فبراير 3, 2026 - 20:37
فبراير 3, 2026 - 20:38
إبستين والموساد: الشبكة المظلمة للابتزاز والهيمنة العالمية

عرب جورنال _ كامل المعمري 

لطالما كانت فكرة التحكم بمصير العالم فكرة تثير القلق والفضول معاً، لكنها نادراً ما تُطرح خارج نطاق الأدبيات الخيالية أو خطابات الترويج الذاتي. ومع ذلك، فإن التمعن في مسارات معينة من التاريخ المعاصر، وفي شبكات العلاقات التي تبدو عابرة للحدود والقوانين، يفتح الباب أمام أسئلة أكبر من أي إجابة بسيطة. 

تقع في قلب هذه المساحة الغامضة قصة جيفري إبستين، الرجل الذي تحول من مجرم جنسي إلى رمز لأكبر شبكة ابتزاز وسيطرة سياسية حديثة امتدت لأعلى المراكز. وترتبط بهذه القصة، بشكل عضوي تساؤلات عن دور أجهزة استخبارات معينة، وعلى رأسها الموساد الإسرائيلي، في نسج خيوط هذه الشبكة أو استغلالها لتحقيق أهداف تتجاوز الجغرافيا الضيقة لإسرائيل، نحو مشروع هيمنة على دوائر صنع القرار العالمي.

الصورة لا تُفهم بمعزل عن السياق. فإسرائيل، منذ نشأتها، اعتمدت على مقاربة وجودية قائمة على فكرة الحصار الدائم والتهديد الوجودي. هذا الواقع ولّد عقيدة أمنية لا تعترف بالحدود التقليدية للحرب والسلم، بل توسعت إلى مفهوم "الحرب بين الحروب" أو ما يُعرف بالعمليات "ما تحت الرادار". في هذا الإطار، يبرز الموساد كأداة جيوسياسية فريدة، مهمتها الأساسية ضمان بقاء اسرائيل وتفوقها في محيط معادٍ. ولكن كيف تتحول هذه المهمة الدفاعية المفترضة إلى مشروع للتحكم العالمي؟ الإجابة لا تكمن في غزو عسكري تقليدي، بقدر ماهو في فهم عميق لنقاط الضعف في النظام العالمي الجديد: نقاط الضعف في الشخصيات المؤثرة.

هنا، يظهر جيفري إبستين كأداة محتملة، أو كظاهرة استُغلت ببراعة. الرجل، بعلاقاته الواسعة التي امتدت من عالم المال في وول ستريت إلى أعلى المراكز الأكاديمية في هارفارد وإم آي تي، وصولاً إلى العائلات المالكة والأمراء والسياسيين البارزين في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، لم يكن يملك قوة تقليدية. قوته كانت في سريره، أو بشكل أدق، في قدرته المزعومة على تجنيد فتيات قاصرات وتقديمهن كهدايا لأصحاب النفوذ. هذه الآلية البدائية، الابتزاز الجنسي، هي أقدم أدوات التجسس والتحكم. من يملك أدوات الابتزاز هذه يملك مفاتيح صمت، أو حتى ولاء، الشخصيات الأكثر قوة على كوكب الأرض. والتساؤل المطروح: من كان يملك مفاتيح إبستين نفسه؟

الدلائل الظرفية المحيطة بإبستين تشير إلى روابط عميقة مع شخصيات إسرائيلية وأمريكية مؤثرة منذ البداية راعيه الأول، الملياردير دونالد ترامب لاحقاً، كان ستيفن هوفنبرغ، الذي تعامل معه إبستين بشكل معقد اضافة الى علاقته الكبيرة مع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق باراك الذي زار جزيرة ابستين عدة مرات بحسب الوثائق التي تم نشرها مؤخرا 

ومع ذلك، فإن العلاقة الأكثر غموضاً هي تلك مع المحقق الخاص الإسرائيلي السابق، والمقرب من دوائر الاستخبارات، غيرهارد بارنابي. لكن الأمر يتجاوز العلاقات الشخصية. لقد عمل إبستين مع أبرز العلماء الإسرائيليين، مثل أفراهام عينان، وكانت له زيارات متكررة لإسرائيل، التقى خلالها بشخصيات رسمية. الأهم من ذلك، أن نموذج عمله – الجمع بين المال والعلوم والجنس والسياسة – يشبه إلى حد مريب نماذج عمليات الاستخبارات في تجنيد العملاء والحصول على المعلومات.

يقول آري بن ميناشي، الضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية، أن ابستين وشريكته غيسلين ماكسويل كانا يديران عملية "فخ العسل"لصالح الموساد، بهدف ابتزاز النخب العالمية. هذه الادعاءات تكتسب وزنًا عند ربطها بخلفية غيسلين ماكسويل، ابنة روبرت ماكسويل، قطب الإعلام الذي كان عميلًا مؤكدًا للموساد وتوفي في ظروف غامضة عام 1991. جنازة روبرت ماكسويل، التي حضرها رؤساء وزراء إسرائيليون، بمن فيهم شمعون بيريز الذي ألقى كلمة التأبين،  تشير إلى عمق ارتباطه بالكيان كما أن الإرث الذي تركته عائلة ماكسويل كان شبكة من الاتصالات والولاءات التي ورثتها غيسلين ونقلتها إلى عالم ابستين، ليكون هو الواجهة المالية وهي المهندسة اللوجستية لعملية استقطاب النخب. 

ستيفن هوفنبرغ، الشريك السابق لابستين في مخطط بونزي المالي، أكد قبل وفاته أن ابستين اعترف له بعلاقاته مع الموساد، مرجعًا ثروته ووصوله إلى النخب إلى هذا الارتباط. كما وصفت ماريا فارمر، إحدى ضحايا ابستين الأوائل، الشبكة بأنها حلقة ابتزاز "يهودية متفوقة" مرتبطة بـ "مجموعة ميجا"، وهي نادٍ سري من المليارديرات المؤيدين لإسرائيل. 

هذه الشهادات، من مصادر مختلفة، ترسم صورة متسقة لعملية تتجاوز بكثير مجرد الانحرافات الشخصية، لتصل إلى مستوى الدولة العميقة التي تدير مصالحها عبر القارات.

الفرضية التي تطرح نفسها هنا ليست بالضرورة أن إبستين كان "عميلاً" للموساد بالمعنى التقليدي. قد يكون ذلك ممكناً، لكن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أنه كان "أصلًا" ثمينًا، أو حتى "مشروعاً مشتركاً" بين مصالح متعددة، تمت إدارته وحمايته لفترة طويلة بسبب الفائدة التي يقدمها للجهات التي تستفيد من المعلومات التي يجمعها أو التأثير الذي يمارسه. حمايته القانونية الغريبة، والعقوبة المخففة التي حصل عليها في قضيته الأولى عام 2008، ثم وفاته المثيرة للشك في زنزانته عام 2019، كلها تشير إلى أن الرجل كان يعرف أكثر من اللازم، وأن شبكته كانت تشكل تهديداً خطيراً لمن هم في القمة.

هذا يقودنا إلى الآلية الأوسع: كيف تستفيد إسرائيل، أو أي جهة تتبع هذا النهج، من مثل هذه الشبكات للتحكم؟ الإجابة تكمن في تحويل نقاط الضعف الشخصية لنخب العالم إلى رافعة سياسية. عندما يكون رئيس وزراء بريطانيا، أو مرشح رئاسي أمريكي، أو رئيس دولة أوروبية، أو مدير مصرف مركزي عالمي، أو ملياردير إعلامي، مديناً بسرّ خطير لشبكة يمكن لتلك الشبكة الوصول إلى أسرارها، فإن خياراته السياسية تتأثر لا شعورياً. لا يحتاج الأمر إلى توجيه أوامر مباشرة. يكفي فهم "الثمن" الذي سيدفعه إذا خالف مصالح تلك الجهة. هذه هي "الدبلوماسية السوداء" في أعلى مستوياتها.

هكذا يدار العالم والدول الكبرى من خلال ملفات سرية تُحفظ في خزائن لا تفتح إلا عند الضرورة القصوى لتغيير مسار قرار أو فرض أجندة معينة.

تخيل أن صورًا أو مقاطع فيديو لشخصيات سياسية رفيعة المستوى، أو رجال أعمال مؤثرين، أو حتى قادة رأي، وهم يشاركون في أنشطة غير أخلاقية أو غير قانونية في جزيرة ابستين الخاصة أو في قصوره المجهزة تقنيًا، تقع في أيدي جهاز استخباراتي محترف. يصبح علاوة على ذلك فإن مصدر ثروة ابستين، الذي كان مجرد متسرب من الكلية وتحول إلى ملياردير بعميل واحد معروف، يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة المال السياسي. وهنا يبرز هنا دور ليس ويكسنر، قطب فيكتوريا سيكريت والمؤسس المشارك لمجموعة ميجا، الذي قال أنه منح ابستين قصرًا بقيمة 77 مليون دولار في نيويورك، مزودًا بكاميرات مراقبة، وملايين أخرى دون مبرر تجاري واضح . 

لا تقتصر هذه الاستراتيجية على نطاق ابتزاز الأفراد. إنها تمتد إلى بناء تحالفات استراتيجية مع نافذين في مراكز القرار. العلاقة الوطيدة بين إسرائيل وبعض أعضاء الكونغرس الأمريكي، على سبيل المثال، ليست مجرد نتيجة للوبي الصهيوني التقليدي. جزء منها مبني على علاقات شخصية، ودعم انتخابي، واستثمارات مشتركة، وأحياناً على روابط قد تكون أكثر عُمقاً وأقل علانية. عندما يصبح المشرع أو الصحفي المؤثر مرتبطاً بمصالح مالية أو شخصية بإسرائيل، يتحول دفاعه عن سياستها من موقف أيديولوجي إلى حاجة وجودية لحماية ذاته ومكانته.

في عالم المال، تمتلك إسرائيل، من خلال رجال أعمالها والمستثمرين المقربين منها، نفوذاً هائلاً في قطاعات التكنولوجيا الفائقة، والأمن السيبراني، والصناعات العسكرية. هذه القطاعات هي شرايين الاقتصاد الحديث. الشركات الإسرائيلية الناشئة التي تطور تقنيات مراقبة واختراق، مثل "إن إس أو" المتورطة في فضيحة بيغاسوس، تُباع لحكومات حول العالم، مما يمنح إسرائيل ليس فقط ثروة، بل وإمكانية الوصول إلى بيانات ومقدرات مراقبة هائلة. وهذا النفوذ التكنولوجي المالي هو بوابة أخرى للتحكم، حيث يصبح الاعتماد على التقنية الإسرائيلية جزءاً من البنية التحتية الأمنية للدول، مما يخلق تبعية يصعب الفكاك منها.

أما على مستوى الإعلام والتأثير الثقافي، فإن السيطرة ليست مباشرة، بل هي سياقية. من خلال التحالفات مع كبار المالكين للإمبراطوريات الإعلامية العالمية، ومن خلال وجود مؤثرين ورجال رأي في منصات التواصل الاجتماعي، يتم صياغة الرواية السائدة. تصبح قضايا معينة، مثل التهديد الإيراني أو "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، مسلمات في الخطاب العام، بينما تُقمع أو تُهمش الروايات البديلة. هذا التحكم في السرد هو شكل من أشكال التحكم في العقل الجمعي، وتوجيه الرأي العام العالمي نحو مسارات تخدم أهدافاً سياسية محددة.

بالتالي، فإن مشروع "التحكم في مصير العالم" لا يتجلى في غرفة عمليات مركزية توجه الأحداث كالمحرك الخفي للتاريخ. إنه أشبه بنسيج عنكبوتي معقد، مكون من خيوط متعددة: خيط الابتزاز والمعلومات القذرة (كما في حالة إبستين)، وخيط المصالح المالية والتكنولوجية المشبكة، وخيط التأثير الإعلامي والسياسي المباشر وغير المباشر، وخيط القوة العسكرية والأمنية غير المتناظرة. تعمل هذه الخيوط معاً، أحياناً بتناغم وأحياناً بتعارض، لخلق بيئة عالمية تكون فيها التكلفة السياسية أو الشخصية لأي تحدي للمصالح الإسرائيلية العليا باهظة جداً، ليس فقط لخصومها، بل وحتى لحلفائها المقربين.

ختاماً، قصة إبستين ليست سوى فصّ صغير في كتاب ضخم مظلم وهي ليست دليلاً قاطعاً على نظرية مؤامرة شاملة، بقدر ماهي عرض مكشوف وحاد لآلية عمل قد تكون منتشرة بأشكال أقل وضوحاً.

فقدرة "إسرائيل" على التمدد في فضاءات النفوذ العالمية هي نتاج عقلية بقاء متطورة، تحولت إلى إستراتيجية هجومية في مجال العلاقات الدولية وهي بالتالي تعتمد على فهم أن القوة في القرن الحادي والعشرين تكمن في البيانات، والصور، والأسرار، والتبعيات الاقتصادية، وفي نقاط ضعف النخب البشرية التي تحكم العالم.