عرب جورنال _ توفيق سلاّم
ليست البحرين مجرد نقطة تمركز بحري، بل عقدة عصبية لمنظومة عسكرية–استخبارية تمسك بمفاصل الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي. الحديث عن الأسطول الأمريكي الخامس ليس حديثًا عن بوارج ومدمرات فحسب، بل عن قاعدة بيانات قتالية متكاملة حرب، معلومات، قرصنة إلكترونية، مراقبة فضائية، هندسة سياسية، وتنسيق لوجستي عابر للحدود. من هنا يتضح لماذا يعتبره المخطط الإيراني مركز الثقل الذي يختزل ما يقارب 75% من القدرة العملياتية الأمريكية في الشرق الأوسط.
يمتد نطاق عمليات الأسطول على مساحة تقارب 6.5 مليون كيلومتر مربع، تغطي الخليج العربي، خليج عُمان، بحر العرب، البحر الأحمر، وأجزاء من المحيط الهندي، وتُشرف عمليًا على 21 دولة وثلاثة اختناقات استراتيجية مضيق هرمز، باب المندب، وقناة السويس. عبر هذه الممرات تمر النسبة الغالبة من تجارة النفط والغاز العالمية. السيطرة عليها تعني امتلاك القدرة على حماية أو تعطيل سلاسل توريد الطاقة، وهو ما يجعل الأسطول حجر الزاوية في الأمن الطاقوي الغربي.
تاريخيًا، أُعيد تفعيل الأسطول في منتصف التسعينيات ضمن هندسة ما بعد الحرب الباردة، لملء فراغ القوة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم تحول إلى الذراع البحرية الضاربة
للقيادة المركزية الأمريكية. شارك في عمليات أفغانستان 2001، العراق 2003، وتولى أدوارًا مباشرة في مسارح اليمن والخليج لاحقًا. قوامه يتجاوز ثلاثين قطعة بحرية بين مدمرات مزودة بمنظومة "إيجيس"، وغواصات هجومية، وسفن دعم لوجستي، وحاملات طائرات تدير مئات الطلعات الجوية، إضافة إلى نحو 15 ألف عسكري وآلاف الصواريخ الموجهة بعيدة المدى.
لكن القوة الصلبة ليست سوى نصف الصورة. النصف الآخر يتمثل في البنية المعلوماتية رادارات بعيدة المدى، أقمار صناعية، طائرات إنذار مبكر، أنظمة اعتراض إلكتروني، وغرف عمليات تُنسق لحظيًا مع قواعد جوية وبرية في الخليج. هنا تبرز منظومات مثل "ثاد"، المعززة برادار AN/TPY-2 القادر على كشف الأهداف الباليستية على مئات الكيلومترات، والتي لا تعمل كدرع دفاعي فحسب، بل كمستشعر استراتيجي يزود الشبكة الأمريكية–الإسرائيلية ببيانات التتبع والتمييز والإنذار المبكر. استهداف هذه الرادارات لا يعني إسقاط صواريخ فقط، بل "إعماء" طبقة معلوماتية كاملة، وإرباك سلاسل القرار الناري.
الأسطول الخامس لا يعمل بمعزل عن بقية الأذرع البحرية. فهو يتكامل مع
الأسطول الأمريكي السادس
الذي ينتشر عادة في البحر المتوسط وأجزاء من أوروبا وإفريقيا وأيضا مع الأسطول الأمريكي السابع الذي ينتشر في غرب المحيط الهادئ والمحيط الهندي، ويُعد أكبر الأساطيل الأمريكية المتقدمة
في المتوسط والبحر الأسود.
هذه الشبكة الثلاثية تتيح إعادة توزيع القطع البحرية، وتدوير حاملات الطائرات، ومشاركة بنك الأهداف والمعلومات عبر مسارح متصلة. أي خلل كبير في الخليج يرتد تلقائيًا على المتوسط والهندي والهادئ، والعكس صحيح.
وتمتلك الولايات المتحدة على الأقل نحو 750 قاعدة عسكرية حول العالم بما في ذلك قواعد ضخمة وقواعد أصغر ومنشآت لوجستية أو استخبارية. منها 128 قاعدة عسكرية دائمة في حوالى 49 دولة.
في منطقة الشرق الأوسط والخليج وحدها هناك شبكة واسعة من القواعد والمواقع العسكرية الأمريكية، بمن في ذلك مواقع دائمة ومواقع دعم لوجستي (ليست مؤقتة). هناك ما يقارب 19 موقعًا تشغيليًا أو قاعدة رئيسة في المنطقة مع انتشار نحو من 40-50 ألف جندي أمريكي موزعين بين هذه الدول.
من هذا المنظور، تركز إيران على استنزاف الأسطول ومنظوماته ليس خيارًا عاطفيًا، بل حسابًا عسكريًا باردًا ضرب "العين" قبل "الذراع". تدمير أو تعطيل الرادارات، سفن الإمداد، ومنشآت القيادة والسيطرة يحول التفوق العددي إلى عبء، ويجعل القطع البحرية أهدافًا مكشوفة ضمن بيئة نارية مكتظة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. في بيئة كهذه، يصبح الفارق بين القوة الكامنة والقدرة الفعلية مرهونًا بسلامة الشبكة المعلوماتية.
في المقابل، تطرح طهران روايتها على أنها ردع بالردع، لا تستهدف الجيران، بل البنية العسكرية الأجنبية وأنشطتها اللوجستية والاستخبارية التي لا تُحصى. الرسالة السياسية هنا مزدوجة، أولًا، نزع الشرعية عن الوجود العسكري الدائم بوصفه تهديدًا لبنية الأمن الإقليمي؛ وثانيًا، نقل كلفة الحرب إلى من يديرها. في هذا السياق، يُقرأ التناغم بين سياسات نتنياهو وخيارات دونالد ترامب كجزء من هندسة صراع أوسع يستهدف تقويض إيران ومحورها، ثم إعادة ترتيب المنطقة بما يضمن تفوقًا استراتيجيًا طويل الأمد لتل أبيب.
غير أن المسألة لا تقف عند حدود إيران أو إسرائيل. الوجود الكثيف للقواعد الأجنبية، وشبكات الرصد والتجسس المرتبطة بها، يضع المجال الحيوي العربي تحت مراقبة دائمة ويجعل اقتصاده رهينة تقلبات المواجهة. كل رادار بعيد المدى، كل وصلة بيانات تكتيكية، كل غرفة عمليات مشتركة، تعني أن قرار الحرب والسلم لم يعد محليًا بالكامل. وحين تتحول الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية إلى عقد لوجستية في شبكة قتال عابرة للقارات، فإن أي تصعيد سيطالها، مهما كانت النوايا المعلنة.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار وقادة الرأي هو: هل يبقى أمن المنطقة معتمدًا على مظلة خارجية تُعيد تعريف أولوياتها وفق مصالحها، أم يُعاد التفكير في بنية أمن جماعي إقليمي تقلص مساحات الاستدعاء الخارجي؟ إن تآكل طبقة الرادارات والدرع الصاروخي، وتعاظم قدرات الصواريخ الدقيقة والمسيّرات، يُظهر أن الحروب الحديثة تُحسم بالمعلومة بقدر ما تُحسم بالنار. ومن يمتلك المعلومة يمتلك زمام المبادرة.
إذا كان الأسطول الخامس هو مركز الثقل، فإن استهدافه يعيد رسم معادلة الردع في الخليج. نجاح أي طرف في إعماء الشبكة أو شل القيادة والسيطرة ستكون له تبعات تتجاوز البحرين إلى المتوسط والهادئ. أما استمرار الانخراط غير المشروط في صراعات الآخرين، فيعني أن المنطقة ستظل ساحة اختبار لتقنيات الحرب الجديدة، وميزانًا لتصفية الحسابات الكبرى. بين هذين الخيارين، تتحدد ملامح الأمن العربي في العقود المقبلة.