أبريل 15, 2026 - 01:34
"المايسترو المأزوم".. هكذا يعزف نتنياهو لحن تفكيك التحالف مع أمريكا بيديه

عرب جورنال _ كامل المعمري

في الوقت الذي يظن فيه رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، أنه يصول ويجول في ملعب السياسة الداخلية الإسرائيلية لترسيخ صورته كقوي مؤثر على الإدارة الأمريكية، يبدو المشهد من الضفة الأخرى للمحيط مختلفاً تماماً. إنه مشهد يخطف الأضواء بعملية تفكيك ممنهجة للعلاقة الاستراتيجية بين واشنطن و"تل أبيب".

ما يحدث اليوم هو مسار انتحاري يدفع به نتنياهو من حيث لا يحتسب، معتقداً أن استعراض عضلاته أمام جمهوره اليميني هو مكسب، بينما هو في الجوهر يزرع ألغاماً في أساسات أحد أهم أعمدة الاستراتيجية الصهيونية: التحالف الأمريكي الذي لطالما شكل درعاً واقياً ومصدراً لا ينضب للعتاد العسكري والغطاء الدبلوماسي في المحافل الدولية.

التفاصيل التي تسربت من اجتماع للحكومة الإسرائيلية  حيث تفاخر نتنياهو باتصال تلقاه من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، مشيراً بإصرار إلى أن المكالمة جرت بينما كان فانس على متن طائرته عائداً من إسلام آباد.

بدا الأمر وكأن نتنياهو يريد أن يهمس في آذان وزرائه: "أنا من يتحكم في إيقاع واشنطن، وأنا من يملك خطاً ساخناً مع أجنحة السلطة في أي مكان وزمان". 

لكن الصدى الذي أحدثه هذا التباهي في أروقة الكونغرس كان زلزالاً معاكساً. النائب الديمقراطي مارك بوكان، وهو ليس من اليسار الراديكالي بل من قلب المؤسسة الديمقراطية في ويسكونسن، صرخ مستنكراً على منصات التواصل الاجتماعي، مستفسراً كيف لإدارة ترامب أن تقدم تقارير يومية مفصلة لنتنياهو حول ملفات حساسة مثل الحرب والمفاوضات مع إيران، بينما يُترك الكونغرس، ممثل الشعب الأمريكي ودافع ضرائبه، في ظلام دامس. 

لم تعد معارضة الهيمنة الإسرائيلية على القرار الأمريكي حكراً على اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي أو جماعة "الفرقة" التي تضم رشيدة طليب وإلهان عمر. إنها عدوى سياسية شرسة بدأت تنتقل بهدوء وصخب في آن إلى جذور القاعدة الجمهورية التي طالما سُوِّق لها أن دعم "إسرائيل" عقيدة لا تقبل المساومة، وأنها جزء من "المشروع الإلهي" لنهاية العالم. 

أصوات مؤثرة في محيط ترامب، من أبرزهم الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون والمؤثرة كانديس أوينز، كانت قد بدأت بالفعل في نقد العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب ، متهمة اللوبي الصهيوني بجر أمريكا إلى مستنقعات حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل. 

تصريح نتنياهو المتبجح عن اتصال فانس اليومي  هو بمثابة دليل إدانة يُقدم على طبق من فضة لهذه الأصوات اليمينية الانعزالية. إنه يؤكد روايتهم بأن اسرائيل تتحكم بخيوط اللعبة في البيت الأبيض، وأن إدارة ترامب التي يفترض أن تضع "أمريكا أولاً" هي في الحقيقة تضع إملاءات تل أبيب فوق مصالح الناخبين في أوهايو وميشيغان.

ولطالما اعتادت تل أبيب على التعامل مع واشنطن من خلال بوصلة "إيباك" وقدرتها الأسطورية على تكميم الأفواه وشراء الذمم في السباقات الانتخابية. كان كافياً أن تلوح "إيباك" بدعمها المالي أو حملاتها الإعلامية المضادة لأي مرشح للكونغرس ليركع أو ليحسب ألف حساب قبل مجرد التفكير في انتقاد سياسة الاحتلال أو التوسع الاستيطاني. 

لكن رياح الشرق الأوسط تغيرت بشكل جذري بعد أن فضحت مجازر الإبادة في غزة، التي استمرت لأكثر من خمسة عشر شهراً، حقيقة هذا الكيان أمام الرأي العام العالمي تحولت صورة إسرائيل  إلى قوة احتلال متوحشة تمارس القتل الجماعي والتجويع بشكل منهجي. ومع هذا التحول في الوعي، تحول نتنياهو من مجرد حليف صعب المراس إلى عبء ثقيل على كاهل السياسيين الأمريكيين. هو يريد أن يثبت لليمين المتطرف في إسرائيل، وتحديداً لوزيريه سموتريتش وبن غفير، أنه "سيد البيت الأبيض" والقادر على ليّ ذراع الإدارة الأمريكية. لكنه في الحقيقة يظهر إدارة ترامب بمظهر الدمية التي تُحرك بخيوط من "تل أبيب". 

هذا الإحراج يدفع حركة "ماغا" إلى تبني موقف دفاعي عن "الشرف الأمريكي" المزعوم. فعندما يشعر الناخب الجمهوري أن زعيمه مجرد تابع، فإن الغريزة القومية الأمريكية تنطلق للانتقام عبر صناديق الاقتراع أو عبر المطالبة بسياسة خارجية أكثر براغماتية وأقل تبعية.

والأمر لا يتوقف عند حدود الإحراج السياسي فقط، بل يتعداه إلى زعزعة أحد أهم مبادئ الدعم الأمريكي لإسرائيل: فكرة أن أمن إسرائيل هو أمن قومي أمريكي. هذه المقولة التي رسختها منظمات اللوبي على مدى عقود باتت اليوم على المحك.

فالنائب بوكان وغيره من الأعضاء الديمقراطيين والجمهوريين المنتمين إلى تيار عدم التدخل، يطرحون أسئلة صعبة: لماذا تقدم واشنطن تقارير يومية لنتنياهو عن الحرب والمفاوضات مع إيران؟ أليس من حق دافع الضرائب الأمريكي أن يعرف كيف تدار شؤون بلاده الخارجية؟ تصريح نتنياهو لم يضع إدارة ترامب في موقف دفاعي فحسب، بل أعاد فتح جرح قديم في العلاقة بين الكونغرس والبيت الأبيض حول الصلاحيات الحربية.

في الماضي، كان الحديث عن "التنسيق الاستخباراتي" يمر تحت الرادار، أما اليوم وقد أصبح جزءاً من خطاب التباهي اليومي لرئيس وزراء أجنبي، فإنه يتحول إلى فضيحة دستورية تمس هيبة المؤسسة التشريعية الأمريكية.

الغريب في الأمر أن نتنياهو، الذي يُوصف في الإعلام العبري بالمايسترو الذي يعزف على تناقضات الحزبين الأمريكيين، يبدو عاجزاً عن قراءة تداعيات كلماته. 

إنه يحرق الجسور مع الإدارة الديمقراطية السابقة التي لفظت أنفاسها وهي تحاول حمايته من محكمة الجنايات الدولية، ويُحرج الإدارة الجمهورية الحالية التي جاءت لتثبت أنها مختلفة عن إدارة بايدن بينما تتراجع مكانة "إسرائيل" الأخلاقية إلى الحضيض عالمياً، وتتصاعد حملات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية في الغرب، يأتي نتنياهو ليمارس سياسة "حرق الأرض" في العلاقة مع الحليف الأكبر. 

ما يفعله نتنياهو  هو قصر نظر استراتيجي سيجعل الكيان الصهيوني وحيداً عندما يتغير المزاج في واشنطن، أو عندما يشعر ترامب أن نتنياهو بات يكلفه أكثر مما يقدمه له من أصوات الإنجيليين.

إن المعضلة الكبرى في تحليل سلوك نتنياهو تكمن في الخلط بين النفوذ والقوة الحقيقية. هو يؤمن بأن العلاقة مع أمريكا تقوم على شخصنة السلطة؛ فطالما كان ترامب في البيت الأبيض، فإن "بيبي" محصن. 

لكنه يغفل أن ترامب نفسه ابن بيئة سياسية شعبوية لا ترحم، وأن قاعدته الانتخابية بدأت تطرح السؤال المحرم: ماذا استفدنا من دعم إسرائيل غير الحروب والضرائب؟ هذا التحول يمثل الخطر الاستراتيجي الأكبر على مستقبل إسرائيل التي تعتمد في بقائها العسكري والتكنولوجي على دعم واشنطن.

الخلاصة التي يمكن استخلاصها من هذه المهزلة السياسية هي أن نتنياهو يحرق السفينة بمن فيها. هو لا يدافع عن "أمن إسرائيل" بقدر ما يدافع عن بقائه الشخصي في السلطة، حتى لو كان الثمن تحويل الحليف الاستراتيجي إلى خصم متذمر.

العلاقة بين الكيان الصهيوني وأمريكا لم تكن يوماً علاقة ندية، بل هي علاقة سيطرة متبادلة وتخادم مصالح. لكن نتنياهو، بجهله السياسي المتغطرس، يكسر قواعد اللعبة ويحوّل هذه السيطرة الخفية إلى فضيحة علنية. هو يريد أن يظهر كسيد، لكنه بذلك يثبت للعالم أجمع أن أمريكا مجرد أداة طيعة، مما يدفع صناع القرار في واشنطن إلى التململ والبحث عن إثبات "الاستقلالية" من خلال اتخاذ مواقف أكثر جفاءً مع "إسرائيل".

وهكذا، فإن التفجيرات التي يعدها نتنياهو لخصومه السياسيين داخل إسرائيل ستنتهي حتماً إلى تفجير الجسور التي تربط تل أبيب بواشنطن، تاركة الكيان في عزلة مهلكة لا تحمد عقباها.