أبريل 30, 2026 - 00:40
الحلقة الثانية| الحرب الأمريكية الفيتنامية: من التصعيد الإمبراطوري إلى صدمة "تيت" (1965 – 1968)

عرب جورنال _ نبيل عبد الحكيم 

الحلقة الثانية: سنوات الجمر والتحول النفسي

​من التصعيد الإمبراطوري إلى صدمة "تيت" (1965 – 1968)

​دراسة في استراتيجيات الإبادة، الانهيار المالي، وسقوط الغرور التكنولوجي

​أولاً: "الرعد المتدحرج" وفلسفة الأرض المحروقة

​دخلت الولايات المتحدة عام 1965 بعقلية القوة العظمى التي لا تُقهر، حيث أطلق الرئيس ليندون جونسون حملة "عملية الرعد المتدحرج" (Operation Rolling Thunder)؛ وهي أضخم وأشرس حملة قصف جوي عرفها التاريخ الحديث حتى ذلك الحين. لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل كانت محاولة لـ "إعادة فيتنام إلى العصر الحجري" عبر تدمير البنية التحتية وخطوط الإمداد في الشمال لإجبار هانوي على الخضوع.

​وفي مارس 1965، نزلت أولى القوات القتالية البرية في "دا نانغ" لحماية القواعد الجوية، لكن المهمة سرعان ما تحولت من الدفاع الثابت إلى استراتيجية "البحث والتدمير" (Search and Destroy) في أعماق الأدغال الموحشة. وبحلول نهاية عام 1965، كان عدد الجنود الأمريكيين قد قفز مستويات جنونية متجاوزاً 184,000 جندي. عسكرياً، أفرغت الطائرات الأمريكية ما يقرب من مليون طن من المتفجرات، واستخدمت "النابالم" الحارق والقنابل العنقودية بكثافة سادية، بينما خلّف استخدام "العامل البرتقالي" الكيميائي إبادة بيئية وجينية دامت لأجيال، حيث تسبب في تسمم وتشوهات لأكثر من 4.8 مليون فيتنامي، مما وضع الولايات المتحدة في خانة "الدولة المارقة" أخلاقياً أمام الضمير العالمي.

​ثانياً: معركة وادي "إيا درانغ" وصراع المسافة صفر

​شهدت الفترة بين 1966 و 1967 تصاعداً مضطرداً في الغرق الأمريكي، حيث اعتمد الجنرال "ويليام ويستمورلاند" عقيدة "حرب الاستنزاف"، واهماً أن قتل عدد كافٍ من مقاتلي العدو سيصل به إلى "نقطة الانهيار". وفي نوفمبر 1965، وقعت الملحمة الكبرى الأولى في وادي إيا دراغن، والتي كانت اختباراً حقيقياً لإرادة الأرض مقابل الآلة.

​في هذه المواجهة، واجهت الكتيبة الأمريكية (نحو 450 جندياً) بقيادة العقيد هال مور (Hal Moore) قوة فيتنامية صلبة تصل لـ 2000 جندي بقيادة المقدم نجوين هو آن (Nguyen Huu An). قُتل من الأمريكيين في تلك المعركة قرابة 234 جندياً، بينما خسر الفيتناميون أكثر من 600 مقاتل، لكنهم لقنوا واشنطن درساً قاسياً في تكتيك "التحام الخصم بخصمه" (Grabbing the enemy by the belt)؛ وهو التكتيك الذي ابتكره العقل المدبر الجنرال فو نغوين جياب (Vo Nguyen Giap) لتقليص المسافة مع القوات الأمريكية لدرجة تمنع الطيران والمدفعية من التدخل خوفاً من "النيران الصديقة". وبحلول نهاية 1967، كان نصف مليون جندي أمريكي يغرقون في مستنقع الأدغال، مع فاتورة دم بلغت 16,000 قتيل أمريكي في ذلك العام وحده.

​ثالثاً: هجوم "تيت" 1968 واعتراف الفشل الإمبراطوري

​كان عام 1968 هو العام الذي قصم ظهر البعير الأمريكي وهزّ أركان البيت الأبيض. فبينما كانت واشنطن تبيع الوهم لشعبها بوجود "ضوء في نهاية النفق"، فاجأ شمال فيتنام العالم بإطلاق "هجوم تيت" (Tet Offensive). خطط لهذا الانفجار العسكري الجنرال جياب بمشاركة القائد الاستراتيجي لي دوك ثو، مستهدفين أكثر من 100 مدينة ومركز حضري في الجنوب بـ 80 ألف مقاتل.

​تكمن العبقرية في وصول الفيتكونغ إلى قلب السفارة الأمريكية في سايغون؛ الصور التي بُثت لتحطيم الهيبة الأمريكية كانت أمضى من الرصاص. ورغم أن القوات الأمريكية استعادت المدن عسكرياً بمحرقة بشرية للشماليين بلغت 45,000 قتيل، إلا أن الهجوم كان نصراً سياسياً ونفسياً ساحقاً لهانوي. أدى هذا الشرخ إلى انفجار الحركة المناهضة للحرب، وبلغت الأزمة ذروتها في مارس 1968 حين أعلن جونسون تنحيه، وهو ما اعتُبر "شهادة وفاة" رسمية سياسة الغطرسة الأمريكية في جنوب شرق آسيا.

​رابعاً: الانهيار الأخلاقي و مذبحة "ماي لاي"

​في 16 مارس 1968، سقط القناع الأخلاقي تماماً في قرية "ماي لاي". دخلت السرية "سي" بقيادة الملازم ويليام كالي والنقيب إرنست مدينا، وقام الجنود المحبطون بذبح 504 مدنيين عزل من النساء والأطفال والشيوخ. لم تكن "ماي لاي" مجرد حادثة معزولة، بل كانت نتيجة حتمية لعقيدة "إحصاء الجثث" التي حولت الجندي الأمريكي إلى آلة قتل عشوائية فاقدة للاتجاه، مما أدى لنفور عالمي وتأليب الرأي العام الداخلي ضد الحرب.

​خامساً: المحور المالي الاستراتيجي (خديعة الدولار وسلاح "سويفت")

​لتمويل هذه المحرقة التي استنزفت الخزانة بأكثر من 168 مليار دولار، لجأت واشنطن لأكبر عملية "احتيال مالي" عرفتها البشرية؛ طباعة أوراق الدولار بلا غطاء ذهبي.

​صدمة نيكسون 1971: عندما طالبت فرنسا باستعادة ذهبها مقابل الدولارات الفائضة، أعلن نيكسون فك الارتباط بالذهب، محولاً العالم إلى عبودية "العملة الورقية" المدعومة بفوهة البندقية لا بقيمة المعدن الأصفر.

​المقصلة الرقمية: هذا النظام المالي القسري هو الذي تحوّل اليوم إلى نظام "سويفت"؛ الأداة التي تستخدمها أمريكا لنهب ثروات الشعوب. إن تجميد الأموال الإيرانية تعسفياً وحرمان الدول من أصولها هو "النسخة الرقمية" من حرب فيتنام؛ حيث تُستخدم السيطرة المالية لتجويع الشعوب التي صمدت في الميدان العسكري.

​سادساً: المحور السيادي (الربط الجيوسياسي: غزة، اليمن، لبنان، وإيران)

​إن الجغرافيا السياسية المعاصرة ما هي إلا صدى لصرخات الأدغال الفيتنامية:

​وحدة الساحات (هانوي والعمق الإيراني): كما كانت هانوي تتلقى الدعم النوعي من موسكو وبكين، تلعب إيران اليوم دور العمق الاستراتيجي والتقني لمحور المقاومة، مما خلق توازناً للرعب يمنع تكرار سيناريوهات الإبادة الشاملة.

​عبقرية الخنادق (غزة ولبنان): أنفاق غزة وتحصينات حزب الله هي "التطور الدارويني" أنفاق "كوتشي" الفيتنامية. وتكتيك "الالتحام" الذي لقنته المقاومة في غزة للاحتلال هو ذاته درس "جياب" في تحييد الطيران الأمريكي عبر المسافة صفر.

​كسر الردع في البحر الأحمر: إن عجز الأساطيل الأمريكية اليوم في البحر الأحمر أمام صواريخ ومسيرات اليمنيين هو المرآة المعاصرة لفشلهم في قطع "مسار هو شي منه"؛ حيث أثبتت التجربة أن السيادة على الموج لا تعني السيطرة على إرادة المقاتل اليمني.

​سقوط الرواية: انتفاضة الجامعات الأمريكية اليوم ضد "نازيّة" المشهد في غزة هي الامتداد لانتفاضة 1968؛ حيث تسقط الإمبراطورية أخلاقياً من الداخل قبل أن ترحل عسكرياً من الخارج.