مارس 7, 2026 - 16:21
الموقف الأوروبي من العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران وتحديات التأثير في مسار الحرب

عرب جورنال _ أنس القباطي 

تتخذ أوروبا موقفًا حذرا من العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، ما يكشف حجم المخاوف الأوروبية من التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، وتأثيره على أمن الطاقة العالمي، فضلاً عن أن هذا الموقف يعطي انطباعًا عن حالة من الفتور في العلاقات الأمريكية الأوروبية، خصوصًا بين واشنطن وبروكسل.

الاتفاق النووي

ويُقرأ الموقف الأوروبي في سياق موقف دول الاتحاد الأوروبي، خصوصًا فرنسا و ألمانيا، من الاتفاق النووي الإيراني، الذي أُبرم منتصف يوليو/تموز 2015، بين إيران ومجموعة 5+1، قبل أن تنسحب منه الولايات المتحدة الأمريكية في مايو/أيار 2018، بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، ما تسبب في فشل تنفيذ الاتفاق.

تجربة قاسية

لدى دول أوروبا تجربة قاسية مع أزمة الطاقة التي خلفتها الحرب الأوكرانية، التي اندلعت نهاية فبراير/شباط 2022، وما تزال تداعياتها الاقتصادية تدفع ثمنها الخزائن الأوروبية، وبذلك فإن القادة الأوروبيين لا يريدون تكرار ما حدث مرة أخرى، خاصة وأن الحرب الجارية تدور في منطقة تعد العصب الأهم للطاقة في العالم.

مواقف ومخاوف

العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، ومن أيامه الأولى، أظهر بوضوح حجم المخاوف الأوروبية من توسع الحرب، لكنها لم تتخذ مواقف بحجم تلك المخاوف، مع أن تلك المخاوف تقتضي التحرك الجاد لمحاصرة التداعيات قبل توسعها، ما يشير إلى أن الإرادة الأوروبية أضعف من أن تواجه المشيئة الأمريكية، التي سبق أن أغرقت أوروبا في المستنقع الأوكراني. غير أن كل ذلك يشير إلى أن الدول الأوروبية، خصوصًا تلك الفاعلة في تكتل الاتحاد الأوروبي، لم تعد قادرة على اتخاذ موقف جريء من الأطراف التي صعدت الحرب.

قلق ومخاوف

يتلخص الموقف الأوروبي من العدوان على إيران في القلق من التصعيد، لما تراه من تأثير النزاع على الأمن الإقليمي والعالمي، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، وضرورة العودة إلى الحوار لحل النزاع. وتفضيل بعضها، خصوصًا فرنسا و ألمانيا، عرابتي الاتحاد الأوروبي، للعقوبات والضغوط، ولكن على طرف واحد "إيران" وليس الطرفين، والتحفظ على التدخل العسكري المباشر، الذي انخرطت فيه الولايات المتحدة. وتتجه بدلاً من ذلك لدعم المساعدات الإنسانية، خصوصًا من دول الاتحاد الأوروبي، للمتضررين من النزاع، سواء في إيران أو في المناطق التي تأثرت بالحرب، مثل لبنان و سوريا.

منطقة رمادية

وبناءً على ذلك، فإن الموقف الأوروبي الرسمي في مجمله يُقرأ بأنه ما يزال يراوح في المنطقة الرمادية، والبقاء في هذه المنطقة لا يعكس قدرة أوروبية على التوجه لهذه الدول لحماية مصالحها، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الطاقة، التي تعد أبرز معضلة يواجهها اقتصاد القارة العجوز. وبالتالي، فإن تصاعد هذه الحرب وتوسعها، سيجعل الضرر المباشر يلحق باقتصادات أوروبا، وستصحو ذات يوم على أزمات مركبة، كما صحت على تداعيات الحرب الأوكرانية، التي ورطتها فيها واشنطن، وصارت اليوم غير قادرة على الخروج منها، خاصة وأن ترامب بات يتجه للمغادرة منها بصفقة مع روسيا على حساب مخاوف حلفائه الأوروبيين.

الفشل بين الأمس واليوم

والموقف الأوروبي اليوم من العدوان على إيران، رغم مخاطره المتعددة على دول القارة، يبدو شبيهًا بموقفها من الاتفاق النووي الإيراني بعد الانسحاب الأمريكي منه، فلم يكن لموقفها أي أثر لإنقاذه، رغم أن إنفاذ الاتفاق كان سيأتي بمردود اقتصادي كبير لدول أوروبا، خصوصًا دول الاتحاد الأوروبي، ما يعكس حجم الانقياد الأوروبي خلف السياسة الأمريكية، التي باتت ترمي بمصالح حلفائها عرض الحائط.

مستقبل الناتو

ويمكن القول إن العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران كشف عن بون بين واشنطن و بروكسل، ما سينعكس على حجم التنسيق داخل حلف الناتو الذي يعد أحد أهم المشتركات بين أوروبا والولايات المتحدة. إلا أن ذلك البون لن يكون له تأثيرًا مهمًا على مستقبل الحلف، كون الحلف عبارة عن تحالف عسكري ذو أهداف أوسع من مجرد التفاعل مع صراعات معينة، وحتى لو اختلفت الدول الأعضاء في مواقفها تجاه بعض الأزمات، يبقى هدفه الأساسي موجهًا نحو الحفاظ على الأمن الجماعي لأعضائه، وهو الهدف الذي ترسمه واشنطن أكثر من بروكسل. 

حاجة ملحة 

وفي المحصلة، فإن تباين المواقف الأوروبية والأمريكية داخل حلف الناتو، خصوصًا بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، يكشف أن أوروبا صارت ضحية لسياساتها المنقادة خلف المشيئة الأمريكية، ما يكشف عن حاجة أوروبية ملحة لسياسة مستقلة تولي مصالح دولها، خصوصًا الاقتصادية منها، أهمية قصوى، حتى لا تصبح خزائنها تدفع ثمن أجندات الطرف الأمريكي.

مجلس نواح

وحتى البيان الأوروبي الخليجي المشترك الصادر في ختام الاجتماع الوزاري المشترك لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، والذي عقد الخميس 06 مارس/آذار 2026، لم يأتِ بجديد يخالف المواقف الأوروبية المعلنة منذ بداية الحرب، ويمكن اعتباره مجرد بيان تضامني مع دول الخليج، التي باتت أراضيها جزءًا من ساحة الحرب، بسبب سياساتها التي ظلت تتراوح في إطار المربع الذي رسمته لها واشنطن. ما يعني أن الاجتماع لم يكن سوى مجلس نواح للضحايا، انفض بعد ساعات من تبادل المخاوف والبكاء على اللبن المسكوب.

السير في طريق اجباري

ومما سبق، يمكن القول إن فاعلية الجهود الأوروبية الدبلوماسية لوضع حد للحرب التي باتت تهدد اقتصاداتها لا ترتقي إلى تقدير حجم المخاطر التي تلوح في الأفق، ما يكشف عن عدم قدرتها على التأثير الفعلي في مسار الحرب، فضلاً عن ضعف تأثيرها العسكري، ما يشي بأن أوروبا باتت لا تملك القدرة الكافية على الدفاع عن سمعتها الدولية، وأن النظام الدولي القائم بات مهددًا بالزوال، لأنها لم تعد تملك مفاعيل لتوجيهه وفق الحد الأدنى من مصالحها، التي لم يعد الحليف الأمريكي يبالي بها، ما يعني أن الجنون الترامبي بات يمهد الطريق نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، قد يكون النفوذ الأوروبي أحد ضحاياه.