أروى حنيش
تشهد السياسة الخارجية المصرية تحولاً واضحاً نحو توسيع نطاق الحضور الإقليمي خارج الحدود المباشرة، مع تركيز متزايد على القرن الإفريقي باعتباره امتداداً طبيعياً للأمن القومي المصري. هذا التحرك يعكس قناعة متنامية داخل دوائر صنع القرار بأن أمن البحر الأحمر لم يعد ملفاً خارجياً، بل جزءاً مباشراً من معادلة الاستقرار الداخلي والاقتصادي.
التحرك المصري نحو الصومال يأتي ضمن هذا الإطار، باعتباره خطوة تهدف إلى تثبيت حضور استراتيجي في منطقة تشهد إعادة توزيع سريعة لموازين القوى.
الصومال في قلب لعبة الأمم
لم يعد الصومال مجرد دولة تعاني من هشاشة داخلية، بل تحول إلى نقطة ارتكاز في صراع النفوذ الإقليمي والدولي. موقعه الجغرافي القريب من باب المندب يمنحه أهمية تتجاوز حدوده، ليصبح بوابة تتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
هذا الوضع جعل الصومال ساحة مفتوحة لتقاطع مصالح قوى متعددة، كل منها يسعى لترسيخ وجوده سواء عبر اتفاقات سياسية أو ترتيبات أمنية أو نفوذ غير مباشر.
خط تماس
يتحول البحر الأحمر تدريجياً من ممر تجاري إلى خط تماس جيوسياسي معقد، تتقاطع فيه مصالح قوى إقليمية ودولية. وأي تغيير في توازناته ينعكس مباشرة على التجارة العالمية وأمن الطاقة وحركة الملاحة.
بالنسبة لمصر، يمثل هذا الممر شرياناً اقتصادياً حيوياً مرتبطاً مباشرة بقناة السويس، ما يجعل استقراره قضية وجودية وليست مجرد ملف دبلوماسي.
تحركات متسارعة
تتزامن التحركات المصرية مع تصاعد نشاط قوى أخرى في محيط القرن الإفريقي، تسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والأمني عبر بناء علاقات مباشرة مع أطراف داخلية في المنطقة.
هذا التنافس لا يظهر بشكل صدام مباشر، لكنه يتجسد في سباق هادئ على المواقع الاستراتيجية، والموانئ، والنقاط البحرية الحساسة، وهو ما يخلق طبقة جديدة من التوتر غير المعلن في المنطقة.
في خلفية المشهد، يظهر الحضور الإسرائيلي كعامل إضافي يعيد تشكيل الحسابات الإقليمية. فالتوسع التدريجي في العلاقات والنفوذ قرب البحر الأحمر وخليج عدن يثير حساسيات لدى القاهرة، التي ترى في ذلك تغيراً في ميزان القوى بالقرب من حدودها الاستراتيجية البحرية.
هذا التغير يدفع نحو إعادة ضبط أولويات التحرك المصري في شرق إفريقيا بما يضمن عدم فقدان القدرة على التأثير في محيط الممرات البحرية.
إثيوبيا وسد النهضة: ضغط استراتيجي متعدد الأبعاد
يبقى ملف سد النهضة أحد أهم العوامل التي تضغط على السياسة المصرية في الإقليم. فإثيوبيا لا تتحرك فقط كطرف في نزاع مائي، بل كقوة إقليمية تسعى لتوسيع خياراتها الجيوسياسية، بما في ذلك الوصول إلى البحر أو تعزيز علاقاتها مع كيانات ساحلية في المنطقة.
وجود مصر في الصومال يضيف بعداً جديداً لهذا التوازن، ويمنح القاهرة قدرة أكبر على التعامل مع شبكة النفوذ المحيطة بالقرن الإفريقي.
التحول الأهم في السياسة المصرية يتمثل في الانتقال من رد الفعل إلى محاولة التأثير في قواعد اللعبة نفسها. فبدلاً من الاكتفاء بمراقبة التحركات الإقليمية، تسعى القاهرة إلى بناء وجود فعّال يمنحها القدرة على التأثير في مسار الأحداث داخل القرن الإفريقي.
هذا التوجه يعكس إدراكاً بأن ترك الفراغ في هذه المنطقة يعني عملياً السماح لقوى أخرى بإعادة تشكيل التوازنات بما قد لا يخدم المصالح المصرية.
احتمالات التصعيد غير المباشر
رغم أن المنطقة لا تتجه حالياً إلى مواجهة عسكرية مباشرة، إلا أن تراكم النفوذ المتقاطع بين القوى المختلفة يخلق بيئة قابلة للتوتر التدريجي. هذا التوتر قد يظهر في شكل منافسة على القواعد، أو دعم أطراف محلية متنافسة، أو إعادة تشكيل التحالفات بشكل مستمر.
ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على إدارة التنافس دون تحويله إلى صدام مفتوح في منطقة حساسة للغاية.
لذلك فإن القرن الإفريقي بين إعادة التشكيل وكسر التوازن
يدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة لموازين النفوذ، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة والأمن والاقتصاد في شبكة واحدة معقدة من المصالح المتداخلة.
في هذا المشهد، تتحرك مصر نحو الصومال كجزء من محاولة استعادة موقعها في معادلة البحر الأحمر، وسط تنافس متزايد يجعل المنطقة واحدة من أكثر ساحات الجيوبوليتيك حساسية في العالم اليوم.