ترجمة وتحرير / نسيم أحمد - عرب جورنال
بينما كان العالم يظن أن ملف الراحل جيفري إبستين قد أُغلق بموته، جاءت "وثائق 2026" المسربة (المكونة من 3.5 مليون صفحة) لتعيد فتح الجرح الأكثر عمقاً في جسد النخبة العالمية. لم تكن هذه الدفعة تتعلق بأسماء سياسية فحسب، بل كشفت عن استراتيجية بالغة الدهاء استخدم فيها إبستين "تمويل العلوم" كدرع أخلاقي، محولاً أعرق الجامعات إلى غطاء لشرعنة وجوده الاجتماعي وحماية إرثه المظلم.
بدأ إبستين اختراقه للمؤسسات الأكاديمية عبر آلية أطلق عليها المحللون "الهندسة الاجتماعية للتمويل". فوفقاً لبيانات استقصائية تقاطعت فيها تقارير صحيفتي وول استريت جورنال مع الجارديان، لم يكتفِ إبستين بالتبرع المباشر، بل ركز على "المناطق الرمادية" في البحث العلمي؛ وهي المجالات التي تلهث خلف التمويل مثل الذكاء الاصطناعي وعلم الوراثة.
تظهر الوثائق أن هذا الاختراق وصل لدرجة "الاستغلال الأكاديمي"، حيث تشير رسائل تعود لعام 2016 إلى تورط أكاديميين في تسخير طاقات طلابهم لتطوير تقنيات تعرف على الوجوه لخدمة مشاريع إبستين الخاصة. ولضمان عبور هذه الأموال "الملوثة" عبر لجان الأخلاقيات الصارمة في هارفارد وMIT، ابتكر إبستين منظومة "صناديق الظل"، حيث تم ضخ ملايين الدولارات تحت ستار "متبرعين مجهولين"، مما سمح لرموز أكاديمية بقبول الأموال دون الشعور بوخز الضمير العلني.
الصدمة الأكبر في تسريبات فبراير 2026 لم تكن في المبالغ، بل في الأسماء. فقد كشفت الملفات عن تورط شخصيات كانت تُعد بمثابة "البوصلة الأخلاقية" للمجتمع الأكاديمي، وعلى رأسهم المفكر نعوم تشومسكي.
توضح الوثائق أن العلاقة لم تكن عابرة، بل شملت تنسيقات لوجستية ومالية بقيمة 20 ألف دولار، ما وضع إرث تشومسكي تحت مقصلة النقد اللاذع. وبالتوازي، ظهر اسم عالم الفيزياء لورانس كراوس، الذي لم يكتفِ بالدعم المالي، بل تشير الرسائل إلى لجوئه لإبستين كـ "مستشار أزمات" لمواجهة اتهامات بسوء السلوك، مما يعكس تحول إبستين إلى "عراب" يحمي النخبة من عواقب أفعالهم.
لم يتوقف طموح إبستين عند شراء الشرعية، بل سعى لتشكيل جبهة دفاعية ضد موجات التغيير الاجتماعي. وتكشف ملفات 2026 عن دور خفي لعبه في محاولة تقويض حركة #MeToo. ففي عام 2018، سخر إبستين موارده لتمويل هجمات مضادة ومقاضاة المنصات التي فضحت المتحرشين، في محاولة منه لخلق "ملاذ آمن" للشخصيات النافذة بعيداً عن أعين العدالة الاجتماعية.
في خضم هذا الكشف الكبير، وقعت مأساة تقنية غير متوقعة؛ إذ فشلت أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تنقيح الوثائق (Redaction Failure) في حجب بيانات حساسة، مما أدى لتسريب أسماء آلاف الضحايا والشهود. هذا الخطأ التقني لم يكن مجرد هفوة، بل وُصف بأنه "أكبر انتهاك للخصوصية في تاريخ القضاء الأمريكي"، مما زاد من تعقيد المشهد القانوني والأخلاقي للقضية.
تثبت هذه الحقائق المتسلسلة أننا لسنا أمام فضيحة فردية، بل أمام "انهيار للمناعة الأخلاقية" في مراكز صناعة المعرفة. إن قبول هارفارد وMIT ورموز كبرى لتمويلات مشبوهة يضع "الأكاديميا" أمام مرآة قاسية تظهر قبح التحالف بين "المفترس" و"الباحث".
اليوم، وبحسب وول استريت جورنال، ومع تصاعد موجة الاستقالات القيادية، تجد المؤسسات التعليمية نفسها أمام خيار وحيد: إما الشفافية المطلقة والكشف عن "المستفيد الحقيقي" من كل دولار يدخل خزائنها، أو مواجهة فقدان الثقة التام. لقد علمتنا "ملفات إبستين" درساً أخيراً ومرّاً: أن المعرفة التي تُبنى بأموال الظلام، لا يمكنها أبداً أن تقود البشرية نحو النور.