في أعقاب إعلان المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تستضيف "عرب جورنال" عضو اللجنة المركزية للحركة القومية الأردنية، محمود مصلح، لمناقشة تفاصيل هذه المرحلة في ظل تملص الاحتلال من تنفيذ بنود المرحلة الأولى، برفضه الانسحاب ورفع الحصار عن القطاع الفلسطيني. ويركز الحوار على تطورات المشهد السياسي والعسكري في دول الطوق الفلسطيني، مع استمرار العدوان الصهيوني على لبنان والتوغل الإسرائيلي في عمق الأراضي السورية، وتداعيات ذلك على أمن واستقرار المنطقة برمتها.
كما يستعرض الحوار مستجدات الموقف اليمني الداعم لوحدة الصومال والرافض للتواجد الإسرائيلي في البلد العربي الأفريقي الشقيق، وأهمية هذا الموقف النابع من حرص اليمن على المصلحة العامة والجامعة للأمة العربية والإسلامية والأفريقية. ويسلط الحوار الضوء على التهديد الأمريكي بغزو جزيرة غرينلاند، وسط رفض القارة العجوز، وما إذا كانت هذه المتغيرات والأحداث الطارئة في القطب الشمالي الغربي قد تؤدي إلى تفكك أو انهيار حلف "الناتو"، وتداعيات ذلك على الملف الأوكراني.
عرب جورنال / حوار / حلمي الكمالي
الموقف اليمني الرافض للوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي يمثل انتقالاً استراتيجياً من الدفاع إلى الردع الفعلي لحماية الأمن القومي العربي والممرات البحرية، ويُعد كابحاً مبكراً يلجم كل المشاريع الخبيثة
اليمن يعيد صياغة معادلة الأمن الإقليمي عبر ربط استقرار البحر الأحمر بالسيادة العربية المستقلة وكسر الهيمنة الغربية على الممرات المائية الحيوية في المنطقة
الدعم اليمني لغزة يمثل تحولاً جذرياً من التضامن الرمزي إلى التأثير العملي الذي يفرض قواعد اشتباك جديدة رغم ظروف الحصار والعدوان
الموقف اليمني الراهن يتجاوز اللحظة السياسية إلى بعد تاريخي استراتيجي،يمثل تحولاً حقيقياً في قواعد الاشتباك السياسي والأمني في المنطقة، ويعيد الاعتبار لمفهوم السيادة العربية بوصفه مشروعاً قابلاً للاستعادة، لا شعاراً من الماضي عفا عليه الزمن
تخوفات مشروعة لدى المقاومة الفلسطينية من غموض "مجلس السلام" بوصفه أداة وصاية أمريكية تهدف للالتفاف على الحقوق الوطنية تحت غطاء الاستقرار، وسط تحذيرات من مشاريع ناعمة لتمرير مخططات التهجير وتصفية القضية
المعادلة الميدانية في غزة تتجاوز موازين القوى العسكرية لتصنع وعياً عالمياً جديداً يؤسس لمرحلة من الصمود التاريخي ورفض كافة مشاريع الاحتواء الخارجية
تقارير تحذر من مخاطر هيكلية تواجه الأمن القومي الأردني نتيجة المشاريع الصهيونية التوسعية ومخططات التهجير التي تستهدف تغيير الديمغرافيا والهوية السياسية للمنطقة
الأزمة الدبلوماسية حول "غرينلاند" تضع حلف الناتو أمام اختبار حقيقي وتكشف هشاشة العلاقات عبر الأطلسي في ظل التهديدات الأمريكية بانتهاك سيادة الحلفاء
قراءة في سيناريوهات التصعيد الإقليمي تشير إلى أن أي مواجهة قادمة مع إيران ستكون متعددة الجبهات وتعتمد على استنزاف العمق وتآكل الردع التقليدي
ندعو لتعزيز الجبهات العربية الداخلية ورفض نهج التبعية والوصاية الأجنبية لمواجهة التحولات الكبرى المرتقبة في موازين القوى العالمية وصراعات النفوذ في المنطقة
_ ما رأيكم بإعلان المرحلة الثانية من الاتفاق في قطاع غزة في ظل تملص الاحتلال من تنفيذ بنود المرحلة الأولى؟ وما تقييمكم لما يسمى بـ"مجلس السلام" في غزة الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي لم تتضح ملامحه بعد، في ظل توجس المقاومة الفلسطينية منه؟ وهل تعتقدون أن هذا المجلس سيكون غطاءً لتمرير مخططات التهجير والتصفية والتقسيم التي عجزت "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية عن تنفيذها باستخدام القوة العسكرية طوال العامين الماضيين؟ وأي مستقبل تتوقعونه لغزة ومقاومتها وشعبها المغوار والمناضل، في ظل ما يملكونه من إيمان وعزيمة وصمود أسطوري أذهل العالم في سبيل الانتصار للقضية والدفاع عن الأرض والعرض؟
سؤال مركّب وعميق، ويتصل بلحظة سياسية شديدة الحساسية، لذلك يمكن تناوله على عدة مستويات مترابطة:
أولاً:
إعلان المرحلة الثانية رغم الإخلال بالأولى من قبل الصهيو-أمريكي الغربي، وعدم فعالية النظام العربي الرسمي.
إعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية من أي اتفاق في ظل تملّص الاحتلال من تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى يعكس خللاً بنيوياً في طبيعة هذه الاتفاقات، ويؤكد أن الاحتلال لا يتعامل معها باعتبارها التزامات قانونية أو أخلاقية، بل أداة لإدارة الوقت والضغط وإعادة التموضع سياسياً وأمنياً.
من هنا، فإن الإعلان لا يعني بالضرورة تقدماً حقيقياً، بل قد يكون محاولة لامتصاص الضغط الدولي، أو تفكيك حالة الإجماع الشعبي المقاوم، أو فرض وقائع جديدة على الأرض تحت غطاء ما يسمى المسار السياسي.
ثانياً:
الغموض الذي يحيط بما يُسمى "مجلس السلام"، خاصة مع ربطه بإدارة أمريكية منحازة تاريخياً للاحتلال، يبرر تماماً تخوف المقاومة الفلسطينية منه.
التجربة الفلسطينية، من مدريد إلى أوسلو وما بعدها، أثبتت أن الأطر السياسية التي تُصاغ خارج الإرادة الوطنية، وتُدار برعاية أمريكية، غالباً ما تكون وسيلة للالتفاف على الحقوق لا تحقيقها. خاصة إذا كان هذا المجلس غير نابع من توافق فلسطيني شامل، ولا يعترف بحق المقاومة كحق كفلته الأعراف والشرائع الإنسانية والدولية، ولا يضمن وحدة الأرض والشعب؛ فهو عملياً إطار وصاية أو انتداب لا يمكن أن يكون مجلس سلام.
ثالثاً:
هل هو غطاء لمشاريع التهجير والتصفية؟
الخشية من أن يكون هذا المجلس غطاءً ناعماً لتمرير ما عجزت القوة العسكرية الصهيو-أمريكية الغربية عن فرضه هي خشية مشروعة، بل منطقية؛ لأن التاريخ السياسي يعلمنا أن الفشل العسكري كثيراً ما يُستكمل بأدوات سياسية واقتصادية وإدارية، وأن مشاريع التهجير، والتقسيم، ونزع سلاح المقاومة غالباً ما تُقدم بلغة الاستقرار وإعادة الإعمار والتهدئة والسلام.
لذا أؤكد من منبركم الكريم هذا أن الخطورة هنا ليست فقط في المشروع نفسه، بل في محاولة إعادة تعريف الصراع الفلسطيني الصهيو-أمريكي من قضية تحرر وطني إلى أزمة إنسانية أو إدارية، لأنها ببساطة لم تراعِ جذور المشكلة وحق شعبنا بالحرية والاستقلال.
رابعاً: مستقبل غزة والمقاومة والشعب.
رغم كل ذلك، علينا أن نعترف بقوة وجرأة أن المعادلة لم تعد كما كانت. غزة اليوم ليست فقط ساحة محاصرة، بل رمزاً عالمياً للصمود. ما أظهره أبناء شعبنا العربي الفلسطيني ومقاومته من إيمان، وثبات، وتحدٍّ، وصبر غير محدود، وقدرة على الصمود تحت حرب إبادة مفتوحة، غيّر موازين الوعي العالمي -وهنا نضع خطاً تحت الوعي- حتى لو لم يغيّر بعد موازين القوة العسكرية.
ونحن في الحركة القومية نؤمن أن المستقبل، مهما كان قاسياً، لن يكون استسلاماً سهلاً، ولا تصفية هادئة للقضية. قد تمر غزة بمراحل ضغط ومحاولات احتواء، لكن طالما بقيت المقاومة متجذرة في شعبها، وبقي الشعب مؤمناً بعدالة قضيته، فإن كل المشاريع المفروضة من الخارج ستبقى هشة وقابلة للانكسار. اليوم وبكل وضوح نحن أمام صراع إرادات لا مجرد اتفاقيات. والسؤال الحقيقي القوي لم يعد: ما الذي يُخطَّط لغزة؟ بل: هل يستطيع أي مخطط أن يتجاوز شعباً قرر ألا يُهزم؟ وغزة، بتضحياتها وصمودها، أثبتت أن إرادة الشعوب قد تتأخر في الانتصار، لكنها لا تُهزم.
_ بماذا تصفون الموقف التاريخي للقيادة اليمنية التي أعلنت رفضها القاطع للاعتراف الإسرائيلي بما يسمى "أرض الصومال"، وأكدت أن أي تواجد إسرائيلي في الصومال سيكون هدفاً مشروعاً للقوات المسلحة اليمنية؟ ولماذا نؤكد أن هذا الموقف اليمني يخدم مصلحة أمن واستقرار دول المنطقة برمتها، وعلى رأسها الدول العربية والإسلامية التي تواجه مخاطر المشاريع الصهيو-أمريكية المركبة والتخريبية؟ وبماذا تصفون المواقف اليمنية الوطنية المناهضة للهيمنة الأمريكية الصهيونية على المنطقة، وأهمها الدعم والإسناد اليمني للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة طوال عامين، بشكل عام؟ وهل تعتقدون أن مثل هذه المواقف تساهم في استعادة سيادة الدول العربية على بحارها ومضايقها ومياهها الإقليمية؟
يمكن تناول هذا السؤال بوصفه تحليلاً سياسياً استراتيجياً للموقف اليمني، لا بوصفه دعاية أو تحريضاً، وذلك عبر المحاور التالية:
أولاً: توصيف الموقف التاريخي للقيادة اليمنية
يمكن وصف الموقف اليمني الرافض للاعتراف الإسرائيلي بما يسمى "أرض الصومال"، والتحذير من أي وجود إسرائيلي في الصومال، بأنه:
• وقف سيادي رادع: يعكس انتقال اليمن من موقع الدفاع السياسي إلى موقع الفعل الردعي، عبر ربط الأمن الإقليمي بالأمن القومي العربي.
• موقف استباقي استراتيجي: لأن القرن الإفريقي وباب المندب يمثلان عمقاً حيوياً للأمن العربي، وأي اختراق إسرائيلي فيهما لا يُعد مسألة محلية بل تهديداً إقليمياً مباشراً.
• موقف مبدئي غير انتقائي: ينسجم مع الخطاب اليمني الثابت في رفض التطبيع والتغلغل الإسرائيلي أينما وُجد، وليس فقط في فلسطين المحتلة.
ثانياً: هذا الموقف يخدم أمن واستقرار المنطقة للاعتبارات التالية:
إفشال التمدد الأمني–الاستخباراتي الإسرائيلي في القرن الإفريقي، الذي غالباً ما يكون مرتبطاً بمراقبة الممرات البحرية العربية، وتهديد الأمن القومي لمصر واليمن والسعودية والسودان، واستخدام دول هشة كمنصات ضغط على دول الجوار.
لهذا يجب أن يكون مفهوماً وواضحاً أن حماية الممرات البحرية الدولية العربية -باب المندب والبحر الأحمر- ليسا مجرد ممرات تجارية بل أوراق سيادة، وأن أي وجود إسرائيلي فيهما يعني تدويل الأمن البحري العربي، وتقويض استقلال القرار الإقليمي، وفرض معادلات ردع خارجية على الدول العربية، ومواجهة المشاريع الصهيو-أمريكية المركبة والتي تقوم على التفتيت بدل الاحتلال المباشر، والتطبيع بدل الحروب التقليدية، والحروب بالوكالة بدل المواجهة المباشرة. ومن هنا، فإن الموقف اليمني يُعد كابحاً مبكراً يلجم هذه المشاريع الخبيثة.
ثالثاً: توصيف المواقف اليمنية المناهضة للهيمنة الأمريكية والصهيونية:
يمكن توصيف هذه المواقف بأنها مواقف مقاومة شاملة لا تقتصر على فلسطين المحتلة، بل تمتد إلى البحر، والمضائق، والفضاء الإقليمي. مواقف تحررية ذات كلفة عالية، إذ جاءت في ظل حصار وعدوان طويل، ما يمنحها وزناً أخلاقياً وسياسياً أكبر. مواقف كسرت احتكار القرار العربي وأثبتت أن دعم فلسطين لم يعد حكراً على الخطاب، بل يمكن أن يتحول إلى فعل مؤثر على أرض الواقع.
أما الدعم والإسناد اليمني لغزة خلال عامين، فيمكن اعتباره تحولاً من التضامن الرمزي إلى التأثير العملي، وإعادة تعريف لمعادلة الأمن القومي العربي الذي تم نسيانه عبر عقود خلت، باعتبار هذا الأمن غير قابل للتجزئة.
رابعاً:
نعم، من زاوية التحليل الاستراتيجي، نرى أن هذه المواقف كما ذكرت. نثمن إعادة طرح السؤال: من يحمي البحار العربية؟ لأنه كسر فكرة أن أمن المضائق مسؤولية دولية لا عربية، وأحيا مفهوم الردع الإقليمي المستقل بعيداً عن الوصاية الأجنبية. حتى وإن لم تؤدِ فوراً إلى استعادة كاملة للسيادة، فإنها تفتح نقاشاً استراتيجياً عربياً غائباً منذ عقود، وتضع أساساً نفسياً وسياسياً لفكرة السيطرة العربية على مياهها.
أقول بوضوح تام: إن الموقف اليمني يتجاوز اللحظة السياسية إلى بعد تاريخي استراتيجي، ويعيد تعريف معسكر المواجهة في المنطقة، ويشكل نموذجاً لدولة محاصَرة لكنها فاعلة وقادرة على فرض معادلات جديدة في الصراع؛ نموذجاً -سواء اتُّفِق معه أو اختُلِف- يمثل تحولاً حقيقياً في قواعد الاشتباك السياسي والأمني في المنطقة، ويعيد الاعتبار لمفهوم السيادة العربية بوصفه مشروعاً قابلاً للاستعادة، لا شعاراً من الماضي عفا عليه الزمن.
_ في ظل استمرار العدوان الصهيوني على لبنان والتوغل الإسرائيلي في سوريا التي تشهد اقتتالاً واسعاً بين المليشيات المرتبطة بأجندات خارجية متعددة.. هل تعتقدون أن الأمن القومي للأردن في خطر حقيقي، وسط كل هذه الملفات الساخنة المحيطة به؟ وإلى أي درجة يدرك النظام والشعب الأردني هذه المخاطر واستعدادهما لمواجهتها؟ ولماذا نؤكد أن المشاريع التوسعية للاحتلال الإسرائيلي تشكل خطراً وجودياً ليس على الأردن وبقية دول الطوق الفلسطيني وحسب، بل على كل دول وشعوب الأمة العربية والإسلامية بلا استثناء؟ وهل تعتقدون أيضاً أن صمود غزة وجبهات الدعم والإسناد والمقاومة هو صمام الأمان لمستقبل المنطقة برمتها؟ وكيف يمكن تفسير ذلك من خلال الشواهد والتجارب والأحداث التي شهدتها المنطقة منذ معركة طوفان الأقصى؟
هذا السؤال يلامس جوهر اللحظة التاريخية التي تمرّ بها المنطقة، ويمكن الإجابة عنه عبر مقاربة مركّبة تجمع بين الجغرافيا السياسية، وطبيعة الصراع، وتجارب الإقليم خلال العامين الأخيرين:
أولاً:
نعم، الأمن القومي الأردني يواجه مخاطر حقيقية ومتزايدة، لكنّها ليست آنية على شكل غزو مباشر، بل مخاطر تراكمية وهيكلية ناتجة عن البيئة الديموغرافية والجيوسياسية المحيطة بالأردن:
• شمالاً: سوريا غير المستقرة، مع وجود قوى مسلحة متعددة الولاءات، وتوغلات إسرائيلية متكررة تُفكك ما تبقى من سيادة الدولة السورية.
• غرباً: كيان احتلال يعيش حالة توسّع عدواني غير مسبوقة، ويطرح علناً مشاريع تهجير وتغيير ديمغرافي.
• شمالاً وغرباً معاً: اشتعال الجبهة اللبنانية بما يحمله ذلك من احتمالات توسّع الحرب.
التهديد لا يتمثل فقط في السلاح والحرب، بل في تفجير الحدود، الفوضى، فرض وقائع سياسية وديمغرافية (الوطن البديل، التهجير، إسقاط حق العودة)، والضغط الاقتصادي والأمني معاً. لذا، الخطر حقيقي لكنه غير تقليدي، ويستهدف الدولة والمجتمع والهوية السياسية للأردن.
ثانياً:
بالتأكيد النظام الأردني يدرك المخاطر بدرجة عالية، ويتعامل معها بحكمة وسياسة توازن دقيقة بين الالتزامات الدولية ومتطلبات الأمن الوطني؛ تشديد أمني على الحدود، خطاب سياسي واضح في رفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية. لكن هذا الإدراك محكوم بسقف الحركة المحدودة نظراً لمحدودية الموارد والارتباطات الدولية وحساسية الموقع الجغرافي. ومع هذا، الأردن على وعي تام بالمخاطر والتهديدات.
نعم الشعب الأردني، بخاصة بعد حرب غزة، وصل إلى درجة وعي غير مسبوقة بأن ما يجري في فلسطين ولبنان وسوريا ليس بعيداً عنه، وأن المشروع الصهيوني لا يتوقف عند حدود فلسطين، وأن أي انهيار في جبهات المواجهة سينعكس مباشرة على الأردن. هذا الوعي الشعبي يُشكّل عنصر قوة، لكنه يحتاج إلى ترجمة استراتيجية طويلة المدى؛ ربما ليس هذا مكان الحديث عنه لأنه حديث طويل.
ثالثاً:
من يستطيع أن ينكر أن المشاريع التوسعية الإسرائيلية تعد خطراً وجودياً على كل الأمة؟ لأن المشروع الصهيوني ليس مشروع دولة طبيعية، بل مشروع توسّعي إحلالي قائم على فكرة التفوّق العرقي والديني، ويحتاج دائماً إلى التوسّع أو التفجير الخارجي للبقاء؛ ففلسطين لم تكن المحطة الأخيرة. لبنان وسوريا والعراق وإيران واليمن باتوا في دائرة الاستهداف. حتى الدول المطبّعة لم تُستثنَ من الابتزاز والضغط. لذا الخطر هنا وجودي وشامل لأنه يُسقط فكرة السيادة العربية، ويُعيد المنطقة إلى منطق وفكر المحميات، ويفتح الباب لحروب لا نهائية تُدار بالوكالة.
رابعاً:
صمود غزة ليس حدثاً معزولاً، بل تحوّل استراتيجي؛ لأنه كسر أسطورة الردع الإسرائيلي للمرة الأولى، وفشل الكيان ويفشل في الحسم العسكري واستعادة الردع وفرض شروطه السياسية ومنع فرض شرق أوسط جديد بالقوة.
ماذا لو سقطت غزة سريعاً؟ لانتقلت المعركة إلى الضفة والأردن ولبنان، ولتم فرض مشروع التهجير كأمر واقع وتغيير قواعد الاشتباك الإقليمي. واضح تماماً أن جبهات الإسناد (لبنان، اليمن، العراق، إيران) سياسياً وعسكرياً أثبتت أن المعركة لم تعد فلسطينية فقط، وأن أي عدوان واسع سيُشعل المنطقة، وأن الكيان يفهم هذا جيداً كما يفهمه الأمريكي الغربي.
خامساً:
منذ 7 أكتوبر: اهتزّت صورة الكيان الصهيوني كقوة لا تُقهر، وتراجعت هيبة التحالف الغربي أخلاقياً وسياسياً، وعاد الشارع العربي والإسلامي إلى مركز الفعل، وانكشفت هشاشة الأنظمة القائمة على الحماية الخارجية فقط.
لكن الأهم هو أنه ثبت أن المقاومة، رغم كلفتها العالية، أقل كلفة من الاستسلام، وأن الصمود، لا التطبيع، هو الذي يحمي الدول والشعوب. وبناءً عليه أقول: نعم، الأمن القومي الأردني في دائرة الخطر. نعم، النظام والشعب يدركان ذلك بدرجات متفاوتة. نعم، المشروع الصهيوني خطر وجودي شامل. نعم، صمود غزة وجبهات الإسناد هو خط الدفاع الأول عن الأردن والمنطقة. وما بعد طوفان الأقصى ليس كما قبله… لا في الوعي، ولا في موازين القوى، ولا في مستقبل الصراع.
_ كيف تقرأون التهديد الأمريكي بغزو جزيرة غرينلاند الدنماركية في هذا التوقيت بالذات؟ وهل تعتقدون أن الخلافات بين أمريكا وأوروبا حول الجزيرة، والتي بدأت بفرض رسوم جمركية متبادلة، يمكن أن تمتد إلى قطيعة أو صدام عسكري مباشر على أرض الجزيرة، خصوصاً بعد إرسال الاتحاد الأوروبي قوات إلى غرينلاند وإجراء مناورات عسكرية؟ وكيف يمكن أن يؤثر ما يحدث اليوم من توترات واضحة بين الحليفين التقليديين على ملفات ساخنة تتشابك فيها مصالح الطرفين، وعلى رأسها الملف الأوكراني؟ وهل تعتقدون أن المتغيرات والأحداث الطارئة في القطب الشمالي الغربي قد تؤدي إلى تفكك أو انهيار حلف "الناتو"، وهو ما تقرّ به الدول الأوروبية المنضوية تحت هذا الحلف؟
التصعيد حول غرينلاند ليس تهديداً بحدوث غزو عسكري وشيك بقدر ما هو أزمة دبلوماسية واستراتيجية غير مسبوقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين (خصوصاً الدنمارك) — لكنه أثار مخاوف حقيقية حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي وحلف الناتو.
الولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب أبدت رغبة قوية في ضم غرينلاند أو السيطرة عليها -وهنا نذكر برغبته بضم كندا، كما أعلن عن رغبته بشراء قطاع غزة-. رغبة ترمب في ضم غرينلاند لموقعها في القطب الشمالي، تعد أهمية قصوى للأمن القومي خصوصاً في مواجهة روسيا والصين، واستعادة الحديث عن خيارات قد تشمل استخدام القوة أو الضغط الاقتصادي والرسوم الجمركية على الدول التي تعارض ذلك.
واضح أن أوروبا والاتحاد الأوروبي يريان مثل هذه التهديدات غير مقبولة لأنها تمس سيادة دولة عضو في الناتو (الدنمارك)، وأن أي عمل عسكري أمريكي ضد حليف سيكون عقيدة تحوّل تاريخي يؤثر على أساسات التحالف.
حتى الآن، الاحتمال العسكري المباشر منخفض إلى حد كبير؛ فغرينلاند تابعة للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي. أي هجوم عسكري من قبل قوة حليفة في الناتو على أراضٍ تابعة لحليف آخر سيُعد انتهاكاً خطيراً لميثاق الحلف نفسه. الدنمارك وحلفاؤها عززوا وجودهم العسكري في غرينلاند ضمن مناورات وبرامج دفاعية ولو أنها شكلية، وليس رد فعل تحريضي، ويركزون على الأمن الإقليمي في مواجهة النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي. الاتحاد الأوروبي يسعى إلى حل تفاوضي ويعتبر المواجهة العسكرية كارثة استراتيجية ما لم تُحلّ عبر القنوات الدبلوماسية.
معروف للجميع من أمريكا حتى كل أوروبا أن التصعيد له عدة آثار ملموسة بالفعل: توترات في التجارة والتعاون الاقتصادي بسبب الرسوم الجمركية المُهدّدة، واحتدام النقاشات داخل الناتو حول دور الولايات المتحدة والالتزامات المتبادلة، خصوصاً حين يُطرح احتمال أن الحليف الأكبر ينتهك سيادة حليف آخر. كذلك توتر سياسي في قضايا كبرى مثل دعم أوروبا لأوكرانيا، لأن أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً في هذا الملف، وأي شرخ في التحالف يضعف هذا الدعم.
ولكن الانهيار الكامل غير مرجّح في المدى القصير؛ لأن أغلب دول الناتو ترى أن تحالفاً عسكرياً موحداً ما يزال ضرورياً في مواجهة التحديات الأمنية (روسيا، الشرق الأوسط، الصين). التهديد الأمريكي في هذا التوقيت يُقرأ كجزء من صراع أوسع على النفوذ الاستراتيجي في القطب الشمالي، وليس كخطوة فورية نحو الحرب على أرض غرينلاند. الحديث عن انهيار الناتو ليس حتمياً اليوم، لكن الأزمة تُظهر هشاشته أمام خلاف بين عضوين رئيسيين وتدفع الحلف إلى اختبار قدرة أعضائه على إدارة النزاعات الداخلية.
_ ما توقعاتكم لمستقبل المنطقة العربية والإسلامية في ظل استمرار التصعيد الأمريكي الإسرائيلي والتهديدات بشن عدوان جديد على إيران؟ وهل تعتقدون أن الملفات الساخنة في المنطقة على مختلف المستويات والأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية ستكون بمثابة قنابل موقوتة قد تؤدي للانفجار الكبير؟ وأي منحنى قد تأخذه أي معركة واسعة في المنطقة والإقليم، وتأثيراتها المباشرة على توازنات الردع والقوى؟
الإطار العام للتصعيد الأمريكي-الإسرائيلي: التصعيد القائم لا يُقرأ فقط بوصفه توتراً عابراً، بل كجزء من مرحلة انتقالية في النظام الإقليمي؛ فالولايات المتحدة لم تعد راغبة في حروب شاملة طويلة، مع أنها ما زالت متمسكة بإدارة الأزمات ومنع خصومها من تحقيق تفوق استراتيجي. والكيان الصهيوني يواجه مأزقاً وجودياً استراتيجياً يتمثل في تآكل الردع، واتساع جبهة التهديد من غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وصولاً إلى إيران. أما إيران فمن جهتها تعتمد سياسة حافة الهاوية: تصعيد محسوب دون الانزلاق إلى حرب مباشرة، مع توسيع نفوذها غير المباشر. هذا التفاعل يُنتج حالة من "اللا حرب واللا سلم" شديدة الخطورة.
ثانياً:
نعم، يمكن توصيف الملفات في المنطقة بالساخنة وبأنها قنابل موقوتة متشابكة؛ سياسياً: غياب أي أفق حقيقي لتسوية القضية الفلسطينية، وانهيار شرعية كثير من النظم أو تآكل قدرتها على الاستجابة الاجتماعية، وتصاعد الاستقطاب الإقليمي لنصل لمحاور متنافسة بدل نظام إقليمي متوازن.
عسكرياً: انتشار الفاعلين من غير الدول (الميليشيات والحركات المسلحة، ونحن نعرف من وكيف وكم ولماذا يدعمها)، وانتقال الصراع من الجيوش التقليدية إلى حروب الصواريخ والمسيّرات والحروب السيبرانية، وهشاشة خطوط الفصل بين الردع والتصعيد غير المقصود.
اقتصادياً: هشاشة الاقتصادات العربية أمام أي إغلاق لمضيق هرمز أو باب المندب، واضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد التقليدية، وتزايد الفجوة الاجتماعية، ما يجعل الداخل قابلاً للاهتزاز عند أول صدمة كبرى.
ألا ترى أن كل هذه العناصر تجعل الانفجار الكبير ممكناً بقوة، مع أنه غير حتمي بالضرورة؟
ثالثاً:
فيما يتعلق بالعدوان على إيران، السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس حرباً شاملة مباشرة، بل قد تكون ضربات محدودة ومركّزة (صهيونية أو مشتركة) ضد أهداف إيرانية نوعية. وقد تكون حرباً بالوكالة متعددة الساحات تتوسع أفقياً، يمكن أن تؤثر على كل الخليج بالدرجة الأولى والإقليم ثانياً. ويمكن أن يلجأ العدو لتصعيد تدريجي متدرّج يُستخدم للضغط السياسي لا للحسم العسكري. أقول هذا لأن الحرب الشاملة على إيران تحمل كلفة هائلة؛ فهي تهدد الملاحة الدولية والطاقة، وهناك احتمال إدخال قوى دولية كبرى (روسيا، الصين) بشكل غير مباشر -كما سمعنا من تزويد إيران بمنظومة دفاع جوي روسية صينية- وزعزعة استقرار أنظمة حليفة لواشنطن؛ ولهذا تُعدّ الحرب الخيار الأخير.
رابعاً:
إذا اندلعت مواجهة إقليمية واسعة، ستكون مواجهة متعددة الجبهات (فلسطين، لبنان، سوريا، العراق، الخليج، البحر الأحمر). وسيتآكل مفهوم النصر الكلاسيكي بمعنى لا حسم سريع بل استنزاف طويل، وضرب العمق المدني والاقتصادي بدل الجبهات التقليدية، وانتقال الصراع من الردع النووي إلى ردع الصواريخ الدقيقة والمسيرات.
خامساً:
هذا بالتأكيد له كل التأثير على توازنات الردع؛ فالكيان الصهيوني قد يحافظ على تفوق ناري، لكنه سيفقد الردع النفسي والسياسي. إيران ومحورها يعززون ردعهم عبر القدرة على الإيذاء لا السيطرة. الردع يصبح هشاً، متحركاً، وقابلاً للكسر. وعلى مستوى النظام الإقليمي سنرى تسارع نهاية الهيمنة الأمريكية الأحادية، وصعود أدوار إقليمية مستقلة (تركيا، إيران، وربما دول عربية فاعلة مثل مصر والسعودية)، وانتقال المنطقة من نظام أزمات إلى نظام فوضى مُدارة لأمد طويل.
ما أود قوله باختصار في موضوع إيران أن المنطقة العربية والإسلامية تقف على حافة مرحلة تاريخية دقيقة؛ لا حرب شاملة قريبة بالضرورة، ولا استقرار حقيقي في الأفق. وما يجري هو تراكم بطيء لعناصر الانفجار، وقد يكون الانفجار الكبير؛ فإما مواجهة إقليمية واسعة، أو إعادة رسم قسرية لقواعد الاشتباك، أو انهيار داخلي في أكثر من دولة بفعل الضغط الاقتصادي الأمني. وهذا يتطلب موقفاً مسؤولاً بعيداً عن "الأنا"، وفهم عجلة الصراع وآليات ومآلات ما يدور في العقل الصهيو-أمريكي الغربي، والالتفات للجبهة الداخلية بما تقتضيه من الوحدة وتفعيل عجلات الإنتاج والاعتماد على الذات، واستثمار مقدرات البلاد، والتخلص من نهج التبعية ورفض الوصاية الأجنبية وتعزيز القدرات العسكرية الهجومية قبل الدفاعية والبحث عن حلفاء جدد.
في كل الأحوال، نحن أمام زمن التحولات الكبرى لا التسويات السهلة.