عرب جورنال _ خالد الأشموري
في وقت تتزايد فيه التقارير عن خطط أمريكية - صهيونية لاستهداف إيران من دون تحديد توقيت وأضح - تؤكد طهران رسمياً أنها في يقظة عالية من الجهوزية للدفاع عن نفسها' وأنها ستتعامل بحزم مع أي عدوان يطال سيادة أراضيها ومنشآتها.
فالقيادات الإيرانية بمختلف مراتبها الدينية والعسكرية والسياسية' وعلى مستوى القوى الوطنية بأطيافها المختلفة تتضامن مع القائد الأعلى في إيران الأمام السيد علي خامنئي ' ومع إيران الأرض والانسان .. الجميع حَذر من مغبة أي تصعيد أمريكي محتمل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأن أي خطوة عدوانية ستفتح الباب أمام عواقب خطيرة وغير قابلة للاحتواء على مستوى المنطقة .. فالموقف الشعبي الإيراني في حال أقدمت أمريكا على حماقة جديده إستناداً إلى حسابات خاطئة لرئيسها المجرم دونالد ترامب فإن عليها أن تدرك مسبقاً كلفة هذا الخيار والذي سيقابل برد رادع يتناسب مع حجم التهديد .
ولا غرابة - إذا ما سمعنا معظم وسائل الإعلام وهي تتحدث عن سقوط الجمهورية الإسلامية الإيرانية على يد الولايات المتحدة بقيادة ترامب .. وفي موازاة ذلك نرى العديد من المؤسسات الإعلامية ومراكز البحوث والدراسات وقوى سياسية عربية وإقليمية ومن الكُتاب والمحللين وهم يتحدثون عن إستعداد إيران لأي هجوم أمريكي - إسرائيلي محدوداً كان أم شاملاً على إيران ' سيعامل على أنه حرب شاملة ويتلقى رداً قاسياً .وكما وعد قادة و مسؤولو إيران. محذرين من خطورة أي حماقة قد تقدم عليها الولايات المتحدة بحق القيادة الإيرانية وبحق شعب وسيادة إيران ' معتبرين أن مثل هذا الفعل سيفتح أبواب مواجهة وأسعة تتجاوز حدود الجغرافيا. وعلى أمريكا التي حاولت منذ العام 1979 اخضاع إيران سواء عبر الحروب المباشرة أو الحصار والعقوبات أو الحروب بالوكالة' عليها أن تتوقف. وقد فشلت في كسر إرادة الشعب الإيراني والدليل صمود إيران في المواجهات الأخيره' حيث أثبتت إيران أنها عصية على الاخضاع وأن القيادة الإيرانية قادرة على إفشال مشاريع أمريكا وحلفائها.
وفي أجواء " هذا السياق. تحركات الولايات المتحدة باساطيلها نحو الشرق الأوسط" كمقدمات حرب" بإسخدام القوة ضد إيران بهدف استهداف هوية إيران ودورها الإقليمي. وموقف إيران من التحركات العسكرية الأمريكية في سياقه الأوسع من خلال الحشد الدفاعي الإيراني الذي يجب أن يُقرأ بإنة ليس رد فعل على تحركات عسكرية أمريكية فحسب ' بل هو جهد إستباقي لدفع الضرر المحتمل أو منع الضربة أساساً من خلال رفع سقف الثمن الذي سيدفعة المعتدي ' مما يجعل المقارنة الكلاسيكية بين الكلمة والعائد غير مجدية في حسابات وأشنطن" بحسب الكاتب والمحلل السياسي - فهد شاكر - الذي أشار أيضاً إلى أن الاستعداد الإيراني من الناحية العسكرية البحتة يعمل على إفشال الجدوى الاستراتيجية للحشد الأمريكي غير المسبوق في المنطقة والذي يشمل حاملة الطائرات " أبرهام لنكولن" وأسراب مقاتلات إف15.. فالقوة العسكرية مهما بلغت تبقى أداة لا معنى لها دون تحقيق غاية سياسية محددة' والغموض الذي يلف الهدف النهائي للحشد الأمريكي سواء كان تغيير النظام أو تقييد البرنامج النووي يجعل من هذا الاستعراض الضخم للقوة عنصر إرباك استراتيجي بحد ذاته.
و هنا تبرز حكمة الاستعداد الإيراني فهو يحول هذا الحشد من أداة ضغط فاعلة إلى عبء استراتيجي على وأشنطن.
وما يجدر ذكرة أن القدرات الإيرانية في التأثير على أمن الممرات البحرية مثل مضيق هرمز ونفوذها عبر محور المقاومة الذي يمد خيارات الرد بإمتداد إقليمي تعني أن أي مواجهة ستتجاوز الإطار الثنائي المباشر لتشعل منطقة بأكملها وهو سيناريو تتحاشاه وأشنطن وحلفاؤها الإقليميون كما تشير التقارير .
وما يجب أن يشار أليه بحسب فهد شاكر : إن التأكيد الإيراني المتكرر على أن وضع البلاد " أفضل بكثير" مما كان عليه خلال حروب سابقة' وأن عنصر المفاجأة لم يعد موجوداً يهدف إلى كسر أي وهم لدى الخصم بإمكانية تحقيق نصر سريع أو حاسم .
وهذا الموقف المتصلب سياسياً الممزوج باستعداد عسكري معلن يحّول دون تحقيق الهدف السياسي الأمريكي المتمثل في فرض إرادتة أو إجبار إيران على الرضوخ وبالتالي يسلب الحشد العسكري الضخم أي مبرر أو جدوى من المنظور السياسي الذي سعى من أجله.
ولذلك فإن الاستعداد الشامل الذي تظهره إيران هو أكثر من مجرد ترتيبات دفاعية ' إنه مشروع إستراتيجي متكامل يهدف إلى قلب معادلة الردع لصالحها" . فمن خلال تحويل أي هجوم محتمل إلى حرب شاملة تكلفتها باهظة وغير محدودة العواقب . تنجح طهران في تعطيل الجدوى الأساسية لأي حشد معادي منذ البداية' وهذا النجاح في إفشال الجدوى هو في حد ذاته انتصار استراتيجي يحفظ السلام ويحمي السيادة".
إذاً هي معركة وجود فاليوم يوم الاختبار الصعب واتخاذ القرار المصيري لكل حر .. وهذا مايراه بالفعل الإعلامي والمحلل السياسي اليمني - مجاهد الصريمي - بقوله : اليوم يوم تمايز الصفوف أكثر فأكثر فإما مع إيران الثورة والدين والموقف والقضية أو مع أمريكا الطغيان والجريمة والإحتلال والاستعباد والاستباحة للأرض والانسان .. فالحرب على إيران هي : حرب على الحرية والسيادة والاستقلال وهدفها الأول والأخير هو : استئصال كل غراس الجهاد والمقاومة من الجذور على امتداد المنطقة والإقليم . إيران آخر قلاع الكرامة والشرف والحق ' وإذا سقطت سقط جمبع الأحرار والشرفاء في عالمنا. فالجميع مستهدف لأنه لو لا سمح الله جرت الأمور كما يرغب العدو فستبدا حمامات الدم ' وسيترحم الجميع عندها على كل مجازر التاريخ ' وسيكون ما حصل في البوسنة من مذابح واستئصال واغتصاب للمئات من النساء بتواطؤ وبرعاية أوروبية..وعلينا أن نعي وندرك أن صراع أمريكا مع إيران هو صراع وجود وأن الحرب قائمة بينهما منذ 47 عاما.. فأمريكا هي العدو الأول لإيران وما الكيان الصهيوني إلا غدة سرطانية تنشط لتفيذ سياسات الشيطان الأكبر . وهنا يتجلى الفرق الجوهري وهو : أن إيران بخلاف ما يعتقد كثيرون لم تبن ذاكرتها الاستراتيجية على مواجهة إسرائيل ' بل على مواجهة الولايات المتحدة. إسرا ئيل كانت دائما طرفاً محدود الأدوات ومحدود الجغرافيا في الحسابات الكبرى. أما أمريكا فكانت الخصم الذي صيغت على أساسة العقيدة السياسية والعسكرية والأمنية الإيرانية منذ ما بعد الثورة. لهذا السبب يؤكد الكاتب الصريمي إن الحديث عن حرب محتملة مع أمريكا لا يمكن اختزاله في تبادل صواريخ أو ضربات جوية أو هجمات بطائرات مسيرة' لأن الصدام مع أمريكا ليس معركة سلاح فقط' بل معركة منظومات كاملة' منظومات تشمل الاقتصاد والأمن والمعلومات والطاقة والبحر والزمن والإرادة السياسية وهو ما يجعل أي مقارنة بين نمط المواجهة مع إسرائيل ونمط المواجهة مع أمريكا مقارنة مضللة من الأساس.
وفي السياق ذاته كتب موفق محادين - كاتب ومحلل سياسي أردني في صحيفة " لا " صنعاء -اليمن في 26/يناير/2026 مقال بعنوان : هل يعتدون على إيران ?
قال فيه: شنّ عدوان واسع على إيران ليس بالأمر الهّين من حيث تداعياته وآفاقة , وبينها تداعيات غير متوقعة قد تقلب الوضع كله رأساً على عقب.
على الأغلب في ضوء تجربة العدوان الأمريكي السابق على إيران ' فاحتمالات العدوان هذه المرة ستكون مختلفة من حيث أدواتها وأهدافها وتداعياتها واتساع نطاقها ' ومن حيث الردّ الإيراني (التاريخي) على مستوى الإقليم برمّته.
بالنسبة للعدوان المحتمل' فلا يأتي هذه المرة في إطار صعود تاريخي للإمبريالية وحسابات استراتيجية من هذا النمط كما في مرحلة مونرو ' و أيزنهاور وحتى ريغان ' بل في سياق أزمة بنيوية سبق أن عاينها مبكراً مفكران كبيران من مفكري هذه الإمبريالية : بريجينسكي انطلاقاً من تداعيات الثورة المعلوماتية والعولمة ' وبول كينيدي انطلاقاً من وهم القوة البحرية في عالم بري ..
وفي إستراتيجية العدوان الأمريكية - الصهيونية ضد إيران ' فإن شبح العدوان المباشر يلوح في الآفاق متسلّحاً باستخدام وحشي واسع للتكنولوجيا ومترافقاً مع خلق بيئة طائفية على مستوى الإقليم برمّته ' وهو السيناريو الذي يستند إلى توظيف مركّب " للجولانيّين "في سوريا وإلى "الدواعش" في العراق بعد تهريبهم من السجون التي كانوا محتجزين فيها شمال شرق سوريا.
ومن التداعيات الخطرة للسيناريو المذكور أنه لا يقتصر على استهداف إيران وحدها' بل يضع المنطقة كلّها في صورة حرب طائفية مدمّرة وفق استراتيجية حدود الدم الطائفية والجهوية التى وضعها الجنرال الأمريكي ' رالف بيترز ' .
وبقدر ماسيصيب إيران من أذى كبير على صعيد البنية الفوقية والتحتية ' بقدر ما سيصيب المصالح والقواعد الأمريكية المهمة بحد ذاتها في سياق النفوذ الأمريكي العالمي ' والضامن الأساسي للنظام المالي والنقدي الأمريكي وموقع الدولار فيه .
فإذا كانت الضربات الإيرانية المحدودة في المواجهة السابقة قد ألحقت كلّ ذلك الضرر بالمنشآت الصهيونية الحساسة في قلب "تل أبيب" وميناء حيفا الإستراتيجي وقواعد النقب ' ووسّعت من الهجرة اليهودية المعاكسة ' فإن ردّة الفعل الإيرانية المتوقّعة على عدوان واسع ستلحق بالكيان خسائر كبيرة وإستراتيجية وتعمّق التصدّع الاجتماعي الداخلي فيه.
وخلاصة القول: إن الرسالة التي تطلقها طهران واضحة ومتسقة - بحسب المحلل السياسي فهد أبو راس - فليس هناك أي هجوم ' مهما كان حجمة يمكن ان يجبر إيران على التنازل عن مبادئها أو التخلي عن حقوقها السيادية في الدفاع عن نفسها وتطوير قدراتها .وهذا الثبات هو مصدر قوتها الحقيقي في مواجهة أعتى القوى العسكرية 'مما يثبت أن الإرادة الوطنية وحسن الاستعداد الاستراتيجي هما الأقوى في المعادلات الدولية المعقدة.