أبريل 10, 2026 - 00:58
أبريل 10, 2026 - 22:31
الناشط في حزب العمال التونسي وليد المرداسي لـ(عرب جورنال): الصمود الإيراني أفشل المخططات الأمريكية والإسرائيلية واليمن اختار توقيتاً دقيقاً ليدير حرب استنزاف أربكت حسابات العدو

في حوار جديد، تستضيف "عرب جورنال" الناشط في حزب العمال التونسي وليد المرداسي، للوقوف على إجبار إيران الولايات المتحدة على إعلان وقف إطلاق النار وفقاً لشروط طهران، وتتويجاً لثمرة صمود أسطوري للشعب الإيراني وقياداته الثورية والعسكرية والسياسية. ويناقش الحوار نتائج هذه الحرب وتداعياتها على مستقبل الكيان الصهيوني والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، في ظل مؤشرات صريحة على انتصار إيراني كاسح في الميدان وعلى طاولة المفاوضات. كما يتناول الحوار أهمية هذا الانتصار لأمن واستقرار الأمة العربية والإسلامية جمعاء، خصوصاً بعدما جسدت قوى ودول محور المقاومة معادلة "وحدة الساحات" في هذه المعركة التاريخية والمصيرية.

ويسلط الحوار الضوء على المشاركة اليمنية النوعية في هذه المعركة، وكيف أثرت في مجرياتها كعامل حاسم لصالح المقاومة، في ظل ثبات اليمن كشوكة في خاصرة المخططات الأمريكية الصهيونية التي تستهدف دول الأمة وشعوبها كافة. كما يتطرق الحوار إلى ملفات أخرى في هذا السياق. 

عرب جورنال/ حوار / حلمي الكمالي 

تراجع وإعلانه وقف إطلاق النار لم يكن صدفة بل ثمرة للصمود الإيراني الذي أفشل مخططات إسقاط النظام وانتقال طهران من الدفاع للهجوم. 

إيران نجحت في تحويل عبء الضغط السياسي والأمني من داخلها إلى داخل "وسادة العمالة" للولايات المتحدة في المنطقة المتمثلة في أنظمة الخليج. 

الحقيقة الراسخة اليوم هي أن شعبوية ترامب الفاشية التي تمثل المدفعية الثقيلة في ميدان الزيف والأكاذيب اتضح أنها محدودة فعلياً بحكم موازين القوى الميدانية وإرادة الشعوب.

المقاومة اليمنية لم تلتحق بساحة المواجهة عبثاً بل اختارت توقيتها بدقة لتدير حرب استنزاف أربكت حسابات العدو الصهيو-أمريكي، وشكلت ضغطاً حقيقياً يعيد صياغة توازنات القوى في المنطقة. 

المشاركة العسكرية اليمنية في إسناد إيران والمقاومة اعتمدت تكتيك "التصعيد المتدرج" المدروس بعناية، مما حول الممرات الملاحية بالبحر الأحمر إلى نقطة ضعف قاتلة للمصالح الغربية. 

الشعب اليمني أثبت وفاءه المطلق للقضية الفلسطينية بانخراطه الكامل في خندق المقاومة، متجاوزاً سنوات الحصار المؤلمة ومؤامرات وكلاء المحور الصهيو-أمريكي في المنطقة. 

محور المقاومة انتقل من مرحلة التنسيق الجزئي إلى استراتيجية وحدة الجبهات المتكاملة لفرض معادلة ردع تقوم على أن أي عدوان على ساحة منفردة سيواجه برد جماعي.

النظام التونسي الذي تظاهر بمناصرة فلسطين افتضح أمره بعدما عطل قانون تجريم التطبيع واصطف وراء الأنظمة العربية في عدم إدانة العدوان على إيران والانسياق خلف الخليج. 

العدوان الأخير على إيران هو البرهان القاطع على بلوغ التحالف الصهيو-أمريكي ذروة التغول الفاشي واستخدام المفاوضات النووية غطاءً للغدر السياسي لفرض واقع جديد بآليات دموية.

القوى الإمبريالية تشن حرباً وجودية ضد المنطقة مما يحتم على الشعوب والقوى الثورية استعادة المبادرة لتطهير المنطقة من القواعد والأساطيل الأجنبية.

_ كيف يمكن قراءة تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تهديداته باستهداف قطاع الطاقة الإيراني، وإعلانه وقف إطلاق النار وقبوله بمقترح طهران لإنهاء الحرب؟ وكيف فرض الصمود الميداني الإيراني، والقدرة على تهديد وضرب الكيان الصهيوني واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، على واشنطن الرضوخ لشروط الجمهورية الإسلامية؟ وما رأيكم بالبنود العشرة التي طرحتها إيران لوقف الحرب، والتي تتضمن دفع التعويضات، ورفع العقوبات، ووقف الحرب على جبهات محور المقاومة كافة، وسحب القوات الأمريكية من المنطقة؟ وهل نحن أمام انتصار إيراني كبير، خصوصاً بعد فشل أمريكا وإسرائيل في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب وعلى رأسها إسقاط النظام الإيراني؟ وما الانعكاسات الاستراتيجية لهذا الانتصار الإيراني وهذا الفشل الأمريكي الصهيوني؟ وماذا يعني انتصار إيران للأمة جمعاء؟

يُمكن القول إن تراجع ترامب عن استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية كان نتيجةً متوقّعة رغم طبيعة سياساته التي تتسم بالغدر والخداع زمن الحرب أو زمن التفاوض. هذا التراجع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرةَ عدّة عوامل أساسيّة:

أولاً، الصمود الإيراني الذي أفشل مخططات إسقاط النظام بضربات خاطفة.

ثانياً، انتقال طهران من مرحلة الدفاع إلى ضرب العمق الإسرائيلي والقواعد العسكرية الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط التي تُستخدم في العدوان.

ثالثاً: الجمع بين الردّ العسكري والردّ الاقتصادي عبر غلق مضيق هرمز الذي تمرّ منه ما يعادل 20 إلى 35 بالمائة من تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى حوالي 20 بالمائة من إجمالي تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميّاً.

ومن خلال هذه المعادلة، استطاعت إيران تحويل عبء الضغط السياسي والاقتصادي والأمني من الداخل الإيراني إلى داخل "وسادة العمالة" للولايات المتحدة في المنطقة، والمتمثلة في أنظمة الخليج، مما جعل هذه الأنظمة في مواجهة مباشرة مع تداعيات الصراع الإقليمي.

كما أنّها استطاعت تحويل ذلك العبء إلى مناطق أخرى من العالم في أوروبا وآسيا التي تحتاج إلى نفط المنطقة وغازها. يضاف إلى كلّ هذا، التحاق محور المقاومة بالمعركة وثباته الميداني وتطوره التكتيكي الذي فرض معادلات ردع جديدة.

وأخيراً، وهو العامل الأهم، الالتفاف الشعبي الواسع وخروج الجماهير لحماية المكتسبات الوطنية والجسور والمنشآت في هبّةٍ شعبيّة جسدت حائط الصدّ الأول أمام أي عدوان. كل هذه العوامل أدّت إلى تهاوي الدعاية التي روّجت لـ "الاستسلام غير المشروط" كمدخل وحيد للتفاوض.

وعليه فبعد إعلان الهدنة الأخيرة الممدّدة لأسبوعين وتراجع ترامب، هناك حقيقتان راسختان؛ الحقيقة الأولى أنّ شعبويّة ترامب الفاشيّة، "المدفعيّة الثقيلة" في ميدان الزيف والأكاذيب والغدر، اتّضح أنّها محدودة فعليّاً بحكم موازين القوى الميدانيّة، وأمّا الحقيقة الثانية فهي أنّ إرادة الشعوب هي الرقم الصعب الذي إذا دخل طرفاً في معادلة، أعاد ترتيب القوى وقلب موازينها. فتحيّة إكبار إلى الشعب الإيرانيّ العظيم.

ومن جانب التكتيك الإيراني التفاوضي فإنّ طهران قبل كل شيء، نجحت في وضع السكة للمراكمة وانطلاق "قطار البعد الاستراتيجي للصراع" حين فرضت شرطها وهو إعلان البنود العشرة لوقف الحرب والتي تتضمن دفع التعويضات ورفع العقوبات ووقف الحرب على كافة الواجهات وسحب القوات الأمريكية من المنطقة.

ومن ناحية أخرى هناك مكسب آخر يعزز البعد الاستراتيجي لهذا الصراع وهو عدم الفصل بوضوح بين العدوان الأمريكي والعدوان الصهيوني؛ فهما في الجوهر وجهان لعملة واحدة ومشروع "صهيو-أمريكي" مشترك.

وما يبدو للبعض "تقاسماً للأدوار" في ممارسة الغدر والخداع، ليس دليلاً على تخبط سياسي، بل هو تكتيك مدروس لإدارة الصراع. تتجلى هذه الحقيقة بوضوح في المشهد اللبناني الأخير؛ حيث استمرت العربدة الصهيونية والعدوان الغاشم رغم إعلانات وقف إطلاق النار، كما أنّ ترامب تراجع مدعياً أن الجبهة اللبنانية خارج الاتفاق، مما يثبت أن الوعود الدبلوماسية ليست سوى غطاء للميدان. هذا المشهد يعزز الحجة حول الطابع الغادر للإدارة الأمريكية الحالية بقيادة ترامب، التي لم تزد المشهد إلا وضوحاً في تبنيها المطلق لهذا المشروع التوسعي للكيان الصهيوني.

_ ما رأيكم بمشاركة اليمن عسكرياً في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأمريكي إسناداً لإيران وفلسطين ولبنان والعراق؟ وهل تعتقدون أن هذه المشاركة ساهمت في تقويض عربدة العدوان الصهيوني الأمريكي، وفرملة اندفاعه نحو مزيد من التصعيد، خصوصاً بعدما اختبرت أمريكا وإسرائيل الموقف اليمني الصلب خلال إسناده للشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة في قطاع غزة على مدى عامين؟ وما الأهمية الاستراتيجية للموقف اليمني في مواجهة المخططات والمشاريع الإسرائيلية والأمريكية التي تستهدف الأمة برمتها بلا استثناء، وعلى رأسها ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى"، بعد أن أثبت قدرته على فرض المعادلات العسكرية أمام كبرى القوى الغربية الاستعمارية؟ 

بدايةً، نتوجه من خلالكم بتحية إكبار وإجلال إلى الشعب اليمني العظيم؛ هذا الشعب المقاوم الذي لم يثنهِ الحصار ولا مؤامرات وكلاء المحور 'الصهيو-أمريكي عن ثباته، فظل وفياً للقضية الأم، قضيّة فلسطين، ومنخرطاً بكل ثقله في خندق محور المقاومة.

أما بشأن المشاركة العسكرية اليمنية في مواجهة التحالف "الصهيو-أمريكي" إسناداً لإيران ومحور المقاومة، يتعين أولاً التأكيد على أن اليمن لم يكن يوماً على هامش الصراع؛ بل انخرط منذ اللحظات الأولى في إسناد المقاومة الفلسطينية وفق تكتيك "التصعيد المتدرج". وهو تكتيك عسكري مدروس بعناية، أثبت فاعلية ميدانية جعلت من كل رصاصة أو مسيرة يمنية رقماً صعباً في معادلة الردع، بعيداً عن العشوائية أو الاستعراض.

هذا الفعل العسكري، المسنود برؤية سياسية ناجعة، أربك حسابات العدو في محطات مفصلية، مما دفع واشنطن للسعي جاهدةً لتحييد الساحة اليمنية، ولو مؤقتاً. وتدرك الولايات المتحدة جيداً أن مصالحها—ومصالح الكيان الصهيوني—في البحر الأحمر أصبحت كـ "بيت من زجاج" أمام الضربات اليمنية المركزّة، التي حولت الممر الملاحي الاستراتيجي إلى نقطة ضعف قاتلة للمصالح الغربية، وضغط حقيقي يعيد صياغة توازنات القوى في المنطقة.

إذن، فإن المقاومة اليمنية لم تلتحق بساحة مواجهة العدوان الصهيو-أمريكي عبثاً، بل اختارت توقيتها بدقة لتدير حرب استنزاف مع محور المقاومة والتي أربكت حسابات العدو الصهيو-أمريكي.

لقد بعث اليمن برسالة واضحة للعدو وهي: "من كان بيته في البحر الأحمر من زجاج، فلا يقذف المقاومة بالحجارة"، مؤكدةً أن كافة تحركات العدو هناك تقع في مرمى نيرانها المباشرة. 

_ كيف تجسدت وحدة الساحات في هذه المعركة من خلال مشاركة اليمن ولبنان والعراق، وأيضاً من خلال تضمين إيران بند وقف الحرب على جبهات محور المقاومة جميعاً، وتأكيد طهران الرد عسكرياً على أي عدوان يستهدف هذه الجبهات؟ وما الأهمية الاستراتيجية لهذا الترابط بين دول وقوى المحور في ردع مخططات الاحتلال والعدوان على مستوى المنطقة؟

يشهد الصراع في منطقة الشرق الأوسط تحولاً تكتيكياً لافتاً، إذ انتقل محور المقاومة من مرحلة التنسيق الجزئي إلى استراتيجية "وحدة الجبهات" المتكاملة. هذا التحول لم يعد مجرد شعار، بل تجلى في غرفة عمليات مشتركة تجمع إيران، حزب الله، أنصار الله في اليمن، والمقاومة العراقية، ضمن خطط ميدانية موحّدة تستهدف تفكيك مشاريع المحور الصهيو-أمريكي ووكلاء التطبيع في المنطقة.

تكامل الميدان: من الاستنزاف إلى الضربات الاستراتيجية:

تتركز العمليات الراهنة على فرض ضغط متزامن ومتعدد الجبهات؛ فبينما يتم استهداف عمق الكيان الصهيوني بالمسيرات والصواريخ، يخوض حزب الله اشتباكاً مباشراً واحترافياً في الجنوب اللبناني، بالتوازي مع ضرب الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط. هذا التزامن الميداني يهدف إلى تشتيت قدرات العدو وفرض معادلات ردع جديدة، تقوم على قاعدة أن أي عدوان على ساحة منفردة سيواجه برد جماعي شامل.

حزب الله: العمود الفقري وثقل التفاوض:

في قلب هذه المعادلة، برز حزب الله ليس فقط كقوة عسكرية ضاربة، بل كركيزة أساسية في المسارين الميداني والسياسي. وباعتباره "العمود الفقري" للمحور، أصبح الحزب الرقم الصعب في أي معادلة تفاوضية؛ إذ لم يعد من الممكن عزل الملف اللبناني عن غزة أو اليمن أو العراق.

ترابط الملفات: تعقيد المسار التفاوضي:

إن هذا التطور الاستراتيجي جعل من ملف المفاوضات كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة. فالمقاومة اليوم ترفض مبدأ "الاستفراد بالجبهات"، مما يجعل أي مسار تفاوضي مرتقب أكثر تعقيداً أمام المحور الصهيو-أمريكي. لقد باتت النتائج السياسية مرتبطة بمدى النجاح الميداني المشترك، بهدف نهائي وهو تحطيم أطماع التطبيع وإسقاط مشاريع الهيمنة التي تسعى لفرض واقع جديد على المنطقة.

وفي كل الحالات فمن الضروري التعاطي مع المفاوضات، أي مفاوضات مع العدوّ، باعتبارها حلقات تكتيكية لا غير، الهدف منها المراكمة المستمرة لتوفير الظروف الملائمة لتحقيق الهدف العام: طرد الإمبريالية الأمريكية من المنطقة تحريراً للشعوب من هيمنتها واضطهادها وإزالة الكيان الصهيوني، رأس الحربة المتقدم للإمبريالية الأمريكية الغربية. 

_ بخصوص الشأن الداخلي التونسي؛ هل لكم أن تطلعونا على آخر مستجدات الأوضاع السياسية التي تشهدها البلاد في ظل احتدام الخلافات بين السلطة والمعارضة؟ وما الحلول المتاحة لتسوية هذه الخلافات من وجهة نظركم؟ وما دور الأحزاب السياسية في هذا السياق؟ وكيف تؤثر التوترات الإقليمية والدولية في تطورات المشهد بالشارع التونسي؟ وأين تقف تونس وشعبها اليوم مما يجري من أحداث وحروب ومتغيرات في الجوار العربي والإسلامي والأفريقي بشكل عام؟ وكيف تنظرون في حزب العمال بشكل خاص لهذه التطورات، وما موقفكم من قضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية؟

تشهد تونس منذ انقلاب 25 جويلية/يوليو 2021 أوضاعاً متأزمة على كافة المستويات. إن قيس سعيّد الذي انتخب سنة 2019 بصلاحيات محدودة (نظام شبه رئاسي/شبه برلماني) انقلب، بدعم إقليمي (مصر، السعوديّة، الإمارات…) ودولي (فرنسي…) على شركائه في الحكم من "إسلاميين" وليبراليين وألغى الدستور وكافة المكتسبات الديمقراطيّة التي جاءت بها الثورة، وأرسى حكماً شعبويّاً فاشيّاً معادياً للشعب والوطن، سنده الطبقي الداخلي بيروقراطية الدولة وفي مقدمتها المؤسستان العسكرية والأمنية، وكبار الأثرياء في القطاعين المنظم والموازي المرتبطين بالخارج، وجميعهم له مصلحة في الالتفاف على المسار الثوري في تونس وإنهائه والعودة بالبلاد إلى مربّع الدكتاتورية. وفي هذا السياق تمّ تدمير الهيئات التمثيلية من برلمان وغيره وتعويضها بأخرى شكلية، منزوعة الصلاحيات، كما تم تفكيك الهيئات الرقابية والتعديلية وتدجين القضاء وتطويعه علاوة على التضييق على الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية وتدجين الإعلام العمومي والخاص واعتقال العديد من المعارضين والنشطاء المدنيين والحكم عليهم بأحكام سجنية ثقيلة وهو ما أشاع في المجتمع من جديد نزعة الخوف.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن البلاد تعاني إلى جانب الأزمة السياسيّة من أزمة اقتصادية واجتماعية مدمّرة؛ فالبلاد تغرق في المديونية ومنظوماتها الإنتاجية تتعرّض للتدمير وهي لا تجد الموارد الماليّة لسدّ حاجياتها مما أدى إلى فقدان العديد من المواد الأساسية وإلى ارتفاع نسب التضخّم وغلاء الأسعار، وهو ما انعكس اجتماعياً في تفاقم تدهور المقدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة والفقر والبؤس وهجرة الكفاءات علاوة على الهجرة غير النظامية وتدهور الخدمات العامة من صحة وتعليم ونقل وسكن وبيئة إلخ.

ومن المتوقّع أن تكون للحرب الأخيرة تداعيات خطيرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في تونس نتيجة ارتفاع أسعار البترول والمواد الغذائية. ولا يجد نظام الحكم من سبيل لمواجهة هذه الأوضاع غير مزيد التضييق على الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية التي يكن لها عداء واضحاً ويخطط للقضاء عليها.

ولكن رغم ذلك فالمقاومة لهذا الزحف الفاشي قائمة وهي اليوم في حال أفضل نسبياً مما كانت عليه قبل مدّة لأن الأوهام حول النظام الحالي تنقشع وطبيعته الرجعية والاستبدادية المتخفية وراء الشعارات الشعبوية ما انفكت تتضح لعامة الشعب الذي انساقت فئات منه في البداية وراء الانقلاب ظنّاً منها أنه سيكون أفضل من حكم القوى "الإسلامية" (إخوان مسلمون) والليبرالية التي أدارت الظهر للثورة التونسية والتفت عليها وأعدت الأرضية لانقلاب 2021. وفي هذا السياق فإن النظام التونسي الذي تظاهر لمدة من الزمن بمناصرة القضية الفلسطينيّة رافعاً شعار "التطبيع خيانة عظمى" قد افتضح اليوم بعد أن عطّل قيس سعيّد صدور قانون في البرلمان يجرّم التطبيع مع الكيان.

يضاف إلى ذلك اصطفافه والاعتداء على شعوب المنطقة كما حصل أخيراً مع إيران وراء الأنظمة العربية في عدم إدانة العدوان على إيران والانسياق وراء دول الخليج في التنديد بإيران بسبب ضربها للقواعد الأمريكية التي تأويها تلك البلدان وتُستعمل في الاعتداء عليها وفي حماية الكيان الصهيوني.

إن الأحزاب والمنظمات والجمعيات والفعاليات الثورية والتقدمية في تونس تعمل نتيجة كل هذه العوامل في ظروف صعبة سواء في التفاعل مع القضايا الداخلية أو مع القضايا العربية والدولية، لكنّها رغم ذلك حاضرة في حركة إسناد المقاومة الفلسطينية وإيران.

وفي هذا الإطار فإن حزبنا، حزب العمّال، يعمل بكل ما لديه من إمكانيات على الإسهام في استنهاض الحركة الشعبية والجماهيرية من جديد وفي تنظيمها وتسليحها ببرامج واضحة بما يهيّئها للتخلص من الدكتاتورية الحالية مثلما تخلصت من دكتاتورية بن علي في ثورة 2010-2011. 

_ ما هي توقعاتكم لمستقبل المنطقة والإقليم والعالم في ظل التوترات والاضطرابات والمتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية الراهنة؟ وإلى أين تتجه العربدة والغطرسة الصهيونية الأمريكية وسط الحرائق والدمار والحروب التي تشعلها على امتداد الخارطة الدولية من جهة، وفشلها في تمرير مشاريعها التوسعية من جهة أخرى، في ظل صمود المشاريع الوطنية المقاومة كما حدث مؤخراً في انتكاستها أمام إيران؟ 

لم يعد العدوان الأخير على إيران مجرد عمل عسكري، بل هو البرهان القاطع على بلوغ التحالف "الصهيو-أمريكي" ذروة التغول الفاشي. فإن استخدام المفاوضات النووية غطاءً للغدر السياسي يكشف بوضوح زيف الدبلوماسية الأمريكية في عهد ترامب، وإصرارها على فرض "شرق أوسط جديد" بآليات دموية. إنها استراتيجية إعادة صياغة المنطقة بالقوة، وتهدف بوضوح إلى تأمين الهيمنة الأمريكية المطلقة عبر جعل الكيان الصهيوني القوة الإقليمية الأوحد، والمسؤول عن تنفيذ أجندة الفوضى وإعادة ترسيم الحدود السياسية.

وحدة الساحات والمصير: الشعوب في مواجهة العربدة الإمبريالية:

لم تعد الصراعات المحتدمة في جغرافيا الشرق الأوسط —من غزة ولبنان واليمن والعراق وصولاً إلى إيران والسودان— مجرد ملفات منفصلة أو نزاعات حدودية عابرة، بل استحالت حلقاتٍ مترابطة في حالة صراعٍ إقليمي ودولي ينذر بانفجار شامل. وما العدوان الصهيو-أمريكي الغاشم الآن على إيران إلا محاولة لتركيعها وإعادة دمجها في "الحظيرة" الغربية، في وقتٍ يلوّح فيه أيضاً حلف الناتو (الفرنسي، البريطاني، الألماني) بتدارك تأخره وبالتدخل المباشر لحماية مصالحه، مما يزيد من اشتعال المواجهة.

إن المستهدف الحقيقي من هذا التصعيد ليس الأنظمة السياسية الممانعة خاصة، بل إرادة الشعوب ومقدراتها. ففي ظل الأزمة البنيوية للنظام الرأسمالي العالمي، تسعى القوى الإمبريالية —بقيادة واشنطن— لتصدير أزماتها وحلها على حساب دماء العمال والأمم المضطهدة، في حرب وجودية تضع مصير المنطقة والإنسانية جمعاء على المحك.

أمام هذا المشهد، سقط خيار "الانتظار". إن القوى الثورية والتقدمية العربية مدعوة اليوم لكسر حالة الفرجة والتصدي لهذا التغول، عبر فرض معادلة جديدة تهدف إلى تطهير المنطقة من القواعد العسكرية والأساطيل الأجنبية خاصة منها الأمريكية والصهيونية، ولجم العربدة الصهيونية باعتبارها رأس الحربة للمشروع الاستعماري.

إن معركة الدفاع عن العمق الإقليمي —من طهران إلى بيروت ودمشق— هي في جوهرها امتداد للقضية الأم وهي القضية الفلسطينية. لذا، فإن المسؤولية التاريخية تفرض وعياً جمعيّاً بمناورات "الحلف الإمبريالي الصهيوني الرجعي" الذي يقتات على إثارة الفتن الطائفية لتمزيق النسيج الاجتماعي وعزل الشعوب عن قضاياها المصيرية.

خلاصة القول، إن الشعوب التي تدفع الثمن دائماً هي الوحيدة القادرة على تغيير مجرى التاريخ؛ فمصير المنطقة لا يصنعه جنرالات الحروب العابرة للقارات، بل يصنعه الشعوب حين يستعيدون زمام المبادرة ويرفضون الوصاية.