يونيو 11, 2026 - 21:28
يونيو 12, 2026 - 20:53
الباحث السياسي المصري شادي الشربيني لـ(عرب جورنال): القصف الإيراني للكيان دعماً للبنان يفرض معادلات اشتباك جديدة واليمن نجح في إفشال المخططات الأمريكية الإسرائيلية لتفكيك وحدة الساحات

في حوار جديد، تستضيف "عرب جورنال" الباحث السياسي المصري، شادي الشربيني، للوقوف على آخر وأبرز التطورات التي تشهدها المنطقة والإقليم، وعلى رأسها القصف الإيراني لعمق الكيان الصهيوني رداً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، ومناقشة أهمية هذا الرد الذي يفرض معادلة ردع استراتيجية جديدة في ميدان المواجهة، ويعزز "وحدة الساحات" كمعادلة ثابتة في صلب المواجهة المفتوحة. كما يناقش الحوار الانعكاسات العميقة لهذه المعادلة التي تأتي في ظل استمرار الصمت والتخاذل والتواطؤ من قِبل النظام الرسمي العربي أمام الاستباحة الصهيونية لسيادة دول عربية وإسلامية.

كما يتطرق الحوار إلى تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفجير سلطنة عُمان بسبب موقفها الداعم للإجراءات الإيرانية في مضيق هرمز، ورفضها الانخراط في التصعيد الأمريكي ضد طهران، في وقت يتضح فيه أن واشنطن ليس لديها أي صديق في المنطقة باستثناء "إسرائيل".

ويناقش الحوار أيضاً تفاقم الصراع السعودي الإماراتي، لاسيما بعد إعلان أبوظبي الانسحاب بشكل نهائي من منظمة أوبك وتحالف "أوبك+"، وتداعيات هذا الصراع الذي يأتي تحت مظلة "الحليف الأمريكي"- على أمن واستقرار المنطقة العربية والإسلامية.

عرب جورنال / حوار / حلمي الكمالي 

القصف الإيراني لعمق الكيان الصهيوني دعماً للبنان يمثل انقلاباً استراتيجياً شاملاً في "الشرق الأوسط" يفرض معادلات اشتباك جديدة تحمي بيئة المقاومة وحاضنتها الشعبية في لبنان.

اعتراف صحافة الاحتلال بانهيار استراتيجية نتنياهو وتدهور موقفه الأمني يعكس حجم الإنجاز العسكري للمقاومة الذي شلّ القدرات العدوانية لـ"إسرائيل" وجعلها في وضع أضعف.

صعود أنصار الله في اليمن وفتحهم جبهة إسناد عسكرية لغزة ولبنان شكّل نموذجاً ثورياً ملهماً نجح في إفشال المخططات الأمريكية والإسرائيلية لتفكيك وحدة الساحات.

الحكمة والشجاعة فرضتا على اليمن دخول المعركة كتفاً بكتف مع حلفائه في الميدان؛ لأن السكوت كان سيعني استفراد الأعداء بكل ساحة من ساحات المقاومة على حدة.

تهديد ترامب بتفجير سلطنة عمان يثبت أن واشنطن لا ترى العرب إلا مجرد أدوات تضحي بهم عند انتهاء مصالحها، وأنها لن تحمي أحداً في المنطقة سوى كيان الاحتلال.

انسحاب الإمارات من تحالف "أوبك+" يمثل ضربة قوية للمنظمة تخدم المصالح الأمريكية، ويعكس عمق الصراع الخفي المحموم مع السعودية على النفوذ والهيمنة الإقليمية في الخليج.

اتفاقية "كامب ديفيد" شكلت ثقباً أسود ابتلع مصر وأفقدها بوصلتها الأمنية، وخلاص الإقليم بأكمله مرهون باسترداد الدولة المصرية لدورها القيادي القومي والتصدي الفاعل للعربدة الصهيونية.

_ كيف ترون قيام إيران بقصف عمق الكيان الصهيوني رداً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتزامن مع ردودها العسكرية السريعة والحاسمة على الاعتداءات؟ وأي معادلة استراتيجية تفرضها الجمهورية بعد مبادرتها عسكرياً من أجل لبنان وتأكيدها أن التصعيد ضد لبنان وكذلك غزة هو خرق لاتفاق النار معها؟ وما هي الانعكاسات الإيجابية لهذه المعادلة على واقع المقاومة في إطار موازين القوة والردع في ميدان المواجهة التي تشهدها المنطقة والإقليم، وأيضاً على التوترات والملفات الملتهبة بشكل عام؟ وماذا يمكن القول بحق هذا الموقف الإيراني في ظل الصمت والتواطؤ العربي أمام الاستباحة الصهيونية لسيادة دول عربية وإسلامية؟

قيام إيران بقصف عمق الكيان الصهيوني رداً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتزامن مع ردودها العسكرية السريعة والحاسمة على الاعتداءات، يدخل في إطار الانقلاب الاستراتيجي الشامل الذي تقوم به الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع رفقة السلاح والجهاد والنضال في جبهة المقاومة، في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي في العالم بأجمعه.

هذا الانقلاب (أو الثورة الكبرى) يأتي نتيجة العمل الجبهوي الطويل الذي جمع بين رفقاء جبهة المقاومة، والذي تُوِّج بدماء الشهداء الكبار؛ القائد إسماعيل هنية وما تلاه من استشهاد البطل الأسطوري حسن نصر الله، ثم أخيراً استشهاد آية الله علي الخامنئي القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية وأمير المؤمنين والمجاهدين والأحرار. إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أثبتت بهذه العملية أنها إذا وعدت أوفت، وأنها بالرغم من كل الدماء والتضحيات، مستمرة في طريق الجهاد وردع العدو الإسرائيلي ومن ورائه الأمريكي.

إن القصف الإسرائيلي لمبنى مهجور في الضاحية لم يكن سوى اختبار لجدية التهديدات والوعود التي أطلقها مقر "خاتم الأنبياء"، وبرد الفعل الإيراني العظيم والمزلزل، بل وباحتفاظها بالضربة الأخيرة على إسرائيل في تلك المواجهة، ثم امتناع إسرائيل أخيراً -حتى وقت إجراء هذا الحوار- عن العودة لاستهداف الضاحية الجنوبية وبيروت بالرغم من إطلاق حزب الله صواريخه وطائراته المسيرة على مستوطنات الشريط المحتل، لهو دليل واضح على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية حققت ردعاً واضحاً للعدو الإسرائيلي، وكتبت معادلات اشتباك جديدة تجعل لبنان وأهلها وشعبها أكثر أمناً، وبذلك تحمي بيئة حزب الله وقواعده وحاضنته الباسلة.

إن الرجوع إلى صحافة كيان الاحتلال وإعلامه الذي يصرخ بأن إيران ردعته وأوقفته وتشل قدراته العدوانية، لهو أبرز دليل على حجم الإنجاز الإيراني ومحور المقاومة. فبعنوان "الفشل الكامل: استراتيجية نتنياهو تجاه إيران انهارت"، يسلط مقال "إسرائيل هيوم" الضوء على أن "الموقف الاستراتيجي لإسرائيل" في حربها على إيران تدهور بشكل كبير. ويؤكد المقال أن الواقع الاستراتيجي الجديد "أكثر صعوبة على إسرائيل" وسيصعب مواجهة "التهديد الإيراني" في السنوات القادمة، موضحاً أن جذر هذا "الفشل" يكمن في "الغرور وسوء الحسابات" التي سادت داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وقالت "إسرائيل هيوم" إن إيران أبدت استعدادها لتحمل مخاطر كبيرة لفرض قواعد اشتباك جديدة، بما في ذلك منع "إسرائيل" من تنفيذ عدوان على بيروت. ووصفت المشهد الاستراتيجي الناشئ بأنه "معقد بشكل متزايد"، مضيفة أن أمام "إسرائيل" "تحديات أكبر"، خاصة بالنظر إلى اعتمادها على الولايات المتحدة. وأكدت "إسرائيل هيوم" أن الحملات العسكرية الأخيرة كانت "فشلاً ذريعاً"، حيث إنها لم تنجح في "ردع" إيران ولم تغير "ميزان القوى"، وبدلاً من ذلك تركت "إسرائيل" في وضع استراتيجي أضعف.

إن الموقف الإيراني الذي يقدم الغالي والنفيس في سبيل التصدي للعدوان والعربدة الإسرائيلية في لبنان وغزة، ويقدم سيلاً من الشهداء والتضحيات لا يتوقف على طريق القدس في سبيل نصرة فلسطين وشعبها المكافح المستشهد، لهو أكبر فاضح لضعف وتواطؤ وخيانة الأنظمة العربية، بل وأيضاً لهو كاشف عن الغيبوبة التي تعيش فيها الشعوب العربية. فقضية فلسطين هي قضية الأمة العربية قبل أي طرف آخر في العالم، وكيان الاحتلال ما هو إلا خنجر الغرب الاستعماري في خاصرة الأمة العربية، ومصر بالذات. وإنني أدعو الشعوب العربية والشعب المصري بالذات، للتقدم واسترداد مواقعهم الطبيعية في حرب التحرير والحرية، والتي تبدأ من القيام والتصدي للعدو الإسرائيلي، ولا تنتهي بخوض القتال في سبيل تحرير القدس وكل شبر في فلسطين والقضاء التام والمبرم على كيان الاحتلال.

_ بعد دخول اليمن خط المواجهة مباشرة عقب التصعيد الأخير وقيامه بقصف عمق الكيان الصهيوني وإعلانه فرض حظر ملاحي كامل وشامل على كافة السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر وذلك رداً على العدوان ضد لبنان وإيران.. هل تعتقدون أن هذا الإجراء اليمني السريع أفشل محاولات الإسرائيلي والأمريكي لتفكيك وحدة الساحات؟ وماذا عن الموقف اليمني الداعم للمقاومة في مختلف الجبهات والساحات بشكل عام وعلى رأسها قطاع غزة؟ وما أهمية هذا الموقف في تغيير المعادلات العسكرية لصالح المقاومة من وجهة نظركم؟

من سوء حظ اليمن وجماعة أنصار الله أنهم جاءوا في زمن تولى فيه أمر الأمة العربية إما جبان أو منحط أو متواطئ أو خائن أو عميل، وأنهم جاءوا في زمن أصبح الشعب العربي فيه مفككاً وتائهاً وفاقداً للبوصلة بل والوعي! لكن من الناحية الأخرى، فإن صعود أنصار الله للسلطة في اليمن العظيم وفتحهم لجبهة مع العدو الإسرائيلي نصرة لغزة ثم نصرة للبنان، واستيعابهم لضربات ذلك العدو المؤلمة ثم مقاومتهم الباسلة لعدوان أعتى قوى الشر في عالمنا (الولايات المتحدة الأمريكية) وإجبارها على الانسحاب دون تحقيق أي من أهدافها، كل ذلك وأكثر كان طاقة نور فُتحت وسط الظلام الدامس، وشكّل يمن أنصار الله نموذجاً ثورياً ملهماً، نموذجاً يقتدي به بالفعل أي وطني وقومي شريف ومخلص ولم يتلوث.

إن قرار يمن أنصار الله بالعودة للدخول في المعركة كتفاً بكتف هذه المرة مع الجمهورية الإسلامية وحزب الله، لهو ليس فقط قراراً شجاعاً وباسلاً (وذلك ليس غريباً عن أسود يمن أنصار الله)، بل هو أكثر القرارات الاستراتيجية الكبرى صواباً وصحة؛ لأنه عندما اندفعت قوى العدوان الإسرائيلي/الأمريكي على الجمهورية الإسلامية ثم حزب الله، فإنها كانت تستهدف كل قوى جبهة ومحور المقاومة في الأمة العربية والإسلامية كلها، ولا رد على هذا العدوان الكاسح الشامل سوى وحدة الساحات والدفع بكل الطاقات الممكنة في ساحة قتال هذه المعركة الشاملة الفاصلة. فهي معركة لن تكون المنطقة، بل والعالم كله، بعدها كما كان قبلها.

لذلك فإنه ليس هناك أصوب ولا أكثر صحة من قرار يمن أنصار الله بالدخول في المعركة في تلك اللحظات الفاصلة وقصف قلب كيان الاحتلال نصرة للبنان وحزب الله وغزة. وقد رأينا جميعاً كيف سكت كيان الاحتلال والمجرم الأمريكي على ضربة يمن أنصار الله، ذلك لأن المفاجأة ألجمتهم، وتلك الإضافة الخطيرة في موازين جبهة المقاومة في تلك اللحظة الفاصلة جعلتهم في حاجة لاستيعاب الموقف وإعادة النظر في حساباتهم. إن السكوت وترك الجمهورية الإسلامية وحزب الله في أتون الحرب بمفردهم يعني أنه سيأتي بعد ذلك الدور على يمن أنصار الله والاستفراد به، لذلك من الحكمة قبل الشجاعة الدخول الآن في المعركة، حيث يكون الأصدقاء والرفقاء والحلفاء في الميدان كتفاً بكتف.

_ ما تعليقكم على تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفجير سلطنة عُمان بسبب موقفها الداعم للإجراءات الإيرانية في مضيق هرمز؟ وماذا يعني هذا التهديد لدولة يفترض أنها "حليفة" لواشنطن، ناهيك عن مواقفها المحايدة ورعايتها للسلام وحل النزاعات في المنطقة؟ وإلى أين تتجه الغطرسة الأمريكية بقيادة ترامب؟ وهل تعتقدون أن مثل هذا التهديد يجب أن يوقظ الأنظمة العربية التي ما تزال في سباتها العميق وتظن أن "واشنطن حليف موثوق" لتعرف عدوها الحقيقي وأن الدور قد يكون عليها في ظل كل ما يحدث من تصعيد أمريكي إسرائيلي في محيطها الجغرافي والقومي؟

يتميز دونالد ترامب عن غيره من الرؤساء الأمريكيين بصلفه ووقاحته العلنية مع حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة، لكنه حتى مع ذلك لم يبلغ به الأمر مبلغ أن يهدد أحدهم بنسفه، مثلما فعل مع سلطنة عمان!! وإن ذلك لدليل جديد ساطع وباهر على أن الولايات المتحدة لا ترى أي صديق أو حليف في المنطقة سوى كيان الاحتلال، أما الباقون، مهما قدموا ومهما فعلوا، فهم مجرد خدم في نظرها، والتضحية بهم ورميهم على قارعة الطريق هو أسهل الأمور عند الأمريكي.

لقد رأينا من قبل كيف أن وجود أكبر القواعد الأمريكية في قطر لم يردع كيان الاحتلال عن قصفها، بل إن تلك القواعد الأمريكية ومنظومات الحماية والدفاع الجوي الأمريكية التي تغطي كل الكيان القطري لم تتحرك للدفاع ولو بشكل سلبي عن العاصمة القطرية الدوحة أمام قصف وعدوان وغارات الكيان.

إنها الحقيقة الساطعة أمام الجميع، أن الولايات المتحدة لم ولن تحمي أحداً في المنطقة، وأن كل العرب الذين يظنون أنهم تحت مظلتها ليسوا سوى أدوات في يدها، ستلقي بهم في أقرب مزبلة عندما تنتهي من غرضها منهم وتستحلب كل ما عندهم من خير وثروات.

إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت وما زالت عدواً تاريخياً لكل الأمة العربية ولكل الدول العربية، لكن الأنظمة العربية المتسلطة على الشعب العربي والتي تنهبه، لا ترى ضماناً لأمن بقائها واستمرار تسلطها وطغيانها إلا بالخضوع للأمريكي والعمل تحت إمرته ومنحه المزيد والمزيد من ثروات وموارد الأمة العربية. لذلك فإنه لا سبيل أن تتعلم تلك الأنظمة الدرس وتستوعبه، وإن الأمل الوحيد يكمن في صحوة الوعي الشعبي العربي، ذلك الوعي الذي يفتح الطريق لفرز وولادة قيادات وطنية وقومية حقيقية تخوض معركة تحرير الأمة العربية من النفوذ والتسلط والسيطرة الأمريكية، وتوحد الأمة أمام العدوان وتعبئ الطاقات وتسخر الموارد لصالح معركة التحرير.

_ قبل أكثر من شهر أعلنت الإمارات انسحابها النهائي من منظمة أوبك و"تحالف أوبك+".. ما تعليقكم؟ وما الأسباب الحقيقية لهذا الانسحاب؟ وما علاقة هذا الانسحاب بالصراع مع السعودية والتنافس على النفوذ والهيمنة الإقليمية؟ وما تداعيات هذا الصراع على الساحات الاقتصادية في الخليج والمنطقة بشكل عام؟ وكيف تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من الصراعات والخلافات بين حلفائها ووكلائها الإقليميين؟ ولماذا تسعى واشنطن دائماً لإشعال جذوة الجمر بينهم بدلاً من إخمادها؟

منذ وقت طويل تريد الإمارات الانسحاب من "تحالف أوبك+" ومنظمة أوبك كلها، ذلك لأنها ترفض القيود التصديرية على النفط التي تفرضها المنظمة على أعضائها. فالإمارات تسعى إلى رفع حصتها التصديرية من النفط أضعاف ما تسمح به حصة منظمة أوبك لها، فهي ترى أن ذلك سيعود عليها بعوائد مالية أكبر. في نفس الوقت، فإن الانسحاب الإماراتي من الأوبك يصب في مصلحة الولايات المتحدة، التي ترى في أوبك منظمة احتكارية ترفع من أسعار النفط، لذلك كان ترامب أول المرحبين والداعمين لقرار الإمارات بالانسحاب من أوبك، فذلك الانسحاب هو ضربة جديدة قوية للمنظمة تنذر بتفككها واندثارها.

إن الخلافات الإماراتية – السعودية كانت دائماً حاضرة ولكن تحت الموائد وخلف الستار، فأبناء زايد يرون أن المملكة السعودية قد استولت على حقل نفطي يخص الإمارات. وبعد سلسلة النجاحات المالية والاقتصادية الكبيرة تنامى شعور حكام أبو ظبي بذاتهم وبإمكانية خروجهم من تحت المظلة السعودية على دول الخليج العربي. والأكثر من ذلك أنهم شرعوا في استمالة البحرين والكويت لتشكيل تكتل تابع لهم ومناوئ للمملكة السعودية.

لقد أحدث انسحاب مصر وراء حدودها وانكفاؤها على نفسها نتيجة لاتفاقيات كامب ديفيد فراغاً موحشاً في العالم العربي، هذا الفراغ ترك المجال للممالك النفطية لكي تتوسع وتتمدد بدفع وتشجيع أمريكي. ثم كان ما ترافق وأعقب الانسحاب المصري من تورط العراق في حرب طويلة مع إيران طوال فترة الثمانينات، ثم غزوه للكويت وتحطيم عظمه في حرب الخليج الثانية وما أعقب ذلك من غزو وسقوط بغداد في 2003، ثم سقوط ليبيا في 2011 وتورط سوريا في حرب ممتدة حتى سقوط دمشق في 2024، كل ما سِيق زاد من وحشة الفراغ في العالم العربي وشجع السعودية والإمارات للدخول ووراثة دور الكيانات العربية الوازنة.

النقطة هنا أن حكام الإمارات والسعودية كانت أعينهم على واشنطن وتنافسوا على الحصول على دعمها في صراع السيطرة بينهما. ولكن بما أن السعودية كيان أكبر بكثير من الإمارات ويقيد من حركته نحو كيان الاحتلال إشرافهم على المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة، فإن الإمارات كانت الأسرع والأكثر اندفاعاً نحو تل أبيب، فوكما هو شائع في دوائر السلطة في عالمنا العربي، فإن الطريق إلى واشنطن يمر عبر البوابة الإسرائيلية! لذلك يبدو لنا الآن بأكثر الصور وضوحاً أن حكام الإمارات اختاروا الالتحاق بتل أبيب وعقد تحالف شامل وعميق معها في سبيل تمكينها من الفوز بالمشاركة في السيطرة على المنطقة تحت المظلة الإسرائيلية/الأمريكية!!

_ برأيكم، هل تعتقدون أن الغطرسة الأمريكية والعربدة الصهيونية وكل هذا التصعيد الغربي في المنطقة يؤثر بشكل مباشر على الأمن والاستقرار في مصر؟ كيف ذلك؟ وما هي نصائحكم أو توصياتكم حتى تكون مصر في منأى عن تداعيات هذا التصعيد وهذه العربدة بشكل عام؟ وهل يبدأ ذلك من مراجعة المواقف من الدول والقوى المناهضة للهيمنة الأمريكية الصهيونية على امتداد المنطقة والإقليم؟

موجز المسألة وقلب وجوهر الأزمة المصرية هو أن اتفاقية كامب ديفيد شكلت ثقباً أسود ابتلع مصر في جوفه، ومع مرور الأيام والسنين يزداد غرق مصر نحو قاع هذا الثقب. إن كامب ديفيد ليست فقط اتفاقية أخرجت مصر من الصراع العربي – الإسرائيلي -وذلك مطلب قديم لكيان الاحتلال- بل إنها منظومة سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية شاملة، تعيد صياغة الحياة في بر مصر لتصبح على المقاس الأمريكي/الإسرائيلي. وقد أثبت حراك يناير أن كل شيء يمكن تغييره في مصر، بدءاً من الرئيس وحتى الدستور، ولكن لا أحد يمس بكامب ديفيد، لذلك فعلياً لا يتغير أي شيء في هذا البلد، بل على العكس تسير الأمور من سيئ إلى أسوأ!!

بالطبع ليس المقصود أن مصر قبل كامب ديفيد كانت بلا مشاكل وأزمات وإخفاقات، ولكن البوصلة العامة كانت مضبوطة في اتجاه صحيح، وكان هذا البلد يدرك إلى حد كبير مقتضيات أمنه القومي، ومن هو عدوه ومن هو صديقه، وأن مصر لا تستطيع أن تكون مؤثرة في هذا العالم بغير تصديها لدور قيادي/قومي/وحدوي في عالمها العربي. كانت كامب ديفيد وما مهد لها، تعني فقدان الدولة المصرية البوصلة، ودخولها في زمن من التيه وضعف الرؤية ما زال ممتداً ومسيطراً عليها، ويتسبب في تدمير أمنها القومي وإلحاق أذى واسع وبالغ بجبهتها وبنيتها الداخلية.

إن غياب وتغييب مصر في ثقب كامب ديفيد الأسود لم يمثل فقط كارثة على أمنها ومستقبلها، ولكن أيضاً كارثة كبرى على المنطقة والأمة العربية كلها. لا ريب أن استرداد مصر لدورها الطبيعي الوطني والقومي، وعودة الوعي لمقتضيات أمنها القومي، وإدراكها أن هذا التفادي المستمر للمواجهة ليس شيئاً آخر سوى استسلام، وفهمها أن الصراعات هي التي تفجر طاقات الدول والأمم وتدفعها للحاق بالعصر وفرز أفضل عناصرها وأكثرهم قدرة على العطاء، سيمثل الخلاص ليس فقط لها، بل للإقليم والمنطقة، وربما للعالم كله!!

إذا استطاعت جبهة المقاومة أن تسهم في هذا الأمر بشكل مؤثر وفعال، فإن هذا سيكون أكبر نجاح وانقلاب في موازين القوى يحسم المعركة لصالح الحرية والعزة والكرامة لكل المنطقة وشعبها.