مارس 10, 2026 - 20:15
مارس 10, 2026 - 22:17
تصعيد على الحدود: قراءة في احتمالات الاجتياح الإسرائيلي وخيارات بيروت

أروى حنيش
في الأشهر الأخيرة تصاعدت وتيرة التوتر على الحدود بين إسرائيل ولبنان، مع تكرار الضربات الجوية والتوغلات المحدودة داخل الأراضي الحدودية. هذه التحركات العسكرية أعادت طرح تساؤلات قديمة تتجدد في كل جولة تصعيد: هل تسعى إسرائيل لعملية ضغط تكتيكية فقط، أم أنها تهيئ المسرح لعملية برية أوسع في الجنوب اللبناني؟ وفي المقابل، ما الذي تستطيع بيروت فعله في ظل هشاشة الوضع الداخلي وتعقيدات التوازنات الإقليمية؟
تصعيد محسوب أم تمهيد لعملية أكبر؟
التوغلات المحدودة التي تنفذها القوات الإسرائيلية داخل المناطق الحدودية عادة ما تكون جزءًا من استراتيجية عسكرية متعددة الأهداف. فمن جهة، تهدف إلى اختبار القدرات الدفاعية للخصم، وجمع معلومات استخباراتية ميدانية حول انتشار المقاتلين والبنية العسكرية في القرى الحدودية. ومن جهة أخرى، تمثل رسالة ردع سياسية وعسكرية مفادها أن إسرائيل مستعدة لتوسيع عملياتها إذا رأت أن التهديد يتجاوز حدود الردع التقليدي.
لكن ما يلفت الانتباه في المرحلة الأخيرة هو أن هذه العمليات تأتي في سياق إقليمي شديد التوتر، حيث تتداخل الساحات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط بشكل غير مسبوق. فالتصعيد على الحدود اللبنانية لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع بين إسرائيل ومحور إقليمي تقوده إيران، 
تجربة حرب 2006… ظلٌ حاضر في الحسابات
لا تزال تجربة حرب لبنان 2006 حاضرة بقوة في حسابات الطرفين. فهذه الحرب أظهرت أن العمليات البرية داخل الجنوب اللبناني قد تتحول إلى حرب استنزاف مكلفة.
بالنسبة لإسرائيل، كشفت تلك الحرب صعوبة القتال في تضاريس الجنوب المعقدة، حيث تنتشر القرى والوديان التي يمكن أن تتحول إلى نقاط مقاومة. أما بالنسبة لحزب الله، فقد شكلت الحرب لحظة تحول في تطوير قدراته العسكرية، سواء من حيث تكتيكات القتال أو ترسانة الصواريخ.
لهذا السبب، فإن أي قرار إسرائيلي باجتياح بري جديد لن يكون قرارًا سهلًا، بل يحتاج إلى حسابات دقيقة تتعلق بالكلفة العسكرية والسياسية.
مؤشرات قد تسبق الاجتياح البري
الخبراء العسكريون يشيرون إلى مجموعة من العلامات التي عادة ما تسبق أي عملية برية واسعة:
1. حشد القوات البرية
اجتياح بري يتطلب نقل أعداد كبيرة من القوات والمدرعات إلى الحدود، إضافة إلى تعبئة قوات الاحتياط.
2. تمهيد جوي مكثف
غالبًا ما تسبق العمليات البرية حملة جوية واسعة تستهدف البنية العسكرية والمخازن اللوجستية.
3. تعبئة سياسية داخلية
الحروب الكبيرة تحتاج إلى غطاء سياسي داخلي قوي، خصوصًا في مجتمع حساس للخسائر البشرية.
حتى الآن، يرى كثير من المحللين أن بعض هذه المؤشرات موجود، لكن ليس بالدرجة التي تشير حتمًا إلى حرب شاملة.
لماذا قد تفكر إسرائيل في عملية برية؟
هناك عدة سيناريوهات قد تدفع إسرائيل إلى اتخاذ قرار بالاجتياح:
تصاعد كبير في الهجمات الصاروخية من جنوب لبنان.
وقوع عملية نوعية تسبب خسائر بشرية كبيرة داخل إسرائيل.
توسع المواجهة إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات.
تقدير عسكري بأن البنية القتالية لحزب الله قرب الحدود أصبحت تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن احتواؤه بالضربات الجوية فقط.
في هذه الحالة قد ترى القيادة العسكرية أن العملية البرية هي الوسيلة الوحيدة لإبعاد التهديد عن الحدود.
بيروت بين ضغط الحرب وضعف الدولة
تواجه بيروت معضلة مركبة. فلبنان يعيش منذ سنوات واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه، إلى جانب شلل سياسي مستمر وضعف في مؤسسات الدولة.
هذا الواقع يجعل الحكومة اللبنانية أمام خيارين صعبين:
محاولة احتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية.
أو التعامل مع واقع ميداني تتحكم فيه قوى عسكرية لا تخضع بالكامل لسلطة الدولة.
وفي هذا السياق تلعب قوات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) دورًا مهمًا في محاولة منع الانفجار الكامل للوضع على الحدود.
خيارات لبنان: بين الدبلوماسية والاحتواء
رغم محدودية الخيارات، ما تزال هناك عدة مسارات يمكن لبيروت العمل عليها:
1. تكثيف الضغط الدبلوماسي
يمكن للبنان الاستفادة من علاقاته الدولية لإثارة القضية في المحافل الدولية، خصوصًا عبر الأمم المتحدة.
2. تعزيز التنسيق الداخلي
أحد أكبر التحديات هو غياب استراتيجية وطنية موحدة للتعامل مع التصعيد العسكري.
3. الاعتماد على الوساطات الدولية
غالبًا ما تلعب دول مثل الولايات المتحدة أو قوى أوروبية دور الوسيط لاحتواء التصعيد.
4. إبقاء المواجهة ضمن سقف محدود
بمعنى تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة عبر ضبط مستوى الردود العسكرية.
البعد الإقليمي للصراع
التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية ليس معزولًا عن بقية المنطقة. فالصراع بين إسرائيل وإيران، إضافة إلى التنافس بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، يجعل أي اشتباك محلي قابلًا للتحول إلى أزمة إقليمية واسعة.
ولهذا السبب تحاول العديد من الأطراف الدولية منع انزلاق الوضع إلى حرب شاملة قد تفتح عدة جبهات في وقت واحد.
ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة القادمة
1. استمرار المواجهة المحدودة
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث تبقى الاشتباكات ضمن مستوى منخفض دون حرب مفتوحة.
2. عملية برية محدودة
قد تقوم إسرائيل بعملية قصيرة داخل الجنوب لتحقيق أهداف تكتيكية ثم الانسحاب.
3. حرب إقليمية واسعة
وهو السيناريو الأخطر، حيث قد تتوسع المواجهة لتشمل أطرافًا أخرى في المنطقة.
ختاما
التوغلات الإسرائيلية على الحدود اللبنانية قد تكون رسائل ضغط عسكرية وسياسية أكثر منها مؤشرًا حتميًا على اجتياح بري واسع. لكن طبيعة الصراع في المنطقة تجعل احتمال التصعيد قائمًا في أي لحظة.
أما بيروت، فهي تقف أمام اختبار صعب: كيف تمنع تحول الجنوب إلى ساحة حرب جديدة، في وقت تواجه فيه الدولة أزمات اقتصادية وسياسية خانقة؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تتوقف فقط على قرارات لبنان الداخلية، بل أيضًا على توازنات القوى في الشرق الأوسط بأكمله.