عرب جورنال _ كامل المعمري
منذ خمسة أسابيع والحرب مشتعلة على جبهة لم تشهد المنطقة مثلها من قبل، جبهة تمتد من الخليج العربي إلى أعماق الأراضي المحتلة، وتجمع في نيرانها إيران من جهة والعدو الأمريكي والإسرائيلي من جهة أخرى.
سرعان ما تحولت هذه المواجهة إلى حرب مفتوحة لم تسلم منها بنية تحتية ولا منشأة اقتصادية. طهران، التي راهن الجميع على أنها ستنهار تحت وطأة الضربات الأولى، فاجأت العالم بقدرتها على الرد، ليس فقط على الأراضي المحتلة بصواريخ دكت أعماق الكيان الصهيوني بشكل غير مسبوق، بل أيضاً بضرب المصالح الأمريكية الاقتصادية والعسكرية في قلب الخليج. ثم أتت على رأس ذلك بورقة مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الذي يمر عبره نحو عشرين بالمئة من النفط العالمي، لتضع واشنطن والكيان أمام واقع جديد لم تكن مستعدة له.
النتائج على الأرض تتحدث عن نفسها، لكن واشنطن تحاول جاهدة إخفاء الحجم الحقيقي للكارثة. أكثر من إحدى عشرة قاعدة أمريكية في المنطقة خرجت عن الخدمة، بعضها تعرض لأضرار بالغة جعلت تشغيلها مستحيلاً في المدى المنظور.
طائرات حربية متطورة، كانت أمريكا تتباهى بها أمام حلفائها، تحولت إلى حطام على مدرجات القواعد. أنظمة رادار تعتبر الأحدث في العالم صمتت واحدة تلو الأخرى. وجنود سقطوا، بين قتيل وجريح وواشنطن حتى الآن لا تجرؤ على نشر العدد الحقيقي للخسائر البشرية وهذا المشهد لم تشهده أمريكا منذ حرب فيتنام.
نقطة التحول الحقيقية في هذه الحرب. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دخل المعركة واعداً بنصر سريع وحاسم، وجد نفسه فجأة في موقف لا يحسد عليه. خسائر متراكمة، حلفاء مرتبكون، ومعارضة داخلية تتصاعد يومًا بعد يوم. وفي محاولة يائسة لاستعادة زمام المبادرة، أطلق ترامب تهديداته الأخيرة: حذر إيران من تحويل البلاد إلى "جحيم" وقصف كل شيء فيها إذا لم يتم فتح مضيق هرمز، مانحاً إياهم مهلة حتى اليوم الثلاثاء اي منتصف ليل الثلاثاء- الأربعاء بعد ان اضطر للتمديد يوماً إضافياً.
تهديدات ترامب لاقت ردود افعال واسعة أتت من داخل واشنطن فما إن نطق ترامب بهذه التهديدات، حتى انفجرت موجة من الغضب بين أوساط سياسية أمريكية لم تألف هذا النوع من الخلاف العلني في أوقات الحرب. السيناتور تشاك شومر، رئيس الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، لم يتردد في وصف ما حدث بأوصاف قاسية، قال حرفياً: "رئيس الولايات المتحدة يقوم بالصراخ كمجنون على وسائل التواصل الاجتماعي، يهدد بارتكاب جرائم حرب محتملة، ويستعدي الحلفاء. هذه هي شخصيته ولكننا لا نمثل هذه الشخصية، بلدنا يستحق أفضل من ذلك بكثير".
السيناتور بيرني ساندرز، وصف تهديدات ترامب قائلا:"هذا هذيان فرد خطير وغير متوازن عقلياً، يجب على الكونغرس أن يتحرك الآن، أوقفوا هذه الحرب".
السيناتور ساندرز، دعا إلى آليات دستورية لعزل الرئيس أو تجريده من صلاحياته، وهي دعوة نادرة الحدوث في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث، لكنها باتت تتردد بقوة مع كل يوم تمر فيه هذه الحرب.
اما السيناتور باتي موري قالت: "هذا رجل مريض نفسياً بشكل عميق، في مرحلة خطيرة، يهدد بجرائم حرب محتملة. هذه ليست الطريقة التي يجب أن يتحدث بها رئيس الولايات المتحدة عن إرسال رجالنا العسكريين إلى منطقة خطر، يجب على الجمهوريين الانضمام إلى الديمقراطيين لإنهاء هذه الحرب فوراً".
من جهته السيناتور كريس ميرفي، ذهب إلى أقصى نقطة ممكنة، قال بتصريح صادم: "ترامب يتصل بالمراسلين اليوم ليخبرهم بأنه سيرتكب جرائم حرب جماعية الأسبوع القادم، قادة الحزب الجمهوري يحتاجون إلى إيقافه. لو كنت في حكومة ترامب، لقضيت عيد الفصح أتصل بمحامين دستوريين بشأن التعديل الـ25، هذا جنون تام لا مكابح له، لقد قتل الآلاف بالفعل، وسيقتل آلافاً آخرين".
وفي خضم هذا المشهد المتصاعد، لا بد من التوقف ملياً أمام حقيقة أخرى لا تقل أهمية ولا دموية. ترامب اليوم في ورطة سوداء حقيقية، يبحث فيها بكل السبل عن أي مخرج يسمح له بحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام الأمريكي والعالمي.
دخل الحرب واعداً بنصر سريع وحاسم، فإذا به يواجه خسائر متراكمة في الأرواح والمعدات والهيبة الأمريكية التي تهشمت أجزاء كبيرة منها في هذه الأسابيع الخمسة. ايضا الكيان الصهيوني نفسه الذي دخل الحرب تحت شعار استعادة الردع، بات يعيش دماراً شاملاً في بنيته التحتية وفي المستوطنات المحيطة وفي الجنوب والمفاجأة الأكبر أن ثلث المستوطنين الإسرائيليين، وفق تقديرات استخباراتية غربية مسربة، يستعدون للهجرة العكسية، أي العودة إلى بلدانهم الأصلية في أوروبا وأمريكا، بعد أن أيقنوا أن لا مكان لهم في الاراضي المحتلة.
في الطرف الآخر، إيران تفرض شروطها بعزم رجل لم يعد لديه ما يخسره، راهنت على كل أوراقها في هذه المواجهة المصيرية، وأصبحت الآن تتحدث من موقع قوة لا من موقع ضعف. أما دول الخليج، فتخرج باعتبارها أكبر الخاسرين في معركة لم تكن معركتهم أصلاً، بل فُرضت عليهم فرضاً من قبل الثنائي المجنون في واشنطن و"تل أبيب". دفعوا ثمنها دماراً في منشآتهم النفطية وتهديداً لأمنهم القومي واضطراباً في أسواقهم المالية، دون أن يجنوا منها سوى الخسائر والندم على رهان خاسر بكل المقاييس.
الحقيقة التي بدأت تتبلور في الأسبوع الخامس من هذه الحرب هي أن أمريكا لم تعد تمتلك الأدوات التي كانت تمتلكها قبل عقدين من الزمن. الردع العسكري التقليدي لم يعد يشكل رادعاً كافياً لإيران التي طورت قدرات غير متماثلة قادرة على إحداث أضرار غير متناسبة مع حجم إمكانياتها.
اليوم ومع قرب انتهاء المهلة تقف المنطقة بأكملها على صفيح ساخن. الكل يترقب: هل ينفذ الرئيس الأمريكي تهديداته؟ هل يجد مخرجاً ما من هذه الورطة السوداء التي حشر نفسه فيها؟ أم أننا أمام حرب شاملة ستدفع الجميع ثمناً باهظاً؟
شيء واحد مؤكد وهو أن الحرب في أسبوعها الخامس لم تعد كما كانت في أسبوعها الأول، والخروج من هذا المستنقع يصبح كل يوم أكثر صعوبة من الذي قبله.
وما يجري في واشنطن من اتهامات بالجنون والمرض النفسي لقائد القوة العظمى ليس سوى انعكاس لحالة من الانهيار المعنوي والسياسي لم تشهدها أمريكا منذ حرب فيتنام. الساعات والأيام القادمة ستكون حاسمة، وربما الأعنف في هذه الحرب التي لا تظهر أي مؤشرات على نهايتها القريبة.