مايو 3, 2026 - 00:28
مايو 3, 2026 - 00:41
العسكرة المصغرة: حين تُسرع الإمبراطوريات سقوطها وهي تبحث عن الخلاص

عرب جورنال _ توفيق سلَّام 

في لحظات الانحدار التاريخي، لا تسقط الإمبراطوريات فجأة، بل تنزلق ببطء وهي تحاول إنكار تراجعها عبر استعراضات القوة. هذا ما يلتقطه المؤرخ الأمريكي"ألفريد دبليو ماكوي" بدقة حين يضع عدوان دونالد ترامب ضد إيران ضمن سياق أوسع، لا باعتبارها حدثًا معزولًا، بل كحلقة في نمط تاريخي متكرر. إذ يقول نصًا إن هذه الحروب تمثل نموذجًا لـ"العسكرة المصغرة"، أي تلك المغامرات العسكرية التي تلجأ إليها القوى المتراجعة في محاولة لاستعادة الهيبة، لكنها في الواقع تُعجِّل بانهيارها بدلًا من إنقاذها. وفي كتابه"في ظلال القرن الأمريكي:صعود وتراجع القوة العالمية للولايات المتحدة"، يؤكد "ماكوي" أن هذه الظاهرة ليست استثناءً، بل قانونًا شبه ثابت في مسار الإمبراطوريات.

هذا الطرح لا يقف عند حدود التحليل، بل يكتسب وزنه من استقلاليته الفكرية؛ فهو لا يصدر عن خصم أيديولوجي للولايات المتحدة، بل عن مؤرخ أمريكي يقرأ تاريخ بلاده ضمن سياق تاريخي أوسع، وهو ما يمنح هذه الخلاصة مصداقية مضاعفة. إنها قراءة من داخل البيت الأمريكي نفسه، وهذا ما يجب التأكيد عليه مرة أولى وثانية وثالثة، أن التحذير لا يأتي من الخارج، بل من داخل البنية الفكرية الأمريكية التي بدأت تدرك ملامح الانحدار.

"ماكوي" يربط بين الحاضر والماضي عبر أمثلة تاريخية صادمة في دلالاتها. فهزيمة أثينا في صقلية لم تكن مجرد خسارة عسكرية، بل كانت لحظة انكشاف لوهم القوة، حين قاد قرار متهور إلى تدمير أسطولها وانهيار نفوذها.

وكذلك البرتغال في معركة وادي المخازن عام 1578، حين دفعتها مغامرة توسعية إلى فقدان ملكها وانكشافها أمام الهيمنة الإسبانية. والإمبراطورية الرومانية حين توسعت بشكل مفرط، استنزفت مواردها في حروب بعيدة أنهكت مركزها الداخلي. والإمبراطورية الفرنسية في عهد نابليون، حين اندفعت نحو روسيا، لم تكن تلك الحملة سوى بداية النهاية. وكذلك الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، حيث تحولت الحرب إلى مستنقع استنزاف ساهم في تفكك الإمبراطورية من الداخل.

هذه الأمثلة ليست سردًا تاريخيًا، بل تحذيرات صريحة. وهنا يكرر "ماكوي" فكرته الجوهرية بنصها الواضح. هذه الحروب تفرض كلفة باهظة، وتُضعف التحالفات، وتكشف حدود القوة الإمبراطورية. فمع انتهاء القتال، تظهر النتائج الحقيقية تآكل النفوذ، وتصاعد الفوضى الدولية، وتراجع المكانة الاقتصادية. هذا التحذير، مرة أخرى، لا يأتي من خصوم واشنطن، بل من داخل عقلها الأكاديمي، وهو ما يمنحه وزنًا استثنائيًا.

وإذا انتقلنا إلى الحاضر، فإن ما يجري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يكاد يكون تطبيقًا حيًا لهذا النموذج. فخطاب دونالد ترامب يكشف بوضوح حالة ارتباك استراتيجي أكثر منه تعبيرًا عن قوة. فهو يتحدث بلغة فوقية عن تدمير البحرية الإيرانية ليسقطها "في قاع البحر"، ويصف الاقتصاد الإيراني بالانهيار، ويتبجح بالحصار البحري كبديل عن الحرب، متوعدًا بأزمات مركبة طويلة الأمد. لكن هذه اللغة، عند تفكيكها، تبدو أقرب إلى خطاب دعائي منه إلى توصيف واقعي، بل إنها تحمل تناقضات داخلية واضحة.

ففي الوقت الذي يدعو فيه إلى مفاوضات مباشرة وجهًا لوجه، يعود ليقلل من جدوى التفاوض، ويسخر من المقترحات الإيرانية، ويزعم أنه لا يعرف مع من يتحدث لأن إيران، أصبحت حسب قوله"لا تملك قيادة أو جيشًا".

وفي خطاب ألقاه مساء الجمعة أمام منتدى"نادي بالم بيتشيز" غير الربحي، قال ترامب عن القيادة الإيرانية: "في الواقع، قادتهم اختفوا أيضًا. وهذه جزء من مشكلتنا.. نحن لا نعرف مع من نتعامل بحق الجحيم.. يتصل أحدهم ويقول: أنا محمد فلان. فأقول له: هل أنت قائد؟ نحن نبحث عن قائد.. إنها الدولة الوحيدة في العالم التي لا يريد أحد فيها أن يكون قائدًا كما تعلمون.. يقولون: هل يريد أحد أن يصبح رئيسًا؟ ولا يوجد أي متطوعين.. لكننا سننجز الأمر.. أعتقد أننا نقوم بعمل رائع هناك في الواقع... كما تعلمون، لقد استخدموا مضيق هرمز كسلاح لسنوات طويلة جدًا. كانوا يقولون إنهم سيغلقونه، لذا أغلقوه، ثم أنا أغلقته عليهم".

وقدم ترامب شرحًا مفصلًا لكيفية تطبيق البحرية الأمريكية للحصار البحري على الموانئ الإيرانية، واصفًا المشهد بأنه أشبه "بعش النمل". وشبه ضباط البحرية الأمريكية ب"نجوم هوليوود".

هذا التناقض ليس تفصيلًا، بل يعكس ارتباكًا في مركز القرار، ومحاولة للهروب إلى الأمام عبر خطاب استعراضي. أي أنها، بلغة"ماكوي"، إحدى سمات"العسكرة المصغرة"، حيث تحل اللغة محل الاستراتيجية.

في المقابل، تبدو إيران وكأنها تدير المشهد بعقلية تفاوضية مركبة، لا تكتفي بردود الفعل، بل تطرح مسارات واضحة. تصريحات قادتها بشأن مضيق هرمز تربط الإغلاق برفع الحصار، وتضع ذلك ضمن إطار تفاوضي مشروط. والأهم هو الصيغة التي قدمتها عبر الوسيط الباكستاني، والتي تقوم على ثلاث مراحل متدرجة: أولها وقف الحرب وضمان عدم تكرارها دون الدخول في ملفات أخرى، ثم الانتقال إلى إدارة مضيق هرمز ضمن نظام حقوقي جديد بالتنسيق مع عمان، وأخيرًا بحث الملف النووي، لكن فقط بعد تثبيت المرحلتين السابقتين. هذه المقاربة تكشف عن فهم عميق لترتيب الأولويات، بعكس التخبط الأمريكي.

وحذرت مجلة "أمريكان كونسيرفيتيف" من أن الولايات المتحدة باتت عاجزة عن تحقيق النصر في مواجهتها العسكرية مع إيران، مؤكدة أن جميع سيناريوهات إنهاء هذا النزاع تصب في غير صالح واشنطن. ودعت المجلة الولايات المتحدة إلى استخلاص الدروس من تاريخها الحافل بالإخفاقات العسكرية، مشيرة إلى أن السؤال الجوهري لم يعد يتعلق بالقدرة على الفوز، بل بالاستعداد للاعتراف بأن النصر الذي تنشده واشنطن أصبح بعيد المنال في ظل المعطيات الراهنة.

واستندت في ذلك إلى سجل أمريكا المتكرر في الإخفاق، من حرب الخليج التي انتهت بالعودة إلى الوضع السابق، مرورًا بغزو العراق، وصولًا إلى الانسحاب المهين من أفغانستان.

ولفتت المجلة إلى أن واشنطن أخفقت في تغيير السلوك الإيراني منذ عام 1979 رغم موجات العقوبات المتتالية والعمليات الاستخبارية وتوجيه العراق ضد طهران في ثمانينيات القرن الماضي، مؤكدة أن القوة الجوية والعقوبات وحدها لن تفضي إلى تغيير النظام أو إجهاض البرنامج النووي الإيراني نهائيًا.

وحذرت من أن أي عودة إلى الوضع الراهن ستعزز النفوذ الإيراني وترغم دول الخليج على تنويع تحالفاتها، فيما قد تتوسع الصين والهند في حضورهما الدبلوماسي بالمنطقة.

وفي الخلفية، تتكشف صورة أكثر تعقيدًا داخل الولايات المتحدة نفسها. فالأزمة لم تعد خارجية فقط، بل داخلية بامتياز. هناك انقسام حاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، وتشظ سياسي يعكس أزمة بنيوية في النظام. الانتقادات تتصاعد ضد إدارة ترامب، خاصة في ملف الشرق الأوسط، حيث يزداد الانطباع بأن واشنطن لم تعد تقود القرار، بل تنفذ إيقاعًا ترسمه تل أبيب. هذا التصور لم يعد هامشيًا، بل يتردد داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية نفسها.

أما على المستوى العسكري، فالصورة أكثر إرباكًا. استدعاء وزير الحرب وقادة الجيش للمساءلة، عن الفشل والاخفاقات واعترافات الجنود التي تتحدث عن ترك القوات دون حماية كافية في الخليج، وما نتج عنه من خسائر مادية وبشرية، كلها مؤشرات على خلل في إدارة العمليات. هذه ليست مجرد أخطاء تكتيكية، بل تعبير عن خلل أعمق في منظومة اتخاذ القرار.

اقتصاديًا، تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة، مع تضخم يضرب الداخل، وأزمة معيشية تتفاقم، وشعور عام بأن البلاد تنزلق نحو مرحلة أكثر اضطرابًا. هذا المناخ الداخلي يعيد إنتاج ما حذر منه "ماكوي"، أن الحروب الخارجية لا تعالج الأزمات الداخلية، بل تكشفها وتعمقها.

وفي هذا السياق، يبدو أن الرأي العام الأمريكي نفسه بدأ يلتقط هذه الحقيقة. فالصورة التي تتشكل تدريجيًا هي أن القيادة الحالية لا تقود البلاد نحو الاستقرار، بل تدفعها إلى مستنقع مفتوح. هذا ليس توصيفًا دعائيًا، بل حالة شعور متنامية داخل المجتمع الأمريكي.

وهنا تكتمل الدائرة التي رسمها "ماكوي" إمبراطورية تواجه أزمات داخلية مركبة، تلجأ إلى مغامرات خارجية لاستعادة الهيبة، لكنها في الواقع تكشف حدود قوتها وتُسرع من تراجعها. وما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تاريخية قد يُعاد قراءتها لاحقًا بوصفها إحدى نقاط التحول الكبرى في مسار القوة الأمريكية.

بهذا المعنى، لا تبدو المواجهة مع إيران مجرد صراع إقليمي، بل مرآة تعكس ما هو أعمق، بل أزمة إمبراطورية تحاول أن تثبت أنها لا تزال في القمة، بينما كل المؤشرات التاريخية تقول إنها دخلت بالفعل في مرحلة الارتباك والتخبط وضعف الهيمنة، مع تشكل دول صاعدة إلى المنافسة، وعالم جديد يتخلق نحو التوازنات والتعدد القطبي وكلها مؤشرات على الأفول التدريجي للامبراطورية الأمريكية.