مايو 3, 2026 - 00:25
مايو 3, 2026 - 14:41
نفور يهودي واسع من الفكر الصهيوني الإنجيلي المنابع

عرب جورنال _ عبد السلام التويتي

إنَّ تسابق أو على الأقل تناوب أنظمة الغرب في تبني دولة «الكيان الصهيوني» وإيلاءه كافة أشكال الدعم حتى من قبل أن ينشأ على أساس من الاستحواذ والاستيطان إلى الآن يؤكد أنَّ هذا «الكيان» -على الرغم من صبغته التوراتية التلمودية اليهودية- امتداد للحروب الصليبية، الغاية من استنباته الحيلولة دون تحقق وحدة واستقرار أقطار الأمة الإسلامية وبالأخص الأقطار العربية، ومن هذا المنطلق فقد أضرَّ قيام هذا الكيان الصهيوني التوجه الذي كان محل رفض وسخط معظم اليهود -لا سيما النخبة أو النخب الدينية المدركة لخطورة مخالفته للتعاليم الربانية- بأتباع الديانة اليهودية وجلب عليهم -بما يمارسه ساسته ضد الفلسطينيين من ممارسات وحشية- الكثير من الكراهية في كافة أصقاع الكرة الأرضية.

إنجيلية الفكرة الصهيوإسرائيلية

حين آذنت شمس الاستعمار الصليبي بالغروب، أرادت الأنظمة الغربية في ذلك المنعطف التأريخي الأخطر أن ترمي عصفورين اثنين بحجر، فأوعزت إلى عدد من علمانيي اليهود لتبني الفكرة الصهيونية الباحثة عن وطن قومي لليهود الذي يمكِّن أقطار الغرب من التخلص من اليهود هذا من ناحية، ويمكِّنها من إيجاد ذراع عسكرية في قلب المنطقة العربية من ناحية ثانية، فتبنت بريطانيا العظمى -بكل اجتهاد- الترويج لعودة اليهود إلى ما زعمته «أرض الميعاد» فكان لـ«الغرب الصليبي» ما أراد.

وذلك ما أشار إليه الأستاذ «ناصر حمد أدوش» نائب رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر في سياق مقاله التحليلي المعنون [خطر الصهيونية على اليهود واليهودية] الذي نشره موقع «حمس نت» الجزائري في الـ22 من فبراير 2024م على النحو التالي: (عندما افتقرت الصهيونية إلى أيَّة قاعدةٍ جماهيرية يهودية قوية اعتمدت في البداية على قوةٍ غير يهودية، فرَضَت حلًّا للمسألة اليهودية من أعلى {النظرة الإمبريالية والوصاية الغربية، كالانتداب البريطاني}، وليس حلًّا من أسفل {من ناحية الجماهير اليهودية في ضوء الرؤى الإنجيلية أو التأريخ اليهودي}، وعند الاعتراف بفلسطين كوطنٍ قومي لليهود التحق اليهود المتدينون الرافضون للصهيونية، وهو ما مكَّن الحركة الصهيونية من فرض نفسها على الجماهير اليهودية.

والرؤية الصهيونية -وهي في جوهرها تنطلق من الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية الكولونيالية الغربية- تميل إلى كُره اليهود، وترى ضرورة التخلص منهم باعتبارهم نفايات بشرية مضرة بالمجتمعات الغربية.

ولم تكن صهيونية اليهود سوى آلية لتسويق صهيونية غير اليهود الاستعمارية المبنية على كراهية اليهود، والداعية إلى تخليص المجتمعات الغربية منهم، أي أنَّ الصهاينة اليهود تبنُّوا الحل الاستعماري الغربي للمسألة اليهودية، ووضعوا الصهيونية داخل التشكيل الإمبريالي الغربي، وهو ما يفسِّر هذا الارتباط العضوي بين إسرائيل والحكومات الغربية، وقد أظهر بعض الصهاينة عداءً واضحًا لليهودية).

ازدراء اليهود الأمريكان ممارسات دولة الكيان

بالرغم من أنَّ نسبة المتصهينين في أوساط اليهود الأمريكيين لا تتجاوز في حدِّها الأقصى 33%، فإنَّ ما ارتكبته السلطات الصهيونية في «قطاع غزة» -منذ «طوفان الأقصى»- من مجازر إجرامية قد انحدر بنسبة المؤيدين لـ«دولة الكيان» في أوساط الجالية اليهودية في أمريكا إلى حوالي 9%.

وذلك ما يُفهم من احتواء مقال الصحفية اللبنانية «سوسن الأبطح» التحليلي المعنون [إسرائيل خطر على اليهود] الذي نشرته في جريدة «الشرق الأوسط» يوم الخميس الـ14 من رَجب 1445هـ الموافق 25 يناير 2024م على ما يلي: (غالبية ساحقة تصل إلى 91% من اليهود الأميركيين ترفض تكميم الأفواه وأن يحظر عليها نقد إسرائيل، ما يذكّر بقول «سيلفان سيبيل» إنَّ «الجالية اليهودية الأميركية تحرر نفسها من الدولة اليهودية وتفتح الطريق أمام إمكانات أخرى»).

وقد كانت استطلاعات الرأي التي كانت تجرى في أوساط اليهود الأمريكيين من وقت إلى آخر بالتزامن مع استمرار ارتكاب نظام «نتنياهو» أبشع المجازر تظهر ارتفاع نسبة الساخطين منهم على ما ترتكبه «دولة الكيان» من جرائم حرب ومن حرب إبادة ومن انتهاك صارخ للحدّ الأدنى من حقوق الإنسان.

وليس أدلّ على ذلك من استهلال موقع «الجزيرة نت» تقريره التفصيلي المعنون [61% من اليهود الأميركيين يتهمون إسرائيل بارتكاب جرائم حرب بغزة] الذي نشره في الـ5 من أكتوبر الماضي الاستهلال التالي: (أظهر استطلاع أجرته صحيفة واشنطن بوست أنَّ العديد من اليهود الأميركيين يظهرون استياءً شديدًا من سلوك إسرائيل في الحرب على قطاع غزة، مع تزايد أعداد من يعتقدون أنَّ الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل مفرط.

وبحسب نتائج الاستطلاع الذي نشرته الصحيفة الأميركية اليوم الأحد، يرى 61% منهم أنَّ إسرائيل ارتكبت جرائم حرب، بينما يرى حوالي 4 من كل 10 منهم أنها مذنبة بارتكاب إبادة جماعية.

وأفادت نتائج الاستطلاع بأنَّ اليهود الأصغر سنًّا أكثر ميلًا للاعتقاد بارتكاب إسرائيل إبادة جماعية، إذ يقول ذلك 50% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا.

وفي قضايا أخرى، كانت الأجيال أكثر توافقًا، فقد أعرب أكثر من 80% من اليهود من جميع الأعمار عن قلقهم إزاء مقتل المدنيين في غزة).

يهود يرون أنَّ «كيان الشر» يعرضهم للخطر

من المؤكد أنَّ اليهود الذين ما يزال بعضهم موزعًا في أقطار العالم حاصلون على جنسيات تلك الأقطار ومتمتعون بما يتمتع به غيرهم من حقوق المواطنة وأنهم يعيشون حياة مستقرة وآمنة، ولا يأتيهم الخطر إلَّا من ناحية انتمائهم -بسبب هويتهم الدينية اليهودية- إلى دولة «الكيان الصهيوني» أو ما يمكن اعتباره «كيان الشر»، وقد بدأ الكثير من عقلائهم يستشعرون ما يتعرضون له بسبب احتسابهم -لمجرد يهوديتهم- على هذا الكيان المتورط في ارتكاب المجازر للكراهية المتنامية وللكثير من المخاطر.

وقد ألمح إلى ذلك الأستاذ «ناصر حمد أدوش» في سياق مقاله التحليلي بما يلي: (لقد كانت من النتائج الاستراتيجية لمعركة «طوفان الأقصى» أنها عرَّت أزمة الإنسانية المتمثلة في الحركة الصهيونية، وأنَّ كيانها السياسي المسمَّى إسرائيل باتَ يُعرِّض اليهود في العالم للخطر، لأنه يثير حولهم الحقد والكراهية من الشعوب الأخرى.

وهو ما اعترف به اليهودي الفرنسي «روني برومان» الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود بقوله -وهو يؤدي واجبه الطبي الإنساني في «قطاع غزة» في تحدٍّ سافرٍ لسلطة «نتنياهو» و«سموتريتش» و«بن غفير»-: أنا بصفتي يهوديًّا، أُؤمن أنَّ إسرائيل باتت تعرِّض حياتي للخطر، لأنها تستحثُّ الحقد ضدِّي، وتغذِّي اللاسامية في كل العالم، مؤكدًا أنَّ المشروع الصهيوني الذي قام في الأصل -على حدِّ ما روج له مؤسسوه- من أجل حماية اليهود قد فشل بالكامل، بل وأتى بنتائج عكسية، بعد هجوم المقاومة الفلسطينية يوم 7 أكتوبر 2023م، كما أنَّ الصحافي اليهودي الفرنسي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية «سيلفان سيبيل» ألَّف كتابًا سنة 2022م تحت عنوان «دولة إسرائيل ضدَّ اليهود».

وفي عام 2015م وجَّه الحاخام «ديفيد وايس» -وهو الآخر يهودي فرنسي- رسالةً إلى الرئيس الفرنسي «نيكولا ساركوزي» -بعد دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» يهود أوروبا إلى الهجرة الجماعية إلى إسرائيل- قال فيها: إنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي تصرَّف مرَّةً أخرى وكأنه حامي يهود العالم ومُمثِّلهم، وإنَّ الصهاينة يعتبرون أنفسهم منقذي اليهود، لكنهم في الحقيقة يُشكِّلون خطرًا كبيرًا عليهم، وهم السبب في زيادة العداء لليهود في العالم، ومشروعهم الصُّهيوني هو سبب كراهية اليهود).

تجميع اليهود إلى فلسطين يضعهم في فم التنين

في إقامة دولة «الكيان الصهيوني» -بحسب الكثير من الحاخامات- معصية لله أو كما يقولون «معصية للرب» الذي فرض عليهم -بسبب ما ارتكبوه بشكل شبه جماعي من الموبقات أو على الأقل المخالفات- عقوبة العيش في الشتات، وغالبًا ما يؤكد أولئك الأحبار أنَّ قيام تلك الدولة يجلب على اليهود الكثير من أسباب الدمار، وقد سار كتاب يهود على منوالهم وتوقعوا -بتوافقٍ مع ما أنبأت به نصوص في القرآن- أنَّ قيام ذلك الكيان وبلوغه مستوى من الطغيان مؤذن بزوالهم.

وقد أشار إلى هذا المعنى الكاتب الفلسطيني «أنطوان شلحت» في مستهل مقاله التحليلي المعنون [في خطر الصهيونية وإسرائيل على اليهود] الذي نشره موقع «العربي الجديد» في الـ10 من أبريل 2024م بالتالي: (كان من تداعيات عملية طوفان الأقصى، وما تبعها من حرب إبادة وتدمير إسرائيلية ضد قطاع غزّة، تواتر المقاربة التي تعتبر أنّ الحركة الصهيونية كانت أكبر خطر على اليهود في العالم أجمع، مثلما استنتج -مثلًا- الكاتب الإسرائيلي «كوبي نيف» أنّ الصهيونية -وتحديدًا بما انطوت عليه من سعيٍ إلى تحقيق غاية تركيز كلّ اليهود في العالم في بقعة جغرافية واحدة- هي التي من شأنها أن تسهّل عملية إبادتِهم، وهي التي تضع اليهود في فم التنّين، فضلًا عن أنّ إسرائيل المكان الأكثر خطرًا على اليهود في الوقت الحالي من سائر أنحاء العالم). 

وفي ذلك توافق قوي مع محتوى جزئية من محاضرةٍ لفضيلة الشيخ الراحل «محمد متولي الشعراوي»، أكد فيه أنَّ تجمع عصاة اليهود إلى «أرض فلسطين» تهيئة لتحقق قول المولى -جل وعلا- فيهم: (فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُوْٓؤُوْاْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا) وتحقق قول الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود»، وما كان لهذا الحديث أن يتحقق -في ضوء طرح الشيخ «الشعراوي»-، لولا تجمعهم في مكان واحد، إذ ليس من المعقول -إذا جاء وعد الآخرة- أن يعلن المسلمون الحرب على معظم دول العالم لقتال عصاة اليهود المتفرقين فيها ويتبيَّنون المحارب منهم من المسالم.