عرب جورنال _ توفيق سلَّام
في لحظة إقليمية مشحونة تتداخل فيها خطوط النار مع خطوط التفاوض، تبدو باكستان وكأنها تتحرك في مسارين متوازيين لا يلتقيان ظاهريًا. وسيط يحمل مقترحات التهدئة، وشريك أمني يرسل شحنات دعم عسكري إلى قلب المنظومة الخليجية المرتبطة بالولايات المتحدة. هذا التناقض ليس تفصيلًا عابرًا، بل مفتاح لفهم لعبة أكبر تُدار في الظل، حيث تتحول الوساطات إلى أدوات ضغط، والتحالفات إلى منصات تموضع استراتيجي استعدادًا لسيناريوهات مفتوحة.
ما يبدو "خلطًا" في السلوك الباكستاني ليس بالضرورة ارتباكًا، بل قد يكون تعبيرًا عن عقيدة سياسية متجذرة في براجماتية الدولة الباكستانية. إسلام آباد تاريخيًا لم تكن لاعبًا أحادي الاتجاه، بل قوة توازنات، تحاول دائمًا أن تبقي قدمًا في كل معسكر دون أن تحترق بالكامل في أي منها. فهي تدرك أن موقعها الجغرافي الحساس، وارتباطها الاقتصادي بالخليج، وعلاقتها المعقدة مع واشنطن، وخصومتها الصامتة مع طهران، كلها عوامل تجعل الحياد الصافي مستحيلًا.
إرسال شحنات عسكرية وعناصر من قواتها إلى قاعدة الملك عبد العزيز، وحماية المنشآت لا يمكن قراءته فقط كدعم للسعودية ضمن اتفاقية دفاع مشترك، بل كرسالة متعددة الطبقات. أولها طمأنة الرياض بأن باكستان "لن تتركها" مكشوفة في لحظة "تهديد محتمل"، خاصة إذا ما توسع الصراع مع إيران. وثانيها تثبيت موقع باكستان "كشريك أمني" لا غنى عنه في منظومة الخليج، بما يضمن استمرار التدفقات المالية والدعم السياسي. أما ثالثها، وهو الأهم، وضع باكستان نفسها "داخل مسرح العمليات"، لا كطرف مباشر في الحرب، بل "كقوة جاهزة للتدخل" إذا ما انزلقت الأمور إلى مواجهة مفتوحة.
لكن التناقض الظاهري يتعمق حين نضع هذا التحرك بجانب دور الوساطة. فكيف لوسيط أن يرسل قوات إلى أحد أطراف النزاع؟ هنا يتكشف نمط معروف في العلاقات الدولية: "الوسيط المنحاز تكتيكيًا". فباكستان لا تسعى إلى وساطة حيادية بقدر ما تسعى إلى إدارة التوتر بما يخدم توازناتها. هي لا تريد حربًا شاملة مع إيران، لأن ذلك يهدد حدودها الغربية ويشعل جبهات داخلية، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تقف خارج معادلة الأمن الخليجي.
أما فرضية أن الولايات المتحدة تقف خلف هذا المشهد، فهي ليست بعيدة عن منطق إدارة الأزمات الأمريكية. واشنطن، منذ عقود، تميل إلى "تدوير الزوايا الحادة" عبر أطراف إقليمية، بحيث تبقى هي في موقع القيادة دون الانخراط المباشر. وجود باكستان في هذا التوقيت قد يخدم عدة أهداف أمريكية دفعة واحدة.
تخفيف العبء المباشر عن القوات الأمريكية في الخليج، خلق توازن ردع إضافي في مواجهة إيران، والأهم إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، بينما تُبنى أدوات الضغط في الخلفية. ومن المرجح أن الولايات المتحدة "خططت لكل شيء". الأرجح أننا أمام تلاقي مصالح أكثر من كونه مؤامرة محكمة. باكستان تتحرك وفق مصالحها، والسعودية وفق هواجسها الأمنية، وواشنطن وفق استراتيجيتها الكبرى في إدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وفي نقطة ما، تتقاطع هذه المسارات لتنتج هذا المشهد المركب.
السيناريو الأخطر الذي يلوح في الأفق، هو تحويل الصراع إلى مواجهة بالوكالة. إذا اندلعت الحرب وردت إيران على أهداف خليجية أو أمريكية، فإن إدخال باكستان كقوة ردع قد يفتح الباب لتحول الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع، تُستنزف فيها القوى الإسلامية الكبرى، وخلق صراع بين السنة والشيعة، بينما تبقى القوى الغربية على مسافة محسوبة. هذا السيناريو ليس حتميًا، لكنه يظل احتمالًا قائمًا في بيئة تتكاثر فيها الحسابات الخاطئة.
في النهاية، لا يمكن فهم الموقف الباكستاني بمعزل عن معادلة معقدة. دولة تخشى العزلة الاقتصادية، وتحتاج إلى الخليج، وتتحسب من إيران، ولا تريد خسارة واشنطن، وتحاول في الوقت ذاته أن تبدو لاعبًا مؤثرًا لا تابعًا.
هذا التوازن الهش هو ما يفسر ذلك "التناقض" الذي هو في حقيقته انعكاس لسياسة السير على حافة الهاوية دون السقوط، وهنا تكمن المفارقة. فالوساطة لم تعد نقيضًا للاصطفاف، بل أصبحت جزءًا منه.. وهاهي المفاوضات تصل إلى طريق مسدود، فماذا بعد ذلك من خيارات أخرى لدى واشنطن سوى التصعيد؟