مايو 3, 2026 - 21:41
الحرب الفيتنامية الأمريكية| الحلقة الثالثة: عبقرية المقاومة والتحالفات – تكتيكات "الرجل الصغير" ضد العملاق (1969-1972)

عرب جورنال _ نبيل عبد الحكيم

استهلال في مخاض الخروج والصراع على "السلام المشرف"

لم تكن الفترة الممتدة بين عامي 1969 و1972 مجرد سنوات حرب عابرة في السجل العسكري، بل كانت تمثل مخاضاً عسيراً لإمبراطورية تحاول الخروج من مستنقع الاستنزاف دون أن تريق ما تبقى من هيبتها الدولية، وذلك أمام ثورة فيتنامية آمنت بأن الصبر الاستراتيجي هو المفتاح الوحيد للتحرير الشامل.

ومع صعود ريتشارد نيكسون إلى سدة الحكم، دخل الصراع فصلاً جديداً اتسم بتناقض صارخ في الرؤية؛ حيث سعت واشنطن لسحب جنودها من جهة، بينما ضاعفت جحيم النيران من جهة أخرى تحت شعار سياسي براق سمي بـ "السلام مع الشرف"، وهو الشعار الذي أخفى خلفه مآسي عسكرية وإنسانية غير مسبوقة.

العقيدة والخنادق وفلسفة حرب الشعب

إن سر النصر الفيتنامي يكمن بلا شك في الفهم العميق لما أسماه الجنرال جياب "حرب الشعب"، وهي تلك الفلسفة العسكرية التي صهرت القتال المسلح بالتعبئة السياسية الشاملة في بوتقة واحدة. لم يكن الفيتناميون يقاتلون بالرصاص فحسب، بل كانوا يديرون معركة نفسية واقتصادية تهدف لتحويل كل فلاح إلى مقاتل صلب وكل قرية ريفية إلى حصن منيع يصعب اختراقه.

اعتمد "الفيتكونغ" على تكتيكات الكر والفر ببراعة فائقة، متجنبين المواجهات التقليدية المفتوحة التي تمنح الأمريكيين فرصة استعراض قوتهم النيرانية، وفضلوا بدلاً من ذلك نصب الكمائن الليلية والقيام بالعمليات التخريبية التي استنزفت أعصاب الجندي الأمريكي وجعلته يعيش حالة من الذعر الدائم وسط الأدغال.

ومن أعظم الإنجازات الهندسية التي سطرها التاريخ الحديث كانت أنفاق "كوشي" ومسار "هو شي منه"؛ حيث امتدت تلك الأنفاق مئات الكيلومترات تحت الأرض مشكلة عالماً موازياً يضم مستشفيات وغرف قيادة ومطابخ صممت بعبقرية لتشتيت الدخان بعيداً عن أعين الطائرات.

أما مسار "هو شي منه" فقد كان الشريان الحيوي الذي يربط الشمال بالجنوب عبر أراضي لاوس وكمبوديا، ورغم إلقاء ملايين الأطنان من المتفجرات عليه، إلا أن جيشاً من المتطوعين والعمال كان يرمم الطرق فور تعرضها للقصف، مستخدمين الوسائل البدائية كالدراجات الهوائية والمشي على الأقدام لنقل الإمدادات في تحدٍ صارخ لآلة البنتاغون المتطورة.

سياسة "الفيتنامة" وهشاشة جيوش الوكالة

حين أطلق نيكسون استراتيجية "الفيتنامة"، كان يهدف ظاهرياً لنقل عبء القتال لجيش فيتنام الجنوبي، لكن هذا التوجه كشف عن أزمة عميقة في جوهر الأنظمة التي تصنعها القوى الخارجية. فقد ظل هذا الجيش هيكلاً عسكرياً بلا روح قتالية، ومعتمداً بشكل كلي على الدعم اللوجستي والمادي الأمريكي المطلق.

وكشفت هذه المرحلة أن الإدارة الأمريكية تعمد لصناعة أنظمة عميلة تفتقر للشرعية الوطنية؛ فالمقاتل في الجنوب كان يُنظر إليه كمرتزق يخدم أجندة المحتل، بينما اتسم قادته بالفساد والارتهان للخارج. وبسبب غياب العقيدة الوطنية والارتباط الوجداني بالأرض، كان هذا الجيش يترنح أمام أول مواجهة حقيقية بمجرد غياب الغطاء الجوي الأمريكي، ما أثبت أن تكديس السلاح لا يصنع نصراً لجيوش لا تملك قضية تؤمن بها.

جحيم الحدود وسقوط الأقنعة في "كنت ستيت"

في محاولة يائسة لقطع أوردة الشمال، اتخذ نيكسون قراراً بتوسيع رقعة الحرب لتشمل غزو كمبوديا عام 1970 وقصف لاوس، مما أسفر عن كوارث إنسانية مروعة ومئات الآلاف من الضحايا المدنيين. استخدمت في هذه العمليات الأسلحة المحرمة دولياً مثل "العامل البرتقالي" لحرق الغابات، مما حول مساحات شاسعة إلى ساحات للموت والدمار.

وهذا التصدير القسري للديمقراطية سقطت أقنعته تماماً أمام المجتمع الأمريكي نفسه؛ فحين وصلت صور الحرائق والمذابح إلى الشاشات، اندلعت احتجاجات عارمة بلغت ذروتها في مذبحة جامعة "كنت ستيت"، حين أطلق الحرس الوطني النار على طلاب عزل. هنا أدرك الشعب الأمريكي أن آلته العسكرية لا تحرر الشعوب كما يُشاع، بل تحرقها، وأن الديمقراطية المزعومة تمارس القمع في شوارع أوهايو بنفس الوحشية التي تمارسها في أدغال سايغون.

نظرية "أحجار الدومينو" ومناورات كيسنجر الكونية

استندت السياسة الأمريكية في تورطها إلى نظرية "أحجار الدومينو"، وهي زعم مفاده أن سقوط فيتنام سيؤدي بالضرورة لسقوط آسيا بالكامل في قبضة الشيوعية. ولمواجهة هذا الشبح، لعب هنري كيسنجر على حبال التناقضات السوفيتية الصينية؛ فقام نيكسون بزيارته التاريخية لبكين عام 1972 مانحاً إياها امتيازات دولية كبرى مقابل الضغط على هانوي.

وعلى الصعيد العسكري، حشدت الصين مئات الآلاف من الجنود على الحدود ليس لدعم فيتنام فحسب، بل لتأمين مصالحها الجيوسياسية وتوجيه رسالة ردع لموسكو.

أدى ذلك لتعميق الفجوة بين القطبين الشيوعيين، بينما استثمر الفيتناميون هذا الخلاف بذكاء لضمان تدفق صواريخ "سام" السوفيتية المتطورة والخبرات اللوجستية الصينية، محولين السماء الفيتنامية إلى ساحة لاستنزاف الطيران الأمريكي.

هجوم الفصح وعملية "لاين باكر" وارتباك العملاق

شهد عام 1972 "هجوم الفصح" الكاسح، وهو هجوم دبابات واسع النطاق بقيادة الجنرال الفيتنامي فان تيان دونغ، ما جعل الرد الأمريكي يبدو مرتبكاً ومذعوراً. وسقطت في هذه اللحظة مبادئ نيكسون الذي لوح باستخدام السلاح النووي ضمن ما عرف بـ "نظرية الرجل المجنون" لحسم معركة دبابات، ما عكس حجم الرعب الأمريكي من الهزيمة الوشيكة على يد جيش نظامي ناشئ.

وأطلق نيكسون عملية "لاين باكر" لقصف الشمال بكل قسوة، وعلى الرغم من النجاح التكتيكي المحدود في عرقلة التقدم الأرضي، إلا أن المصلحة العسكرية لم تتحقق، إذ استمر الزحف نحو الجنوب بوتيرة لم تكسرها القنابل الموجهة. وكانت هذه العملية كارثة إنسانية وسياسية بامتياز، إذ دمرت البنية التحتية المدنية وزادت من عزلة واشنطن الدولية، وأثبتت أن التفوق الجوي لا يمكنه كسر إرادة شعب يقاتل فوق ترابه الوطني.

أوراق البنتاغون وانتحار المصداقية السياسية

في عام 1971، هزت تسريبات دانيال إلسبيرغ المعروفة بـ "أوراق البنتاغون" أركان الدولة الأمريكية، حيث كشفت الوثائق أن الحكومات المتعاقبة كانت تكذب عمداً على الشعب والكونغرس بشأن حقيقة الفشل العسكري في فيتنام.

وأدى هذا التسريب إلى فقدان الثقة المطلقة في مؤسسة الحكم، ومهد الطريق لسن قوانين تقيد صلاحيات الرئيس في شن الحروب المستقبلية. كانت تلك الأوراق هي المسمار الأخير في نعش التبريرات الأخلاقية للحرب، وأصبح الخروج من فيتنام ضرورة حتمية للحفاظ على تماسك النظام السياسي الأمريكي من الانهيار الداخلي.

مفاوضات باريس وفن المماطلة الثورية

جرت في باريس مفاوضات مضنية وشاقة بين هنري كيسنجر و"لي دوك ثو"، الذي رفض لاحقاً جائزة نوبل للسلام في موقف تاريخي لأن السلام لم يتحقق فعلياً على الأرض. استمرت اللقاءات السرية والعلنية منذ عام 1969 وحتى مطلع 1973، بمشاركة الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية والجنوبية وجبهة التحرير الوطني.

كانت هانوي تفاوض من موقع القوة المعنوية، مدركة أن الجبهة الداخلية الأمريكية تنزف بشدة، وأفضت المفاوضات في يناير 1973 إلى اتفاقية تقضي بسحب القوات الأمريكية مقابل تبادل الأسرى، لكنها تركت القوات الشمالية في مواقعها داخل الجنوب. لقد كانت في جوهرها اتفاقية لغسل اليد الأمريكية من وحل الهزيمة، بينما أيقن "لي دوك ثو" أن رحيل المحتل هو ساعة الصفر الحقيقية لسقوط سايغون وتحقيق الوحدة الوطنية.

خاتمة واستنتاج

لقد أثبتت وقائع سنوات الاستنزاف تلك أن الإرادة الوطنية حين تعانق تراب الأرض، لا يمكن لأعتى الجيوش العميلة أو القنابل الذكية أن تنال من عزيمتها. سقطت أحجار الدومينو الأمريكية بفعل الصمود الأسطوري للفيتناميين الذين علموا العالم درساً بليغاً في أن الإمبراطوريات تسقط حين تفقد شرعيتها الأخلاقية وإيمان شعوبها بالعدالة، قبل وقت طويل من نفاد ذخيرتها في ساحات القتال.