً، تراجع الثقة بحل القوة العسكرية، فالكثير من الدول ستستنتج أن: امتلاك قدرات ردع فعالة قد يكون كافياً لمنع فرض الإملاءات الخارجية. وهذا درس استراتيجي مهم تراقبه دول عديدة. ثانياً، صعود منطق التوازنات فبدلاً من هيمنة قطب واحد، قد تتجه المنطقة أكثر نحو: التوازن بين الولايات المتحدة، الصين، روسيا، والقوى الإقليمية الكبرى. أي أن الدول ستحاول تنويع شراكاتها بدلاً من الاعتماد على طرف واحد. ثالثاً، تراجع فعالية سياسة الضغوط القصوى، فإذا انتهت المواجهة باتفاق بعد سنوات من العقوبات والضغوط، فقد يجادل كثيرون بأن: سياسة الإكراه وحدها لم تحقق النتائج المرجوة.

في تقديري لم ينتهِ مشروع الهيمنة الأمريكية، فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك: أكبر اقتصاد مؤثر عالمياً، أكبر شبكة تحالفات دولية، تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً ضخماً، ونفوذاً مالياً هائلاً عبر النظام المالي العالمي. لذلك فإن الحديث عن "نهاية الهيمنة الأمريكية" يبدو مبكراً. بل الأقرب إلى الواقع هو الحديث عن: انتقال تدريجي من الهيمنة الأحادية المطلقة إلى نظام دولي أكثر تعددية. وهو مسار بدأ قبل هذه الحرب بسنوات مع صعود الصين وعودة روسيا وتوسع تكتلات مثل بريكس.

ما يعنيه هذا الأمر بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية، هنا يجب الفصل بين البعد الرمزي والبعد العملي. فالبعد الرمزي يعني أنه إذا نجحت دولة في مواجهة ضغوط عسكرية وسياسية كبيرة دون انهيار، فإن ذلك يعزز الاعتقاد بأن: الإرادة السياسية مهمة، وأنّ الردع يمكن أن يحد من القوة العسكرية المتفوقة، وبالتالي أنّ التفوق الغربي ليس مطلقاً. أما البعد العملي فيعني أنّ الشعوب لا تستفيد من التحولات الجيوسياسية إلا إذا تحولت إلى: تنمية اقتصادية، استقلال تكنولوجي، ومؤسسات قوية، وتعاون إقليمي. فالتاريخ مليء بانتصارات سياسية أو عسكرية لم تتحول إلى مكاسب حضارية أو اقتصادية.

وحول تراجع "العربدة الصهيونية"، هنا إذا كان المقصود بالعربدة الصهيونية هو حرية العمل العسكري دون خوف من ردود فعل مؤثرة، فهناك احتمال أن تتقلص هذه حرية إذا: تعززت معادلات الردع، وارتفعت كلفة أي حرب جديدة، وازدادت الضغوط الدولية، وتآكل الدعم الغربي غير المشروط. لكن في المقابل، قد تدفع مشاعر الفشل بعض التيارات داخل "إسرائيل" إلى تبني سياسات أكثر تشدداً لمحاولة استعادة الردع. ولهذا فإن النتيجة ليست بالضرورة انخفاضاً فورياً في التصعيد، بل ربما مرحلة من إعادة الحسابات ومحاولة بناء توازنات جديدة.

إذا اعتُبر الاتفاق دليلاً على فشل الحرب في تحقيق أهدافها القصوى، فإن أهم نتائجه ليست سقوط الولايات المتحدة أو نهاية "إسرائيل"، بل تآكل فكرة القدرة على فرض الإرادة بالقوة وحدها. وهذا قد يدفع المنطقة نحو توازنات أكثر تعقيداً، حيث تصبح القوة العسكرية عاملاً مهماً لكنها لم تعد كافية بمفردها لفرض ترتيبات سياسية كبرى على الخصوم. أما إذا كان ذلك يمثل بداية أفول الهيمنة الأمريكية أو مجرد انتكاسة ضمن دورة صراعات أطول، فهذا سيتوقف على ما ستكشفه السنوات المقبلة أكثر مما تكشفه نتائج حرب واحدة أو اتفاق واحد.

_ هل تعتقدون أن الاتفاق الإيراني الأمريكي قد أسقط مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي سعى إليه الأمريكي والإسرائيلي لتطويع المنطقة وشعوبها وثرواتها لصالح الأجندات الصهيونية طوال الفترة الماضية؟ وكيف أجبرت وحدة الساحات والجبهات أمريكا على الاستسلام والقبول بشروط الجمهورية الإسلامية خصوصاً بعد نجاح طهران ومحور المقاومة بشكل عام في فرض شمول وقف الحرب على جميع الجبهات بما فيها الجبهة اللبنانية وذلك ضمن معادلة استراتيجية تلغي الاستفراد بالجبهات؟

مصطلح "الشرق الأوسط الجديد" استخدم عبر عقود بمعانٍ مختلفة. فبعض المشاريع الأمريكية والإسرائيلية كانت تقوم على: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ودمج "إسرائيل" اقتصادياً وأمنياً في المنطقة، واحتواء إيران، إضافة إلى بناء ترتيبات أمنية جديدة.

الأدق أن نقول: الاتفاق ـ إذا ثبت واستمر ـ يمثل عرقلة أو تعديلاً مهماً لبعض جوانب المشروع، لكنه لا يعني نهاية جميع التصورات الأمريكية والإسرائيلية للمنطقة.

إجبار "وحدة الساحات" واشنطن على التراجع:

هناك بالفعل رأي واسع لدى بعض المدارس الاستراتيجية يرى أن: تعدد الجبهات، وانتشار القوى الشريكة لإيران، وارتفاع تكلفة المواجهة الإقليمية الشاملة. كلها عوامل دفعت واشنطن نحو التسوية. في المقابل، من يرى أن: الاعتبارات الاقتصادية الأمريكية، وتجنب حرب طويلة، وأولويات التنافس مع الصين وروسيا.

كانت عوامل لا تقل أهمية عن أداء محور المقاومة. الأرجح أن القرار الأمريكي نتج عن مزيج من جميع هذه العوامل.

_ يشن الإعلام الإسرائيلي هجوماً شرساً على الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي ويصفه بالحدث السيئ وأنه يشكل خسارة فادحة للكيان الصهيوني.. برأيكم ما الذي خسرته "إسرائيل" من خلال هذا الاتفاق بالضبط، وأيضاً من خلال الحرب مع إيران وجبهات المقاومة بشكل عام؟ وإلى أي درجة يلجم هذا الاتفاق العربدة الإسرائيلية على مستوى المنطقة؟ وهل تعتقدون أن الكيان قد يلجأ إلى تصعيد جديد أو ارتكاب حماقة هنا أو هناك خصوصاً في ظل الإحساس العام بالفشل والهزيمة داخل الأوساط الإسرائيلية؟ وما عواقب ذلك إن حدث في ظل معادلات الردع الأخيرة؟

من منظور إسرائيلي، يمكن تحديد عدة مخاوف محتملة:

بقاء النظام الإيراني: كان هناك تيار داخل الكيان الصهيوني يراهن على إضعاف النظام الإيراني بشكل جذري. إذا انتهت الحرب دون ذلك، فهذه نتيجة مخيبة لهذا التيار.

استمرار القدرات الصاروخية: إذا بقي جزء مهم من منظومات الردع الإيرانية قائماً، فستستمر معضلة الردع المتبادل.

شرعنة التفاوض مع إيران: هناك تيارات إسرائيلية تعتبر أن أي اتفاق يمنح إيران مساحة للتنفس يمثل خطراً طويل المدى.

تراجع صورة الردع: الحروب تُقاس أيضاً بالصورة الذهنية. فإذا تشكل انطباع إقليمي بأن الكيان الصهيوني لم يستطع فرض شروطه بالكامل، فقد تتأثر قوة الردع الإسرائيلية.

لكن بالمقابل، لا يمكن إغفال أن الكيان الصهيوني ما زال: يمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً، ويحظى بدعم أمريكي واسع. (هناك حديث الآن داخل الأوساط السياسية الأمريكية أن بعض المؤيدين للكيان قدموا مشروع قانون للكونغرس ضمن الموازنة العسكرية لسنة 2027 باقتراح دمج الجيش الإسرائيلي ضمن موازنة البنتاغون وهذا المشروع يبدو أنه سيدفع نحو مزيد من الجدل والتصادم بين اللوبي الصهيوني داخل المشهد السياسي الأمريكي وبين المشرعين الأمريكيين). كما أن الكيان يحتفظ بقدرات تكنولوجية واستخباراتية ضخمة. لذلك فإن الحديث عن "هزيمة استراتيجية نهائية" يبقى استنتاجاً مبكراً.

وحول لجوء الكيان الصهيوني إلى تصعيد جديد، هذا احتمال قائم دائماً للأسباب التالية:

الخلافات الداخلية.

الرغبة في استعادة الردع.

الحسابات الانتخابية والسياسية.

لكن أي تصعيد جديد سيكون محكوماً بدرجة المخاطر التي أظهرتها المواجهات الأخيرة

_ بالنسبة للشأن اللبناني.. ما هي قراءتكم لتطورات المشهد الراهن في الداخل في ظل محاولات الاحتلال الإسرائيلي الاستمرار في العدوان والتحدي الذي يشكله أمامه صمود المقاومة الإسلامية ومعادلة إيران الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل قصف عمق الكيان؟ وما موقفكم من المفاوضات المباشرة التي تجريها السلطة مع الكيان الصهيوني؟ ولماذا يؤكد الكثير أن هذه المفاوضات لن تحقق شيئاً لسيادة لبنان وشعبه وأن معادلة المقاومة هي الوحيدة القادرة على تحرير الأرض وانتزاع الحقوق في ظل الشواهد وتجارب الميدان؟

بالنسبة للشأن اللبناني، فإن القراءة النقدية للمشهد الراهن تنطلق من حقيقة أساسية مفادها أن لبنان لا يزال يواجه احتلالاً لأجزاء من أراضيه وعدواناً إسرائيلياً مستمراً براً وجواً وبحراً، وأن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف رغم كل المبادرات والاتفاقات والوساطات الدولية. فالمواطنون في العديد من المناطق الحدودية ما زالوا يعيشون تداعيات الحرب والتهجير والدمار، بينما يستمر الكيان في انتهاك السيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً بصورة شبه يومية.

من هذا المنطلق، يرى قطاع واسع من اللبنانيين أن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع "إسرائيل" في ظل استمرار الاحتلال والعدوان يمثل تنازلاً سياسياً مجانياً لا يستند إلى عناصر قوة حقيقية، بل يمنح الاحتلال مكاسب سياسية ودبلوماسية دون أن يقدم في المقابل أي ضمانات جدية تتعلق باستعادة الحقوق أو حماية السيادة الوطنية. ويستند هذا الموقف إلى تجارب تاريخية عديدة أثبتت، في نظرهم، أن إسرائيل لم تنسحب من الأراضي اللبنانية بفعل التفاوض وحده، وإنما نتيجة توازنات القوة والضغوط الميدانية التي فرضتها المقاومة على مدى سنوات.

كما يثير المعارضون لهذه المفاوضات إشكالية دستورية ووطنية تتعلق بآلية اتخاذ القرار نفسه. فلبنان يقوم على مبدأ الشراكة الوطنية والتوافق بين مكوناته المختلفة وفقاً للدستور وميثاق العيش المشترك، ولذلك يعتبر هؤلاء أن أي تحول استراتيجي في العلاقة مع إسرائيل لا يمكن أن يتم بصورة أحادية أو من خلال قرارات تتجاوز الانقسامات العميقة الموجودة داخل المجتمع اللبناني بشأن هذا الملف. ويرون أن أي مسار تفاوضي من هذا النوع يحتاج إلى إجماع وطني واسع وإلى نقاش سياسي ودستوري شامل، لا إلى فرض أمر واقع تحت ضغط الظروف الإقليمية أو الدولية.

وفي السياق نفسه، يوجه المنتقدون للحكومة والسلطة السياسية اتهامات بأنها اعتمدت خلال المرحلة الماضية خطاباً سياسياً وإعلامياً ركز بصورة شبه حصرية على سلاح المقاومة، في وقت لم يرافقه موقف مماثل تجاه الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة. كما يعتبر هؤلاء أن بعض الخطابات الرسمية ساهمت في خلق انطباع بأن المقاومة ومناصريها يمثلون مشكلة داخلية يجب التعامل معها أمنياً أو قانونياً، بدلاً من التعامل معهم باعتبارهم جزءاً من النسيج الوطني اللبناني الذي قدم تضحيات كبيرة خلال عقود الصراع مع إسرائيل.

ومن وجهة نظر هذا الفريق، فإن توصيف المقاومين باعتبارهم خارجين عن القانون أو التعامل معهم كمجموعة فاقدة للشرعية الوطنية يتناقض مع حقيقة أنهم مواطنون لبنانيون يتمتعون بالحقوق نفسها التي يتمتع بها سائر اللبنانيين، بما في ذلك حقهم في العودة إلى قراهم وبلداتهم الجنوبية والعيش فيها بأمان وكرامة ومن دون تهديد دائم من الاعتداءات الإسرائيلية أو عمليات الاغتيال والاستهداف.

كما يربط هذا الفريق بين قضية السلاح وقضية الأمن الوطني، معتبراً أن أي نقاش حول مستقبل المقاومة لا يمكن فصله عن سؤال أساسي يتعلق بكيفية حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية المستقبلية. فالمطلوب، في نظرهم، ليس فقط المطالبة بننزع السلاح، بل تقديم ضمانات فعلية وواقعية تمنع تكرار الحروب والاحتلال والانتهاكات، وتؤمن الحماية لسكان الجنوب والمناطق الحدودية. وهم يجادلون بأن المجتمع الدولي أثبت مراراً عجزه عن إلزام العدو الصهيوني باحترام القرارات الدولية أو وقف اعتداءاته، الأمر الذي يجعل الاعتماد الحصري على الضمانات الدولية أمراً غير كافٍ من الناحية العملية.

لهذا السبب نؤكد الرفض للمفاوضات المباشرة، ذلك أن التجربة اللبنانية منذ عام 1982 وحتى اليوم تدل على أن "إسرائيل" تستجيب بصورة أكبر لمعادلات القوة والردع منها للمفاوضات والالتزامات السياسية. ولذلك أي مسار يهدف إلى تحرير ما تبقى من الأراضي المحتلة أو حماية السيادة اللبنانية أو منع الاعتداءات المستقبلية يجب أن يستند إلى عناصر قوة وطنية حقيقية، لا إلى الرهان على حسن نيات الاحتلال أو الضغوط الدبلوماسية وحدها.

وخلاصة هذا الموقف أن المشكلة الأساسية ليست في مبدأ الحوار أو التفاوض بحد ذاته، وإنما في التوقيت والظروف والسياق الذي يجري فيه. فالتفاوض يصبح عديم الجدوى عندما يتم في ظل استمرار الاحتلال والعدوان وغياب الضمانات ووجود اختلال كبير في موازين القوى، بينما تبقى الأولوية الوطنية متمثلة في حماية السيادة وعودة المهجرين وتأمين الأمن لسكان الجنوب واستعادة الحقوق اللبنانية كاملة قبل الانتقال إلى أي ترتيبات سياسية أو تفاوضية أوسع.

_ ما موقفكم من زيارة رئيس ما يسمى بـ"أرض الصومال" إلى الكيان الصهيوني واعتزامه افتتاح سفارة في مدينة القدس المحتلة؟ وما هي المخاطر المترتبة على هذه العلاقات بين الطرفين من جهة ومن التوغل الإسرائيلي في الصومال والقرن الأفريقي على أمن واستقرار الممرات البحرية العربية والأفريقية من جهة أخرى؟ ولماذا تواصل الأنظمة العربية صمتها تجاه التحركات الصهيونية رغم كل ما حدث من عربدة وكشف لحقائق ونوايا المشروع الصهيو_أمريكي تجاه ثروات وموارد الأمة العربية والإسلامية والأفريقية خلال الفترة الأخيرة؟

أرض الصومال ليست دولة معترفاً بها من الأمم المتحدة، لكنها تدير شؤونها بشكل مستقل عن الحكومة الفيدرالية في الصومال.

طبعاً، يهتم الكيان الصهيوني بالقرن الأفريقي لعدة أسباب: قرب المنطقة من باب المندب، والتأثير على أمن البحر الأحمر، ومراقبة طرق التجارة الدولية، كما المنافسة مع القوى الإقليمية والدولية الأخرى. يرى المنتقدون لهذه العلاقات أنها قد تؤدي إلى: زيادة الاستقطاب الإقليمي، وتوسيع التنافس العسكري والاستخباراتي، والأخطر من ذلك تعقيد النزاعات القائمة في القرن الأفريقي. بينما يرى المؤيدون أنها: توفر فرصاً اقتصادية واستثمارية، وتعزز التعاون الأمني.

أما عن الصمت العربي، فالإجابة تختلف من دولة لأخرى، لكن من أبرز التفسيرات المطروحة: هو اختلاف الأولويات الوطنية، والانقسامات العربية، والتحولات الجيوسياسية. كما التركيز على الأزمات الداخلية، ووجود مصالح وتحالفات متباينة مع القوى الدولية والإقليمية.

إذا كان الاتفاق الأمريكي الإيراني قد أوقف مواجهة واسعة وفرض العودة إلى التفاوض، فإن ذلك يشير إلى أن الحل العسكري لم ينجح في فرض أهدافه القصوى على أي من الطرفين. ومن ثم يمكن اعتبار الاتفاق تسوية تعكس توازن قوى جديداً أكثر مما تعكس انتصاراً مطلقاً لطرف أو هزيمة مطلقة لطرف آخر.

أما مستقبل المنطقة فسيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية:

مدى التزام واشنطن وتحديداً ترامب بالاتفاق.

سلوك الكيان الصهيوني بعد الاتفاق وقدرتها على التكيف مع الواقع الجديد.

قدرة الدول العربية والإقليمية على بناء سياسات مستقلة تستند إلى مصالحها الوطنية بعيداً عن منطق المحاور والصراعات المفتوحة.

بهذا المعنى، قد يكون الاتفاق بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، لكنه لا يمثل بالضرورة نهاية الصراع أو حسم جميع القضايا التي أنتجته.