عرب جورنال _ توفيق سلاَّم
ليست أخطر الأزمات الوطنية تلك التي تنشأ عن اختلاف سياسي مشروع، بل تلك التي تُبنى على نزع الهوية عن الذاكرة، وإعادة تركيب الجغرافيا خارج سياقها التاريخي والقانوني. فحين يُطالَب التاريخ بأن يتنكر لمساره، وتُستدعى الخرائط لتؤدي وظيفة سياسية آنية، ويُطلب من شعب أن يتخلى عن هويته الجامعة بوصفها عبئًا لا حقًا، نكون أمام مشروع لا يسعى إلى إصلاح الدولة، بل إلى تفكيك معناها، وإلغاء الأساس الذي قامت عليه بوصفها كيانًا تاريخيًا وسياديًا متصلًا.
تفكيك الهوية
الانفصال، في منطق القانون الدولي، ليس فعلًا بسيطًا ولا إجراءً إراديًا يُتخذ بشعارات عاطفية أو أوهام سياسية، بل هو من أعقد التحولات السيادية التي عرفها التاريخ الحديث، وغالبًا ما يكون أصعب بكثير من فعل الاتحاد نفسه. فالدولة، حين تتشكل، لا تقوم على الرغبة وحدها، بل على منظومة قانونية متكاملة تشمل الشعب، والإقليم، والسيادة، والاعتراف الدولي، وهو ما يجعل تفكيكها مسألة استثنائية تخضع لشروط صارمة لا مجال فيها للاجتهاد السياسي أو المزايدة الخطابية. فالقانون، بوصفه التعبير المؤسسي عن العقد الاجتماعي، هو الإطار الذي ينظم الاختلاف ويديره ويفصل في النزاعات والقفز عليه باسم الشعارات العمياء يعني عمليًا أن الذين يزايدون بالشعارات من الأفراد أو الجماعات يرون أنفسهم أوصياء على الوطن والمواطن، يمنحون ويمنعون صكوك الانتماء، ويسحبون هذا الدور من مؤسسات الدولة.
وفي ظل هذا المنطق يجري التحريض بصورة واسعة بنزق سياسي لتنفيذ أجندة خارجية.
وفق ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات الجمعية العامة، لا سيما القرار 1514 والقرار 2625، فإن حق تقرير المصير لا يُفهم بوصفه ترخيصًا مفتوحًا للانفصال، بل يُقصد به أساسًا إنهاء الاستعمار أو مقاومة الاحتلال الأجنبي، أو مواجهة حرمان جسيم وممنهج من الحقوق يرقى إلى إنكار الوجود السياسي للشعب داخل الدولة الواحدة. أما النزاعات الداخلية، أو الخلافات السياسية بين مكونات الدولة، فلا تُعد في القانون الدولي سببًا مشروعًا لتفكيك الكيانات السيادية القائمة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث عن انفصال في الحالة اليمنية يصطدم مباشرة بجدار قانوني صلب. فالاستفتاء، الذي يُروج له بوصفه الطريق الأسهل، ليس إجراءً شكليًا ولا محليًا، بل يفترض– قانونًا – استفتاء عامًا يشمل كامل الشعب اليمني شمالًا وجنوبًا، يسبقه تعداد سكاني شامل، ويُجرى في ظل دولة ذات سيادة كاملة، وهو شرط التحقق، ربما يستحيل تنفيذه مع انهيار مؤسسات الدولة، وغياب الإرادة الوطنية الجامعة.
إضافة إلى ذلك، فإن الانفصال – إن افترضنا جدلًا إمكانه – لا يكون إلا عبر اتفاق سياسي صريح بين طرفين متكافئين، وليس مع طرف واحد، وهو ما لا يتوفر في الحالة اليمنية. ولم يعد لأي طرف حق قانوني أحادي في "فك الارتباط".
وتبرز هنا إشكاليات قانونية أكثر تعقيدًا، تتعلق بالحدود، والديون، والعملة، والموارد، والسيادة. فالحدود الشطرية التي يُستند إليها في الخطاب الانفصالي ليست حدودًا دولية معترفًا بها، بل خطوط إدارية رسمتها التفاهمات البريطانية – العثمانية عام 1914، ولم تُصادق عليها الأمم المتحدة، ورفضت المملكة المتوكلية اليمنية الاعتراف بها، ونتيجة لذلك شنت السعودية بدعم بريطاني حربها على اليمن، وانتهت الحرب باتفاقية الطائف 1934 من بين موادها اتفاقية الحدود بين المملكة السعودية والمملكة المتوكلية، ثم أُعيد ترسيم الحدود مع السعودية في اتفاقية جدة 2000، ومع سلطنة عُمان
في 1992 جرى توقيعها في صنعاء، ثم استُكملت إجراءات التصديق عليها من الطرفين، ودخلت حيّز التنفيذ في عام 1993.
الاتفاقيتان وقعتهما الجمهورية اليمنية. بمعنى ليس هناك أي اتفاقيات حدودية سابقة باسم أي كيان جنوبي سابق، عدا سلطة نفوذ الاستعمار البريطاني غير القانوني، ما يُسقط أي ادعاء قانوني بوجود حدود سيادية لدولة جنوبية لم يرسم حدودها قبل الوحدة اليمنية 1990.
الأخطر من ذلك، أن دعاة الانفصال لا يطالبون باستعادة دولة كانت قائمة قانونيًا ومعترفًا بها، بل يرفعون شعار "دولة الجنوب العربي"، وهو مسمى لم يوجد يومًا ككيان سياسي سيادي في الجغرافيا اليمنية، لا تاريخيًا ولا قانونيًا. وهذا يضع المشروع الانفصالي في مأزق قانوني مزدوج فلا هو يستند إلى دولة قائمة، ولا إلى هوية وطنية معترف بها، ولا إلى حق تقرير مصير بالمعنى القانوني المعتمد دوليًا.
وهذا يعني أن إلغاء الهوية اليمنية، أو استبدالها بهوية مصطنعة، لا يُعد مجرد خطأ سياسي، بل يرقى إلى جريمة أخلاقية وثقافية وحضارية بحق شعب له تاريخ موغل في القدم، ونضال ممتد، وارتباط عضوي بالجغرافيا والتاريخ والثقافة. فالهوية الوطنية، ليست هوية متحركة في القانون الدولي، وليست شعارًا عابرًا، بل عنصرًا من عناصر الوجود الإنساني الجمعي، ومحوها يعني محو الذاكرة والشرعية التاريخية للشعب نفسه.
وتزداد الإشكالية تعقيدًا حين لا يميز خطاب دعاة الانفصال بين الدولة والنظام السياسي. فإذا كان الخلاف مع نظام همش الجنوب وارتكب مظالم جسيمة، فإن ذلك خلاف مشروع سياسي وأخلاقي، لأن الأنظمة زائلة ومتغيرة. أما الدولة، بوصفها كيانًا جامعًا (شعب، أرض، سيادة)، فهي ثابتة، والطعن فيها يعني الطعن في الوجود الوطني ذاته، لا في سلطة عابرة.
من هنا، فإن المطالبة بالانفصال، في السياق اليمني، ليست فقط مطلبًا غير قابل للتحقق قانونيًا، بل مشروعًا خطيرًا أخلاقيًا، لأنه يفتح الباب أمام تفكيك دولة منهكة أصلًا، ويخدم – موضوعيًا – مشاريع صغيرة مرتبطة بالخارج، تسعى لإعادة إنتاج سياسات استعمارية قديمة بثياب محلية، وعلى حساب وحدة المجتمع ومستقبله.
الواقع أن هذا المطلب مرفوض إقليميًا ودوليًا، ولا يحظى بأي سند قانوني أو سياسي معتبر. والطريق العقلاني الوحيد يتمثل في العودة إلى جوهر القضية الجنوبية بوصفها قضية عدالة ومواطنة متساوية داخل الدولة اليمنية الواحدة، والسعي إلى تفعيل الدولة على أسس اتحادية عادلة، بأقاليم شمالية وجنوبية، بدل الإقلاع خارج الخرائط، والسباحة في فراغ الوهم السياسي.
وعليه، فإن المساس بالهوية الوطنية- سواء بإلغائها أو استبدالها أو تفكيكها- لا يُعد خلافًا سياسيًا مشروعًا، بل اعتداء على حق تاريخي وجماعي، لأن الهوية ليست ملكًا لجيل أو تيار، بل وديعة شعب بأكمله، تمتد من الماضي إلى المستقبل.
كيان خارج التاريخ
المسمى المتداول تحت لافتة "الجنوب العربي" لا يعبّر عن قضية سياسية قائمة بذاتها، ولا عن هوية متجذرة في الذاكرة الاجتماعية، بل عن محاولة لإنتاج كيان خارج منطق التاريخ اليمني، ومقطوع الصلة بالسياق الحضاري والجغرافي للدولة. فهو ليس نتاجًا لتطور اجتماعي أو ثقافي أو سياسي داخلي، بل استدعاء لمصطلح صاغته الإدارة الاستعمارية البريطانية بوظيفة محددة، نزع اليمن عن ذاته، وفصل جنوبه عن امتداده الطبيعي، لا لبناء دولة وطنية، بل لإدارة النفوذ وتجزئة المجال الجغرافي.
الخطر هنا لا يكمن في نزعة سياسية يمكن مناقشتها أو تفنيدها، بل في مشروع يُقلع خارج خرائط التاريخ، ويتنكر لقوانين الجغرافيا، ثم يبحث عن دولة في فراغ الخيال السياسي. فهذا المسار لا يمثل اجتهادًا وطنيًا، بل إعادة تدوير واعية لأدبيات استعمارية، تقوم على تفكيك الهوية اليمنية، وتحويل الجنوب اليمني من فضاء وطني إلى كانتونات سياسية ومربعات نفوذ وثروات قابلة للمقايضة.
من هذا المنظور، لم يرتكب دعاة الانفصال خطأً سياسيًا عابرًا، بل تورطوا في جناية أخلاقية قانونية وسياسية وفكرية وثقافية وحضارية، حين تعاملوا مع اليمن لا بوصفه وطنًا وهوية وسيادة متراكمة، بل كملكية قابلة للقسمة، أو كجغرافيا سائبة يمكن إعادة تسميتها وفق إرادات خارجية أو لحظية.
قانونيًا، لا يقوم أي مشروع انفصالي على شرعية تلقائية لمجرد رفعه شعار "تقرير المصير"، وهذا يتعارض مع القانون الدولي. واليمن بوصفه دولة معترفًا بها دوليًا بحدود وسيادة وهوية واحدة، لا تنطبق عليه هذه الشروط، ما يجعل أي مشروع لتفكيكه خرقًا لمبدأ وحدة الدولة وسيادتها، المنصوص عليه صراحة في ميثاق الأمم المتحدة.
الأخطر من ذلك أن السعي إلى محو الهوية اليمنية لا يندرج ضمن أي نقاش سياسي مشروع، بل يمثل اعتداءً صريحًا على حق شعب كامل في الوجود التاريخي والحضاري. فقد أخفق دعاة الانفصال- عن جهل أو عن قصد- في التمييز بين النظام السياسي بوصفه صيغة حكم قابلة للنقد والتغيير، والدولة بوصفها كيانًا جامعًا وهوية سيادية لا تُفكك. وحين عجزوا عن خوض معركة سياسية ضد أنظمة فاشلة، نقلوا الصراع من نقد السلطة إلى استهداف الوطن ذاته، في اسمه وجغرافيته وتاريخه.
لقد كانت مظلومية الجنوب، وما تعرض له أبناؤه من تهميش وإقصاء، نتاج سياسات وأنظمة بعينها، لا نتاج الدولة اليمنية في معناها التاريخي. غير أن الخلط المتعمد بين الدولة والنظام فرغ هذه المظلومية من مضمونها الوطني، وأضاعها في متاهة مسمى استعماري ميت، أُعيد بعثه ليؤدي وظيفة قديمة لتفكيك اليمن، لا إنصاف أبنائه.
وليس من قبيل المصادفة أن هذا المشروع لم يحظ، تاريخيًا، بإجماع جنوبي، بل قوبل منذ نشأته برفض واسع، شعبيًا وحزبيًا، وأسقطته مناطق المحميات الشرقية حين رفضت الالتحاق به، إدراكًا لطبيعته التفكيكية. فكيف يُعاد اليوم إحياء ما أسقطه اليمنيون بالأمس؟
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: بأي حق تُمنَح جماعات أو أفراد، مهما بلغت خصومتهم مع النظام، سلطة العبث بالهوية اليمنية، أو التعامل مع الجغرافيا كأنها ملكية خاصة تُعاد هندستها وفق نزوة سياسة؟ ومن أين استُمد الادعاء بوجود دولة اسمها "الجنوب العربي" إن لم تكن ضمن سياق استعماري، وبدون أساس تاريخي أو قانوني أو شعبي جامع؟
لقد سعى الاستعمار البريطاني إلى ما هو أبعد من التقسيم الإداري المؤقت، إلى اقتلاع الهوية اليمنية من جذورها، وفصل الجنوب عن تاريخه الطبيعي. وقد أسقط الشعب اليمني هذا المشروع، ودفع ثمن ذلك تضحيات جسيمة. وإعادة إحيائه اليوم لا تمثل تصحيحًا لمسار، بل انقلابًا على إرادة شعب، وتحديًا مباشرًا لذاكرته الوطنية.
الانفصال، في سياق إقليمي ودولي مضطرب، لا يعني استعادة دولة ولا تحقيق عدالة، بل فتح الباب أمام عزلة جيوسياسية، واستنزاف اقتصادي، وارتهان لمشاريع خارجية لا ترى في الكيانات الصغيرة سوى ساحات نفوذ لمشاريعها. وفي زمن التكتلات الكبرى، لا تعيش الدول المفككة طويلًا، بينما تبقى الدول المتماسكة، مهما كانت أزماتها، قادرة على الإصلاح والبقاء.