يناير 31, 2026 - 19:21
تقزم وفشل مشروع (نيوم) بعد مضي أكثر من 8 سنين من الترويج الدعائي المحموم

عرب جورنال _ عبد السلام التويتي

منذ إقحام الأمير الغرِّ «محمد بن سلمان» في منصب ولاية عهد مملكة «آل سعود» ومنحه من قِبَل والده الطاعن في السن صلاحيات بلا حدود سعى جاهدًا للخروج عن المألوف من خلال تبني أفكار نرجسية غير واقعية تعبر عن شخصيته المغرورة التي يصفها مادحوه بـ«الألمعية»، فقد أعلن عام 2017 عن مشروع العصر المسمى مشروع «نيوم» الذي أريد له -وفق رؤية تصميمية «هوليوودية» خيالية- أن يشتمل على عدة مشاريع تتعارض تصاميمها الإنشائية مع القوانين الفيزيائية فضلًا عن عجز اقتصاد المملكة عن تحمل كلفة إنشائها المالية، الأمر الذي جعل الأمير يعلن -بعد خسارة خزينة مملكة الضرار {على مدى 8 أعوام من الترويج والإشهار} أكثر من 100 مليار دولار- عن تقليص «مشروع العصر» أو «مشروع كل العصور» إلى عدد محدود من القصور الخاصة بالأمراء الفاحشي الثراء.

حصول تعثر بخلاف الوعود المشوبة بالتفاخر

حدث تعيين «محمد بن سلمان» وليًا لعهد مملكة «آل سعود» تضمن تجاوزًا فجًّا للتقليد الملكي المعهود، وفي سبيل صرف الأنظار عن ذلك التعيين «النشاز» ابتكر مستشارو البلاط فكرة تبني الأمير مشروع أشبه ما يكون بالإعجاز، فبادر الأمير السفيه إلى تبنيه وأصدر توجيهاته بمباشرة العمل فيه، فوجد المكلفون بالإشراف على إقامته -بالرغم من تأكدهم المسبق من استحالة تنفيذه- فرصة ذهبية للتربح من مراحل الإنشاء التأسيسية، ليعلنوا بعد أعوام من العمل غير المجدي عن عجزهم عن الاستمرار في مواجهة التحدي غير الندي، لتظهر بعد ثلاثة أعوام أو أقل أو أكثر نذر تعثر سافر أشير إليه في مستهل تقرير جريدة «القدس العربي» الإخباري التحليلي المعنون [الجزيرة” تبث صورًا تُظهر تعثر مشروع نيوم في السعودية”] الذي نشرته في الـ6 من مايو 2020 الاستهلال التالي: (بثت قناة الجزيرة صورًا حصلت عليها بواسطة أقمار اصطناعية لمشروع نيوم السعودي تظهر تعثر عمليات إنشاءات المدن الجديدة وفق المخطط الزمني الذي أعلن عنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عام 2017. وتكشف الصور أنَّ كل ما أنجز في مشروع نيوم هو قصور ملكية ضخمة.

وكان الأمير محمد بن سلمان قد وعد عند الإعلان عن المشروع بأنَّ أول مدينة في نيوم ستكون جاهزة بحلول 2020 فضلًا عن بناء 12 مدينة خلال 5 سنوات، لكن الصور الفضائية التي بثتها “الجزيرة” تكشف خلاف ذلك.

وتؤكد الصور الفضائية أنَّ المشروع الذي رصدت له مبالغ مالية فلكية يسير بخطى متعثرة عدا ما يخص القصور الملكية).

احتياطي سعودي نقدي دون مستوى التحدي

ما من شك أنَّ المديرين التنفيذيين الذين ما يزال بعضهم إلى اليوم يدير العمل في مشروع «نيوم» وشركة الاستشارات "ماكينزي آند كو" يدركون -منذ اليوم الأول- ما يتربص بالمشروع -بسبب ضخامة كلفته التي تعجز عن الاضطلاع بها عدة دول- من فشل،  لكنهم وضعوا مصالحهم الشخصية في المقام الأول، الأمر الذي جعل المملكة تكتشف متأخرة أنَّ ما تمتلكه من احتياطي نقدي دون مستوى التحدي، وذلك ما يُفهم من اختتام تقرير جريدة «القدس العربي» بما يلي: (وتظهر الصور فرقًا بين التصريحات والوعود، وبين ما هو على أرض الواقع، فنيوم أحد أهم مشاريع ولي العهد قد لا يرى النور وفق المخطط الزمني المرسوم له مع التراجع غير المسبوق للاحتياطي النقدي السعودي والأزمة المالية الراهنة الآخذة بالتصاعد والتي تدق ناقوس الخطر وتدعو المواطن السعودي للتقشف والاستعداد لما هو أسوأ).

ولأنَّ واضعي فكرة المشروع كانوا يعولون في تمويل مراحل إنشائه التي خطط لها ان تمتد لعشرات السنين على ما يضخه كبار المستثمرين المحليين والإقليميين والدوليين، فقد وصل بهم عدم إقبال المستثمرين على الاستثمار في مشروع غير مضمون المردود إلى طريق مسدود، الأمر الذي حمل المدير التنفيذي -في أواخر عام 2025- على التعبير عن يأسه المفعم بالقنوع من إمكانية تنفيذ أهم جزئية في المشروع، وذلك ما أشير إليه بوضوحٍ جلي في سياق تقرير «عربي21» التساؤلي التفصيلي المعنون [كيف انهار حلم مشروع "نيوم" السعودي في نهاية المطاف؟] الذي نشره في الـ7 من نوفمبر 2025 بالتالي: (وكان كبار التنفيذيين يطالبون دائمًا بالمزيد من الأموال، لكن “ذا لاين” كان يتنافس مع مشاريع نيوم الأخرى. وقد استثمرت بعض العائلات السعودية الثرية مبالغ متواضعة، فيما لم تتحقق الاستثمارات الكبرى التي كانت الرياض تأمل جذبها من المستثمرين الأجانب، وعند هذه النقطة، قال المدير التنفيذي: «لقد اقتنع الفريق بأنَّ “ذا لاين” لن يُبنى أبدًا»).

تحول المشروع من التضخم إلى التقزم

لأنَّ فكرة المشروع والشروع فيه كان هدفهما في الأول والأخير الترويج للأمير وتبرير تعيينه -دون سابق إنذار- في منصب رسمي كبير، فقد أحيط بهالة من التضخيم البالغ حدَّ الإبهار الأشد لفتًا للأنظار الذي لم يلبث أن تحول -بعد تكشف خيبة الأمل- إلى حالة من التقزم التي يمكن ان تُفهم من احتواء تقرير الصحفي «سالم حنفي» المختصر المعنون [تعثر مشروع نيوم في السعودية يقلص طموحات ولي العهد لتنويع الاقتصاد]

الذي نشره موقع «وطن أونلاين» في الـ6 من أبريل 2024 على ما يلي: (ففي السابق، كانت السلطات السعودية تخطط لأن يعيش نحو 1.5 مليون شخص بحلول عام 2030 في “ذا لاين”، المدينة المستقبلية التي تبلغ كُلفتها نحو 500 مليار دولار وتشمل ناطحات سحاب متوازية مغطاة بالمرايا تمتد على مسافة 170 كيلومترًا بين التضاريس الجبلية والصحراوية،

لكن حاليًّا، يتوقع المسؤولون السعوديون أن يستوعب المشروع أقل من 300 ألف ساكن بحلول ذات التأريخ.

وأكدت المصادر أنَّ المسؤولين يتوقعون الانتهاء من بناء 2.4 كيلومترًا فقط من المشروع بحلول عام 2030).

كما يمكن استنباط هذا المعنى من انطواء تقرير «عربي21» السالف ذكره على ما يلي: (أشارت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية -في تقرير استقصائي لها- إلى أنه على الرغم من إنفاق 50 مليار دولار حتى الآن على المشروع، لم ينجز سوى الأعمال التمهيدية من حفر وأساسات، في حين جرى تقليص عدد وحدات" مدينة "ذا لاين" من عشرين إلى ثلاث فقط.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ عدد وحدات “ذا لاين” تقلص من 20 إلى 12، ثم إلى سبع وحدات، فإلى أربع، وفي نهاية 2023 أصبح العدد ثلاث وحدات فقط. وقال المدير التنفيذي للبناء: “عندما انخفض العدد إلى ثلاثة، أصبحت تلك الـ6,000 ركيزة بلا فائدة، على الأقل في الوقت الحالي. كان ذلك نتيجة كلاسيكية لمحاولة الركض قبل أن تتعلم المشي”).

تلاعب محاسبي من المدراء بهدف الثراء

من الحقائق المريرة أنَّ فوائض أموال أنظمة العرب تذهب -في الأغلب- إلى بعض من يجيدون فن التلاعب ويتقنون إغراء المسؤولين المهووسين بالإطراء، ووفق هذا المنطق فقد كان مشروع «نيوم» مجرد بؤرة فساد مالي استغلها المديرون التنفيذيون المعينون من قبل «محمد بن سلمان» لإدارته لجني الكثير من الفوائض المالية على ذمة الخوض في إنشاء مشاريع خيالية، وقد أشير إلى براعة أولئك المدراء في التلاعب المحاسبي لتحقيق ما يطمحون إليه من ثراء في سياق تقرير «آدم يوسف» التفصيلي المعنون [أخطاء بمشروع نيوم السعودي زادت تكاليفه وقلصت استثماراته] الذي نشره «العربي الجديد» في الـ12 من مارس الماضي على النحو التالي: (كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية -في الـ9 من مارس الجاري عن "تقرير داخلي" عبارة عن ملف تدقيق، حول مشروع نيوم أشار إلى "مشاكل واجهها المشروع"، تمثلت في وضع المديرين التنفيذيين -بمساعدة الشركة الاستشارية للمشروع «ماكينزي آند كو»- "افتراضات خيالية غير واقعية في خطة عمل نيوم، لتبرير التكلفة الباهظة".

وأكد التقرير الداخلي أنَّ مسودة عرض تقديمي لمجلس إدارة المشروع من الصيف الماضي، قرت النفقات الرأسمالية المطلوبة لبناء نيوم حتى "المرحلة النهائية" بحلول عام 2080 بمبلغ 8.8 تريليون دولار، أي أكثر من 25 ضعف الميزانية السعودية السنوية، و370 مليار دولار للمرحلة الأولى بحلول عام 2035.

وأشار إلى تحايل على الأرقام، وتوقعات غير مدروسة، حيث جاء في شهادات موظفين سابقين في ملف تدقيق داخلي يتكون من أكثر من 100 صفحة تم تقديمه إلى أعضاء مجلس إدارة نيوم قبل حوالي سنة، إنَّ معدي المشروع من السعوديين والأميركيين "جعلوا الأرقام تنجح على الورق بقولهم إنَّ تكلفة «ذا لاين» أقل من ناطحات السحاب الطويلة في الرياض.

ووجدت المراجعة لهذه الأرقام "أدلة على التلاعب المتعمد" بأمور مالية "بواسطة أعضاء بالإدارة"، وفق الصحيفة الأميركية. حيث كان هدف المديرين التنفيذيين من إخفاء "التكاليف المتزايدة" للمشروع هي زيادة أرباحهم من إظهار أنَّ المشروع مربح بصورة كبيرة).