فبراير 13, 2026 - 15:39
فبراير 14, 2026 - 20:26
الباحث والناشط السياسي المصري شادي عمر الشربيني لـ(عرب جورنال): يجب استغلال زخم "طوفان الأقصى" لترسيخ ثقافة المقاومة والأمن القومي المصري والعربي مدينٌ للمواقف اليمنية في مواجهة الأطماع الصهيونية التوسعية

في خضم استمرار التوترات الإقليمية على وقع العربدة الإسرائيلية الأمريكية، تستضيف "عرب جورنال" الباحث والناشط السياسي المصري شادي عمر الشربيني، في حوار خاص؛ لمناقشة التأثيرات الخطيرة المتوقعة لهذه العربدة والغطرسة على أمن واستقرار المنطقة والإقليم والعالم، وإلى أي مدى سيستمر قانون الغاب الذي تفرضه الولايات المتحدة على الدول والشعوب حول المعمورة.

ويتطرق الحوار إلى المخاطر والألغام السياسية والعسكرية المحيطة بمصر من كل الاتجاهات، بدءاً من المخطط الإسرائيلي لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني من أرضه بقطاع غزة إلى سيناء، ومروراً بالحرب الأهلية في السودان وليبيا، وصولاً إلى التوغل الإسرائيلي في عمق الأمن الجيوسياسي للقاهرة في القرن الأفريقي. كما يتناول الحوار أهمية الموقف اليمني الاستراتيجي من هذا التوغل الإسرائيلي باعتباره خطراً على الأمة جمعاء. كذلك يناقش الحوار ما إذا كانت معركة "طوفان الأقصى" وصمود غزة وبقية جبهات الدعم والإسناد، وانفضاح المشروع "الصهيو-أمريكي" على الملأ، قد ساهم في إفراز تحالفات جديدة خارج العباءة الأمريكية في المنطقة، أم أن الأنظمة العربية لم تستوعب الدرس بعد ولا تزال في خنوعها التام للهيمنة الغربية، حتى على حساب شعوبها ووجودها ومصالحها القومية. 

عرب جورنال / حوار / حلمي الكمالي 

التحريض الإسرائيلي المستمر لجر إدارة ترامب نحو مواجهة مفتوحة مع إيران يصطدم بصخرة الثبات الاستراتيجي لطهران وتداعيات الحرب الكارثية على الاقتصاد العالمي

الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذج أخلاقي وإنساني ملهم للشعوب، وبقاؤها يمثل الرادع الوحيد والمنيع أمام غطرسة المشروع الصهيو-أمريكي التوسعي في المنطقة

اليمن العظيم أذلَّ "إسرائيل" بإغلاقه مضيق باب المندب أمام سفنها وتجارتها وفرض حصار عليها من الجنوب ظل مفروضاً ما دامت غزة المظلومة تحت الحصار 

أظهر الشعب اليمني العظيم قدرة فوق أي وصف على تقديم التضحيات في سبيل فلسطين وعلى طريق القدس، كما كشف عن عبقرية عسكرية واستراتيجية وتكتيكية مذهلة، أذلت أكبر قوة في عصرنا وأكثرها جبروتاً، وهي الولايات المتحدة

بتصديه للتواجد الإسرائيلي في البحر الأحمر والصومال ومنطقة القرن الأفريقي، يبقى اليمن الحليف والصديق الذي لا غنى عنه لمصر، والأمن القومي العربي مدينٌ للمواقف اليمنية في مواجهة الأطماع الصهيونية التوسعية 

يجب على مصر وبقية الدول العربية الانفتاح على يمن أنصار الله وإقامة علاقات كاملة معه ودعمه بلا حدود لبسط سيطرته على كامل أرض اليمن، لما فيه مصلحة جميع دول وشعوب المنطقة

التحديات الوجودية التي تحيط بمصر تتطلب مراجعة استراتيجية شاملة وفك الارتباط بتبعات "كامب ديفيد" والتوجه نحو بناء تحالفات قوية مع محور المقاومة

انضمام مصر لمحور المقاومة وإقامة علاقات استراتيجية مع إيران واليمن والجزائر هو الخيار الأمثل لاستعادة دورها التاريخي القيادي وصون ثروات شعبها وحمايتها 

الرهان على وعي الأجيال العربية الجديدة هو السبيل الوحيد للتحرر من الهيمنة الغربية وبناء طليعة وطنية قادرة على مواجهة النفاق الدولي والاستعمار الحديث 

الولايات المتحدة الأمريكية تعيش مرحلة انكفاء تاريخي تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والديون الفلكية، مما ينذر بانهيار نظام القطب الواحد وتشكل عالم جديد 

ضرورة استغلال زخم "طوفان الأقصى" لترسيخ ثقافة المقاومة وتعزيز الجبهات الداخلية في مواجهة محاولات التسلل الإسرائيلي عبر ملفات الصومال والسودان وسد النهضة

العالم يقف على أعتاب مرحلة سيولة تاريخية كبرى، حيث يصارع النظام القديم من أجل البقاء بينما تولد من رحم المقاومة قوى دولية تنشد العدالة

_ ما هي الدوافع من المحاولات الأمريكية الصهيونية لشن عدوان على إيران؟ وهل تعتقدون أن الهدف من هذه المحاولات هو إسقاط النظام الإيراني وإخضاع المنطقة للمشروع الصهيو-أمريكي؟ أليس هذا اعترافاً بأهمية بقاء هذا النظام بالنسبة لحضور الأنظمة العربية ومكانتها في التوازنات الإقليمية؟ وما الذي يفترض أن تعمل عليه هذه الأنظمة العربية للتصدي للمخططات التمزيقية التي تستهدف الجميع بلا استثناء؟ وما أبعاد ودلالات الزيارة الطارئة التي يجريها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل هي محاولة أخيرة لإفشال المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟ وهل تعتقدون أنه سينجح في إقناع ترامب بشن عدوان واسع على الجمهورية الإسلامية؟ 

في البداية، وقبل أي شيء، فإنني حقيقة لا أستطيع أن أعبر عن مدى سعادتي بالحوار مع صحفي وصحيفة تنتمي إلى اليمن الشريف المقاتل المضحي الصامد. إن اليمن الآن يمثل نقطة ضوء باهرة في زمن عربي معتم وكئيب. وإنني لأدعو الشعب العربي بأكمله، وبالأخص الشعب المصري الذي أنتمي إليه، أن يتخذ اليمن قدوة ومثالاً، وأن ينفتح على اليمن ويقدم له كل أسباب الدعم والثبات والنصر في معركته الكبرى ضد الصهيونية والاستعمار الأمريكي الغربي، وأن ننهل جميعاً من شجاعة هذا الشعب وثقافته المقاومة المبدعة الأصيلة.

أعتقد أن إجابة الجزء الأول من السؤال وردت بعده مباشرة في الجزء الثاني منه. بالفعل، الهدف من هذه المحاولات الأمريكية الصهيونية لشن عدوان على إيران هو إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإخضاع المنطقة للمشروع الصهيو-أمريكي. وأنا أفضل دائماً استخدام مصطلح وتعبير "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" على تعبير "النظام الإيراني" وأسبابي هي:

• إن الهدف الصهيو-أمريكي هو التنكيل بالجمهورية الإسلامية الإيرانية وتحطيمها بشكل كامل وتام، وليس فقط استبدال نظام بنظام آخر داخل نفس الإطار الجمهوري الإسلامي. الهدف هو تحويل إيران إلى عظة وعبرة لكل من يحاول أن يقف مع الحق الفلسطيني وفي وجه النهب الإمبريالي الأمريكي الصهيوني لثروات المنطقة وخيراتها واستعبادهم وإذلالهم لشعوبها.

• إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست مجرد نظام آخر مثل نظم كثيرة في الفضاء الدولي؛ فالجمهورية الإسلامية الإيرانية كيان وأمة تأسست على مبادئ أخلاقية ودينية وإنسانية لم تعد موجودة في هذا العالم. لذلك فإن مجرد استمرارها في البقاء بالرغم من حصار وحرب وحشية ممتدة لا تنقطع، كافٍ بإلهام كل الشعوب حول العالم لتتحرر وتعيد توجيه بوصلتها نحو المبادئ السامية والأخلاق الرفيعة وخير الإنسانية. ومن هنا يكون القضاء عليها ليس فقط ضرورة من أجل استمرار التسلط والهيمنة الأمريكية الصهيونية على المنطقة، ولكنه أيضاً ضرورة من أجل إبقاء شعوب العالم كله خاضعة للتسلط والإمبريالية الأمريكية الغربية. ولهذا نرى الكثير من الدول الأوروبية منخرطة بشكل مباشر في الحرب الأمريكية الصهيونية على الجمهورية الإسلامية، وتعمل يداً بيد معهم على إسقاطها.

إن صمود وبقاء، بل وانتعاش وازدهار الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو بالتأكيد في صالح كل الأمة العربية، وفي صالح أي نظام عربي ولأجل كل دول المنطقة؛ ذلك أن الجمهورية الإسلامية هي الرادع الوحيد الباقي في المنطقة للوحشية الصهيو-أمريكية، ولا يريد الصهيو-أمريكي إسقاطها إلا لكي يمضي في عدوانه وحروبه التوسعية والإبادية. لذلك فإن الأمن القومي، قبل الواجب الأخلاقي، يفرض على المنطقة -شعوباً ودولاً وحكومات- أن تشارك بشكل مباشر وكامل في صد العدوان الصهيو-أمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

لقد كان نظام الشاه العميل الذي أطاحت به الثورة الإيرانية المباركة خنجراً مغروساً في ظهر العرب والمسلمين؛ فقد كان يسخر إيران بكل إمكاناتها وتاريخها وعراقتها في طاعة وخدمة الهيمنة الأمريكية، وكان يمد إسرائيل بالبترول والطاقة التي تسير بها آلتها الحربية التوسعية وتشن بها الحروب العدوانية على الدول والشعوب العربية. وبالرغم من ذلك كانت الدول العربية، وبخاصة ممالك ومشيخات الخليج وشبه الجزيرة العربية، تحافظ على أوثق العلاقات مع الشاه ونظامه! والمدهش، بل والمفزع، أنه حين قامت الثورة التي أطاحت بالطاغية محمد رضا بهلوي، وأقامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي قطعت العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني المجرم وأعطت مبنى سفارته في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية، فإن الدول العربية عادت تلك الثورة العظيمة وحرضت العراق على الدخول في حرب طويلة ومنهكة ضدها، حيث لم تخدم تلك الحرب سوى إسرائيل والولايات المتحدة!!

وحتى بعد أن عقدت الولايات المتحدة اتفاقاً نووياً مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن أغلب دول الخليج وعلى رأسهم المملكة السعودية كانوا من أبرز المحرضين ضد هذا الاتفاق، واستمروا في التحالف مع إسرائيل وتخريبه حتى أسقطه ترامب في ولايته الأولى. لقد ساهمت الجهود الدبلوماسية النشطة والرشيدة لإيران مع الوساطة الصينية في الكسر من حدة العداء السعودي/الخليجي غير المبرر وغير المفهوم للجمهورية الإسلامية، ثم كان ما حدث من عدوان إسرائيلي غادر على الدوحة من أثر في استفاقة بعض من الوعي العربي واسترداد شيء من العقل، وإدراك أن العدو هو إسرائيل وليس إيران، وأن الإطاحة بالرئيس الأسد فتحت الباب على مصراعيه لامتداد العدوان الإسرائيلي المباشر على دول الخليج. لذلك نرى الآن أن التحريض السعودي/الخليجي على إيران، باستثناء الإمارات ربما، قد توقف. لقد أعلنت الدول الخليجية أنها لن تدعم أي عدوان أو حرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية في أي شكل من أشكال الحرب والعدوان عليها.

هذا بلا شك تقدم بديع ومحمود، ولكن في الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة ما زالت تحشد قواتها وآلتها الحربية في قواعدها العسكرية على أراضي تلك الدول وتستخدم أجواءها ومياهها الإقليمية في هذا الحشد، سواء تمهيداً للعدوان على إيران أو تهديدها وابتزازها. لذلك فإن على أي دولة أو كيان عربي أن يمنع بمنتهى الصراحة والوضوح استخدام أي قواعد على أراضيه في العمل ضد الجمهورية الإسلامية، بل إنه علينا أن ننهي وجود تلك القواعد الأمريكية على أراضينا العربية بشكل مباشر إذا أردنا أن نجنب بلادنا وشعوبنا ويلات حرب مدمرة لن تكون إلا في صالح إسرائيل وأمريكا!!

أما بالنسبة لنتنياهو وحظوظ نجاحه في إقناع ترامب أو الضغط عليه لكي يمضي قدماً في حرب إسقاط الجمهورية الإسلامية، فإن ذلك يعتمد على تقديم قراءة فاحصة للواقع ومستجداته، وهنا نجد أمامنا ما يلي:

• بالرغم من العلاقة الواسعة والتحالف العميق الذي يكاد يكون اندماجاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل منذ وقت طويل، إلا أنه من الواضح أن ترامب هو ربما أكثر رئيس وإدارة تماهت مع إسرائيل بل ومع اليمين المتطرف فيها عبر التاريخ. ويجب أن نتذكر أن نتنياهو نجح من قبل في إقناع ترامب بالمشاركة في "حرب الاثني عشر يوماً"، حيث شنت إدارة ترامب ضربة واسعة على إيران لم تجرؤ أي إدارة سابقة على فعلها.

• في الوقت نفسه، فإنه خلال تلك الحرب؛ ظهر واضحاً أيضاً عندما صمدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية واستطاعت أن تستوعب الضربات الإسرائيلية والأمريكية، بالرغم من خسائرها الكبيرة في القيادات ومنظومات الدفاع الجوي في الساعات الأولى من الحرب، وأن تمطر كيان الاحتلال بمئات الصواريخ التي أحدثت إصابات موجعة بدولة الاحتلال فضلاً عن استنزافها لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية، وبعد أن أصر المرشد علي خامنئي على الرد بضرب قاعدة "العديد" الأمريكية في قطر، فإن الولايات المتحدة أوقفت الحرب وبدا أنها ليست مستعدة أن تذهب إلى حرب مفتوحة.

• إن ترامب تم انتخابه على قاعدة عدم توريط الولايات المتحدة في حروب طويلة وممتدة يسقط فيها قتلى أمريكيون وتستنزف الموارد الأمريكية. لذلك فإنه عندما حاول ترامب أن ينزل من على الشجرة عبر بعث رسائل إلى إيران بأن تتم ضربة محدودة بدلاً من حرب شاملة؛ في مقابل رد محدود من إيران يكون متفقاً عليه، وكان جواب إيران على الرسالة بأن أي ضربة أمريكية لن تمر بردود متفق عليها بل برد شامل ومناسب والأرجح أن يكون محرجاً لترامب وإدارته، فإذا بترامب يتراجع ويذهب إلى خيار التفاوض، حتى وإن كان هذا التفاوض مع وضع السلاح على الطاولة.

مما سبق يتضح أنه من الصعب جداً أن يذهب ترامب إلى حرب مفتوحة مع إيران، خاصة بعد أن هدد المرشد وقادة الجمهورية بأن الحرب القادمة ستكون حرباً إقليمية شاملة، مما يعني سقوط قتلى أمريكيين وارتفاعات كبيرة في أسعار النفط وما يعنيه ذلك من تداعيات خطيرة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي. إن الحشد الأمريكي يهدف بالأساس إلى الضغط على أعصاب قيادة الجمهورية الإسلامية لكي تقدم تنازلات مؤلمة على مائدة المفاوضات، و/أو تفجير الوضع الداخلي في إيران وتشجيع والدفع بعناصر التمرد مع تفعيل الخلايا النائمة لإحداث انهيار من الداخل.

مما سبق فإن سبيل دفع ترامب للتراجع وإفشال تحريض نتنياهو وإسرائيل على الحرب الشاملة هو؛ أولاً: ثبات أعصاب القيادة في الجمهورية الإسلامية وإدارتهم لملف التفاوض ببرود أعصاب يهز ثقة الخصم بنفسه ويدفعه لليأس، وذلك أمر قد نجحت فيه القيادة الإيرانية إلى حد بعيد حتى الآن في تقديري، بل وأذهب إلى أن بعض التصعيد المحسوب قد يكون مطلوباً. وثانياً: تقوية الجبهة الداخلية أمر شديد الإلحاح؛ لأن تفجيرها هو رهان الإسرائيلي والأمريكي الأول، وفي هذا الصدد ربما يمكن الاستفادة من التجربة اليمنية في خروج مظاهرات مليونية عقب كل صلاة جمعة، تكون تلك المظاهرات تأكيداً على الولاء للجمهورية الإسلامية ومبادئها وأسسها مع تجنب شعارات "الموت لأمريكا" (حتى لا يستخدمها معسكر الحرب في إسرائيل وداخل إدارة ترامب)، كما أن مكافحة أي شكل من أشكال الفساد ودفع مؤسسات الدولة والقطاعات الخدمية والإنتاجية لتعمل بأقصى طاقتها لخدمة الجمهور وتنشيط الاقتصاد وسرعة إنجاز المشاريع ذات العائد المباشر على الشعب، كل تلك الإجراءات وغيرها كفيلة بتمتين الجبهة الداخلية وإسقاط الرهانات الأمريكية-الإسرائيلية-الغربية. 

_ كمصري كيف تلقيتم الدعم العسكري اليمني لغزة طوال معركة طوفان الأقصى؟ وهل تعتقدون أن الموقف اليمني جسد بشكل عملي موقف كل أحرار الأمة الذين يريدون دعم القضية الفلسطينية بالغالي والنفيس لكنهم يصطدمون بأنظمة عميلة ومتواطئة مع الجلاد ضد الضحية؟ وماذا تقولون بشأن القرار اليمني باستهداف أي تواجد إسرائيلي في الصومال؟ وأي أهمية استراتيجية لمثل هذا القرار بالنسبة للأمن القومي العربي والأفريقي بشكل عام، والأمن القومي المصري على وجه الخصوص؟ وهل تعتقدون أن مثل هذه المواقف اليمنية الجريئة تحتاج إلى التفاف عربي واسع لدعمها وتأييدها لخلق واقع عربي مقاوم جديد قادر على مواجهة التهديدات والمخاطر الوجودية التي تستهدف الأمة في كل المجالات وكل الساحات والميادين؟ 

لقد أثار العدوان على غزة وحرب الإبادة كل أحرار العالم، حيث تحركت المظاهرات الحاشدة في كل أنحاء الكرة الأرضية، بما في ذلك أماكن ومعاقل محسوبة على الصهيونية العالمية، كما كان هناك الموقف البطولي لحزب الله اللبناني في فتح جبهة مساندة لغزة، لكن كل ما سبق كان في كفة وما فعله يمن أنصار الله في كفة أخرى. لقد كان اليمن بالفعل هو مفاجأة الصراع الكبرى، حيث بالرغم من كل الحصار والمعاناة والحرب الأمريكية الإسرائيلية الشرسة لثنيه عن دعم ومساندة غزة بالصواريخ والمسيرات التي أرهقت العدو الإسرائيلي وأذلته، إلا أن اليمن قدم في مشهد فوق أسطوري صورة شعب لا يلين ولا يتراجع عن دعم غزة المكلومة.

لقد أظهر الشعب اليمني العظيم قدرة فوق أي وصف على تقديم التضحيات في سبيل فلسطين وعلى طريق القدس، كما كشف عن عبقرية عسكرية واستراتيجية وتكتيكية مذهلة، أذلت أكبر قوة في عصرنا وأكثرها جبروتاً، الولايات المتحدة، كما أن اليمن العظيم أذل إسرائيل بإغلاقه مضيق باب المندب أمام سفنها وتجارتها وفرض حصار عليها من الجنوب ظل مفروضاً ما دامت غزة المظلومة تحت الحصار. ولا ريب بعد كل ذلك، فإن اليمن هو النموذج والقدوة والمثال لكل مصري ولكل عربي ولكل مسلم ولكل حر من أحرار العالم.

إن يمن أنصار الله بتصديه لإسرائيل عبر الصواريخ والمسيرات وحصارها من باب المندب، وبتصديه للتواجد الإسرائيلي في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، هو الحليف والصديق الذي لا غنى عنه لمصر. إن الأمن القومي المصري بل والعربي بأكمله يدين ليمن الأنصار.

لذلك فإن الانفتاح على يمن أنصار الله وإقامة علاقات كاملة معه ودعمه بلا حدود لبسط سيطرته على كامل أرض اليمن، لهو أعظم وأكبر استثمار في الأمن القومي العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص.

وفي خاتمة الإجابة عن هذا السؤال أحب أن أنوه أنني لا أترك فرصة أو مجالاً إلا لتبصير الشعب المصري والأمة العربية ببطولة اليمن الأسطورية، وأن هذا اليمن كما أنه يشكل القدوة والمثال الذي نسعى لتمثله ونشره، فإن أيضاً الواجب، كل الواجب، هو الحفاظ عليه ودعمه بكل الوسائل وكافة السبل والإمكانات. 

_ العدوان على غزة والحرب المستمرة في السودان والجماعات الإرهابية المنتشرة في ليبيا، وفشل مفاوضات سد النهضة، والاعتراف الإسرائيلي بما يسمى بـ"أرض الصومال"، كل هذه الملفات الساخنة المحيطة بمصر من كل الاتجاهات ألا تشكل تهديداً وجودياً مباشراً لمصر؟ كيف ذلك؟ وكيف يمكن مواجهة هذه التهديدات من وجهة نظركم؟ أليس كل ما تقوم به "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية التي تقدم نفسها كدولة حليفة لمصر بينما كل أفعالها في المنطقة تستهدف الأمن القومي المصري؟ وهل تعتقدون أن الخيار الأمثل والوحيد للقاهرة للخروج من هذه المآزق والتغلب عليها يبدأ أولاً بمراجعة علاقاتها مع هذه الدول، وفتح صفحة جديدة مع دول وقوى المقاومة وتعزيز العلاقات معها باعتبارها في مقدمة الاشتباك المباشر مع هذه المشاريع الصهيو-أمريكية التخريبية؟ 

إن كل ذي عقل وبصيرة يدرك جيداً أن ذلك الانهيار الواسع والكوارث والنكبات التي أصابت الأمن القومي المصري على مختلف الاتجاهات، شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، لهي نتاج الانقلاب على السياسات والرؤى الاستراتيجية الناصرية وتبني خط الرئيس السادات الذي حول مصر إلى دولة تنكمش على نفسها وتخسر كل تأثير لها في الإقليم والعالم.

إن الخط السياسي القومي العربي للزعيم جمال عبد الناصر، والذي ترافق وتصاعد مع سياسة عدم الانحياز ودعم ومساندة حركات التحرر في أفريقيا وعلى مستوى العالم، صنع لمصر مكانة عظيمة بين الأمم، وحولها إلى رقم في المعادلة الإقليمية والعالمية يستحيل تجاهله. أما الخط الانقلابي للرئيس السادات فقد أخرج مصر من معادلة الصراع مع إسرائيل، وبهذا الخروج فقدت مصر، مع الأسف الشديد، ثلاثة أرباع تأثيرها في المنطقة والعالم، كما أن الربع الباقي طار تقريباً بسياسة الانضواء تحت المظلة الأمريكية وهجر عدم الانحياز والتخلي عن استقلال الموقف السياسي.

وبعد حوالي نصف قرن من سياسات كامب ديفيد وتداعياتها على الأمن القومي المصري والعربي، فإن الخلاص الوحيد لمصر وصون ما تبقى من أمنها واستعادة قدرها وقرارها، لهو مرهون بالتخلص من كامب ديفيد وفك الارتباط مع الولايات المتحدة وبناء أوسع وأقوى العلاقات مع يمن أنصار الله والجمهورية الإسلامية الإيرانية والجزائر؛ حيث إن انضمام مصر إلى جبهة ومحور المقاومة هو السبيل الوحيد الناجع للدفاع عن أمنها القومي بل وحياتها، كما أن إقامة أوسع العلاقات والتحالفات مع الصين وروسيا ومختلف قوى التحرر على مستوى العالم، هو النهج الأسلم لكي تدافع مصر عن مصالحها وتفتح الطريق للتحرر السياسي والاجتماعي وتحقق تنمية حقيقية لشعبها العظيم.

ولطالما كانت تبدو المقاومة كلفتها عالية.. لكن مهما بلغت، فهي أقل كلفة من الاستسلام وهوانه وفساده. 

_ في خضم التطورات والمتغيرات والتوترات الراهنة.. ما هي تصوراتكم للمرحلة المقبلة في عموم المنطقة العربية والإسلامية والأفريقية؟ وهل تعتقدون أن معركة طوفان الأقصى وصمود غزة وبقية جبهات الدعم والإسناد في اليمن ولبنان والعراق وإيران، قد أفرزت تحالفات جديدة خارج العباءة الأمريكية أم أن الأنظمة لم تستوعب الدرس بعد ولا تزال في خنوعها التام للهيمنة الغربية حتى على حساب شعوبها ووجودها ومصالحها القومية؟ 

أقولها لكم بمنتهى الصراحة، إن أملي في الأنظمة الحالية هو أمل بالغ الخفوت. ربما يبدو بين الحين والآخر أن هناك تغييراً ما في الاتجاهات والسياسات، لكن سرعان ما يتضح أنه تغيير هامشي أو بالغ البطء والمحدودية بشكل لا يتناسب مطلقاً مع عظم التحديات التي تواجهها منطقتنا والأمة العربية والإسلامية!

في تقديري أن أغلب الطاقات يجب أن تتجه إلى الأجيال الجديدة والصاعدة، تلك التي لم تتلوث بعد أو تقع في شبكات العلاقات الفاسدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب الإمبريالي. تلك الأجيال يجب العمل على توعيتها وتثقيفها والحد من فساد الفكر والأخلاق الذي يراد إغراقهم فيه. مهمة النخب والطليعة المخلصة في هذه الأمة هي التركيز على تلك الأجيال الجديدة والتحرر من أي ارتهان للسلطة. هذا لا يعني هجر محاولات الحوار مع السلطات القائمة حالياً ومخاطبتها بكافة السبل للتغيير والتخلي عن تلك السياسات البالية التي سببت وأفرزت سلسلة من الكوارث لا تنتهي!

يجب استغلال طاقة النضال والعمل المقاوم الكفاحي لطوفان الأقصى ومحور المقاومة الذي قدم أعظم وأكبر قادته شهداء على طريق القدس. يجب استغلال انكشاف وجه إسرائيل الوحشي وثبوت همجية الولايات المتحدة وظهور النفاق الغربي، لبناء أجيال تعرف من هم الأعداء ومن هم الأصدقاء، أجيال تعرف وتؤمن أن المقاومة هي الشرف الوحيد، وقتال الظالمين والمعتدين هو السبيل الوحيد للحرية والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة. 

_ بعد كل ما حدث ويحدث من جرائم وغطرسة أمريكية صهيونية بحق الدول والشعوب الحرة من غزة مروراً بلبنان وسوريا والعراق إلى فنزويلا.. إلى متى سيستمر قانون الغاب الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية ووكلائها الإقليميون والدوليون بواسطة الابتزاز العلني واستخدام القوة العسكرية؟ وهل يمكن القول إن النظام الدولي انتهى فعلياً بقوانينه وأعرافه؟ وهل تعتقدون أن العالم يقترب من حرب عالمية ثالثة وفقاً للتطورات والتوترات الساخنة التي يشهدها وتتصاعد بشكل شبه يومي خلال السنوات والأشهر الأخيرة؟ وما الحلول المتاحة برأيكم لتأسيس نظام عالمي جديد قائم على العدالة الحقيقية والتعايش بين الدول والشعوب بعيداً عن الغطرسة والهيمنة والوصاية؟

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وحتى قبل هذا الحدث بسنوات، انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة والهيمنة العالمية كقطب واحد بلا منافس. كانت تلك فرصة هائلة وتاريخية للولايات المتحدة والغرب من ورائها، لكي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنها قوة خيرة، تستطيع أن تقيم نظاماً عالمياً عادلاً، يحقق تنمية تتوزع ثمارها على كل الدول والشعوب والأمم. لكن الولايات المتحدة فعلت العكس تماماً؛ فقد استغلت انفرادها بالعالم للهيمنة، وبسط سيطرة شركاتها على العالم بأكمله، وفرض نموذجها بحد السلاح وبالإكراه والعقوبات، كما أنها سعت للاستيلاء بلا رحمة أو شفقة على ثروات الشعوب والأمم.

هكذا شعرت دول كثيرة في عالمنا بالخطر، وأدركت أنها يجب أن تبني قوتها الذاتية وتقيم تحالفات إقليمية وعالمية تمكنها من هامش استقلال وحرية في القرار يجعلها تتنفس ولا يتم بلعها بواسطة الفك الأمريكي المتسع على آخره. في نفس الوقت فإن الولايات المتحدة تورطت في سلسلة من الحروب تخيلت أنها ستكون سهلة وبسيطة، وتضمن تأبيد سيطرتها العالمية وتكون بمثابة رسائل تحذير لكل من يفكر أن يرفع رأسه، لكن تلك الحروب من أفغانستان إلى العراق تحولت إلى مستنقعات وبرك وحل علقت وغرقت فيها الإمبراطورية، وبينما هي تستنزف وتحصد المزيد من كراهية شعوب الأرض، كانت دول أخرى مثل الصين وروسيا تبني نفسها، وتراكم القوة الاقتصادية والعسكرية والتقنية والعلمية.

إن ترامب ليس هو سبب الأزمة، بل هو تعبير عن الأزمة الأمريكية المتفاقمة، حيث أفاقت الولايات المتحدة على كابوس ديون تتراكم عليها بمعدلات فلكية، وعلى خسارات عسكرية وجيوسياسية في أفغانستان والعراق، وعلى تراجع في مكانتها الاقتصادية والصناعية والتقنية أمام الصين وغيرها من الدول الصاعدة. هذا الكابوس الذي أفاقت عليه الإمبراطورية الأمريكية وضعها في حالة عصبية، فخلعت القفازات الحريرية التي كانت تحاول أن تخفي بها قبضتها الحديدية، ولم تعد تملك الصبر والطاقة للتعامل مع المنظمات الأممية والقانون الدولي لتمرير هيمنتها وسيطرتها، بل إنها التفتت إلى حلفائها وأتباعها في أوروبا ومختلف المناطق في العالم لتعوض على حسابهم خسائرها الفادحة.

إن أوروبا لم تنتفض وتشعر بالذعر والرعب وتبكِ على انهيار النظام العالمي إلا عندما التفتت لها الولايات المتحدة وطالبتهم بدفع فواتير فشلها واستنزافها في حروبها الخاسرة. قبل ذلك كانت أوروبا تشارك الولايات المتحدة في حروبها الإجرامية وتوفر الغطاء لها.

بذلك نحن في النهاية أمام نظام فاسد، بلغ القاع في فساده. نحن في تلك اللحظة العسيرة من اللحظات التاريخية، التي فيها قديم يرفض أن يموت أو يرحل، وجديد يعاني من عثرات الولادة ووجود أيادٍ عجوزة وملوثة تسعى إلى إجهاض الجنين أو اللحاق بخنقه في سرير المهد!

إن الولايات المتحدة الأمريكية مقبلة على فترة انكفاء واسع على الذات والانسحاب من العالم، بل ومن المرجح، في ضوء قضية إبستين وأمثالها وتصاعد التوتر والانقسام في الداخل الأمريكي، أن تكون الولايات المتحدة على أبواب انهيار شامل.

في مثل تلك الأجواء، فإن العالم يمر بمرحلة سيولة هائلة وصدامات كبرى، واحتمال الانجرار إلى شكل من أشكال الحرب العالمية الثالثة وارد بشدة، لكنه أيضاً مرشح للتفادي في ظل انتشار السلاح النووي وتطوره الخطير خلال السبعين عاماً الماضية. هذه الفترة كما أنها فترة خطيرة ومشحونة بالمتاعب والصعاب والتضحيات الجسام، فإنها أيضاً تمثل فرصة عظيمة إذا تمسكنا بالإيمان وأدرنا المواجهة فيها بشجاعة وعقلانية وبأكبر قدر ممكن من المعرفة ودقة الحسابات. من يستطيع البقاء والصمود الآن في وجه عواصف وأعاصير الانتقال من زمن إلى زمن، فإنه غالباً سيكون صانعاً ومحركاً للتاريخ في هذا الزمن القادم. وإنني لأرجو وأدعو أن تستطيع جبهة ومحور المقاومة، بمركزها الشريف الذي تجسده الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أن تحقق مثل هذا البقاء والصمود؛ لأنها قوى الخير والنور والعدل، وقيادتها -أو على الأقل مشاركتها في قيادة وتشكيل عالم شجاع جديد- لهي ضمانة كبرى لصلاح وخير الإنسانية.