مايو 2, 2026 - 06:56
أزمة هرمز تدخل مرحلة حرجة وأسواق الطاقة تترقب صدمة أعمق

عرب جورنال _ كامل المعمري

دخلت أزمة مضيق هرمز خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية مرحلة أكثر حساسية، مع تراجع الرهان على انفراج سريع، وتزايد التحذيرات من أن استمرار التوتر العسكري في هذا الممر البحري الحيوي قد يدفع أسواق الطاقة العالمية إلى موجة اضطراب أعمق، لا تقف عند حدود أسعار النفط، بل تمتد إلى الغاز الطبيعي المسال، والشحن، والتأمين، والتضخم، وسلاسل الإمداد.

ففي وقت تتحدث فيه أطراف دبلوماسية عن مساعٍ لاحتواء التصعيد، ما تزال حركة الملاحة عبر المضيق مقيدة بشدة. ونقلت رويترز عن بنك باركليز أن وقف إطلاق النار الهش ما يزال صامدا إلى حد كبير، لكن الخطاب السياسي والعسكري لا يزال مرتفعا، وتدفقات النفط عبر المضيق ما زالت عند مستويات ضئيلة. وبناء على ذلك، رفع البنك توقعاته لسعر خام برنت في عام 2026 من 85 إلى 100 دولار للبرميل، محذرا من أن استمرار الاضطراب حتى نهاية مايو/أيار قد يدفع الأسعار إلى الاقتراب من 110 دولارات للبرميل.

 

هذا التحول في تقديرات الأسعار لا يعكس فقط مخاوف المضاربين، بل يستند إلى أزمة فعلية في الإمدادات. فباركليز يقدر أن سوق النفط تعمل حاليا بعجز يقارب 6.6 ملايين برميل يوميا، مع تسارع السحب من المخزونات العالمية لتعويض النقص. ويقول البنك إن مستوى 100 دولار للبرميل لا ينبغي اعتباره سعرا يعكس توازنا جديدا بين العرض والطلب، بل محطة في أزمة مرشحة للتفاقم إذا طال تعطيل المضيق. 

وتزامنت هذه التقديرات مع تحذيرات لافتة من شركات النفط الكبرى في الولايات المتحدة. فقد نقلت بلومبيرغ عن الرئيس التنفيذي لشيفرون، مايك ويرث، قوله إن عدم إعادة الإمدادات إلى مسارها الطبيعي سيجبر الطلب على التراجع في قطاعات مختلفة من الاقتصاد، معتبراً أن هذا هو السيناريو الذي تحاول الأسواق تجنبه قبل أن يصبح أكثر حدة.

وتكشف هذه العبارة حجم القلق داخل القطاع؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة بارتفاع الأسعار وحده، بل باحتمال أن ينتقل نقص الإمدادات إلى مرحلة تدمير الطلب عبر الصناعة والنقل والاستهلاك. 

وتقول رويترز إن نتائج شيفرون في الربع الأول أظهرت الوجه المزدوج للأزمة. فقد تجاوزت الشركة توقعات وول ستريت بفضل ارتفاع أسعار النفط، لكن صافي أرباحها تراجع إلى 2.2 مليار دولار من 3.5 مليارات قبل عام، كما سجلت أنشطة التكرير خسارة قدرها 817 مليون دولار. وأشارت الوكالة إلى أن الحرب والاضطراب في مضيق هرمز دفعا أسعار النفط إلى الارتفاع بما يصل إلى 50% خلال الربع، رغم أن تعرض شيفرون المباشر لمنطقة الشرق الأوسط لا يتجاوز 5% من إنتاجها. 

أما إكسون موبيل، فقد بدت أكثر انكشافا على تداعيات الأزمة. وذكرت رويترز أن صافي دخل الشركة هبط إلى 4.2 مليارات دولار، وهو أدنى مستوى منذ الربع الأول من عام 2021، رغم تجاوز الأرباح المعدلة توقعات المحللين. وقالت الشركة إن إنتاجها العالمي انخفض بنحو 8% مقارنة بالربع السابق، متأثرا باضطرابات مرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية. وحذر الرئيس التنفيذي دارين وودز من أن السوق لم تر بعد الأثر الكامل لهذا الاضطراب، مشيرا إلى أن السحب من المخزونات عوض جانبا من النقص حتى الآن، لكن استعادة تدفقات الشحن قد تحتاج شهرا أو شهرين حتى بعد إعادة فتح المضيق. 

وتبرز خطورة الأزمة في أن المخزونات، التي شكلت خلال الأسابيع الماضية خط الدفاع الأول أمام صدمة الإمدادات، بدأت تتآكل بسرعة. فقد ذكرت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لشهر أبريل/نيسان أن المخزونات النفطية العالمية المرصودة انخفضت بنحو 85 مليون برميل في مارس/آذار، بينما تراجعت المخزونات خارج منطقة الخليج بنحو 205 ملايين برميل، مع اختناق التدفقات عبر مضيق هرمز. 

وفي المقابل، ارتفع التخزين العائم في الشرق الأوسط بنحو 100 مليون برميل، لأن النفط لم يعد قادرا على الخروج بالوتيرة المعتادة إلى الأسواق المستوردة. 

وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن المشكلة اصبحت تتركز في قدرة النظام العالمي على نقله من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك. 

فقد هبطت تدفقات الخام والمنتجات النفطية عبر مضيق هرمز من نحو 20 مليون برميل يوميا قبل الحرب إلى ما يزيد قليلا على مليوني برميل يوميا في مارس/آذار، في حين ارتفعت الصادرات عبر المسارات البديلة، خصوصا الساحل الغربي السعودي وميناء الفجيرة الإماراتي، من 3.9 ملايين إلى 6.4 ملايين برميل يوميا.

لكن هذا التحول لم يكن كافيا لتعويض الفجوة، ما اضطر دولا خليجية إلى خفض إنتاجها بأكثر من 14 مليون برميل يوميا. 

ولا يقتصر الضغط على سوق الخام. فوكالة الطاقة الدولية تقول إن منطقة الخليج مصدر رئيسي للمنتجات المكررة، ولا سيما الديزل ووقود الطائرات، وإن قرابة 3 ملايين برميل يوميا من طاقة التكرير في المنطقة توقفت بسبب الهجمات وصعوبة التصدير.

كما بدأت مصافٍ خارج المنطقة في تقليص معدلات التشغيل بسبب القلق من توفر الخام، وهو ما يفسر انتقال الأزمة من سوق النفط الخام إلى أسواق المنتجات التي تمس المستهلك النهائي مباشرة. 

وفي آسيا، حيث تتجه النسبة الأكبر من نفط وغاز الخليج، بدت التحذيرات أكثر وضوحا. فقد قال وزراء اقتصاد رابطة دول جنوب شرق آسيا في بيان مشترك، نقلته رويترز، إن الحرب في الشرق الأوسط باتت تهدد أمن الطاقة العالمي وقد تبطئ النمو الإقليمي بصورة كبيرة. وأشار البيان إلى أن نحو ربع صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال المنقولة بحرا يمر عبر مضيق هرمز، وأن أكثر من 80% منها يتجه إلى آسيا، محذرا من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والخدمات اللوجستية، ومن انتقال كلفة الطاقة إلى أسعار الغذاء والأسمدة. 

وعلى المسار السياسي، زادت واشنطن من تعقيد حسابات الشحن عندما حذرت وزارة الخزانة الأميركية شركات الملاحة من دفع أي رسوم لإيران مقابل المرور عبر مضيق هرمز، حتى لو جرى ذلك تحت غطاء تبرعات خيرية أو ترتيبات غير مباشرة. وقالت رويترز إن طهران طرحت فكرة فرض رسوم أو ضمانات على السفن ضمن مقترحات لإنهاء الحرب، لكن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي حذر من أن أي مدفوعات من هذا النوع قد تعرض الشركات لعقوبات. 

وفي الوقت نفسه، دعت الصين إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق في أسرع وقت. ونقلت رويترز عن السفير الصيني لدى الأمم المتحدة فو كونغ قوله إن على إيران رفع القيود المفروضة على مضيق هرمز، وعلى الولايات المتحدة رفع حصارها البحري، محذرا من أن عودة القتال ستزيد من صعوبة احتواء الأزمة.

ويعكس هذا الموقف حجم القلق الصيني، باعتبار بكين من أكبر المستوردين الآسيويين للطاقة الخليجية وأكثر المتضررين من أي اضطراب طويل في حركة الملاحة. 

اقتصاديا، تبدو الأزمة مرشحة لإعادة فتح ملف التضخم عالميا. 

فارتفاع أسعار الطاقة يرفع تكلفة النقل والإنتاج والغذاء، ويمارس ضغطا مباشرا على الأسر والشركات، خصوصا في الدول المستوردة.

وقد أشارت وول ستريت جورنال إلى أن مخاطر الحرب في إيران أثرت في موقف رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري، الذي حذر من أن إغلاق مضيق هرمز قد يعرقل إمدادات النفط والغاز وسلع أخرى، ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، ويطيل أمد التضخم. 

وبينما تواصل الأسواق مراقبة التصريحات السياسية ومسارات التفاوض، يبدو أن العامل الحاسم لم يعد مجرد إعلان تهدئة أو وقف نار، بقدر ماهو عودة حركة الشحن بصورة منتظمة وآمنة. 

فوكالة الطاقة الدولية تعتبر استئناف التدفقات عبر مضيق هرمز المتغير الأهم لتخفيف الضغط على الإمدادات والأسعار والاقتصاد العالمي. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى الأسواق تحت ضغط مزدوج: مخزون يتراجع، ومضيق لا يعمل بطاقته، وتوتر عسكري يجعل كل ناقلة تمر في المنطقة جزءا من حسابات المخاطر العالمية.