يناير 14, 2026 - 15:13
أمريكا تنتهك سيادة فنزويلا.. والصين تسحب شرعية القوة من يد اللص الدولي



أروى حنيش


لم تتعامل الصين مع حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي بوصفها واقعة أمريكية في بلد بعيد، ولا بوصفها ملفًا دبلوماسيًا يتطلب بيانات شجب واحتجاجات، بل بوصفها إشارة إلى إعادة تشغيل الأدوات القديمة للإمبراطورية الأمريكية السيطرة على موارد الطاقة، ومعاقبة الحكومات المتفلتة، واستخدام الدولار كسلاح، والدخول إلى الفناء الخلفي للعالم من أجل إحكام السيطرة على القارة التي تشرف على خطوط التجارة الأطلسية. لكن بكين ـ خلافًا لواشنطن ـ لا تجيد الرقص على المسرح الإعلامي، بل على المسارح التي لا تُرى، سلاسل الإمداد، المعادن النادرة، وشبكات التخليص المالي، والائتلافات التجارية. فنزويلا بالنسبة للصين ليست حليفًا عاطفيًا، بل منصة اختراق للقارة التي اعتُبرت لعقود امتدادًا جغرافيًا لواشنطن.


الرد الصيني 


حين اجتمع المكتب السياسي في بكين بعد ساعات من انتشار خبر اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، لم يكن الهدف اتخاذ موقف سياسي، بل إجراء تقييم استراتيجي لنوعية الضربة الأمريكية: هل هي ضربة جزئية تستهدف الحضور الصيني في قطاع النفط؟ أم ضربة تمهيدية لإعادة توثيق الهيمنة الأمريكية على أمريكا اللاتينية؟ أم ضربة لمنع تمدد بريكس نحو نصف الكرة الغربي؟ جاءت القراءة الصينية أقرب إلى الخيار الثالث، المسألة تتعلق بعرقلة العالم المتعدد الأقطاب قبل أن يولد بصورة نهائية. ولذلك كان الرد الصيني غير موجه إلى حادثة الاختطاف نفسها، بل إلى نسيج القوة الأمريكية الذي يجعل أمثال هذه العمليات قابلة للتنفيذ دون تكلفة باهظة.
التحرك الصيني الأول استهدف الدولار وليس فنزويلا. تجميد التعاملات مع الشركات الدفاعية الأمريكية لم يكن هدفه خنق "بوينغ" و"لوكهيد" فحسب، بل ضرب العصب الذي يمول القوة العسكرية الأمريكية، موازنة البنتاغون وميزانيات المشتريات الدفاعية التي تحظى بامتيازات تسعيرية بفضل هيمنة الدولار. 
فيما الضربة الثانية جاءت من قطاع الكهرباء، ليس لأن الأمر يتعلق بمولدات وأسلاك، بل لأن قطاع الطاقة الكهربائية هو المختبر التكنولوجي الذي بكرت الصين في تحويله إلى مجال سيادة. والمقصود منه وضع الشركات الأمريكية في موقع التابع التقني بدلًا من موقع المورد.
ثم جاءت الضربة الطاقوية التي قلبت الجغرافيا التجارية، النفط الفنزويلي الذي كان يفترض أن يدعم الاحتياطي الأمريكي ويتدفق نحو الساحل الشرقي جرى تحويله إلى شركاء في الجنوب العالمي. هنا بالتحديد ظهر الفارق بين الصين وروسيا. روسيا تستخدم الطاقة كسلاح سياسي في الفضاء الأوروبي، أما الصين فتستخدمها كسلاح لإعادة توزيع النفوذ عبر خطوط الإمداد العالمية. 


ارتفاع أسعار النفط 


ارتفاع أسعار النفط خلال ساعات لم يكن غاية في ذاته، بل مؤشرًا على الحساسية البنيوية للنظام الأمريكي تجاه تحولات أسعار الطاقة العالمية، في الوقت الذي تتطلب فيه الميزانيات العسكرية الأمريكية قدرة ثابتة على التنبؤ بالتكاليف.
وفي خطوة موازية، استخدمت الصين قوتها اللوجستية لإظهار هشاشة السوق الأمريكية. تجنب الموانئ الأمريكية لم يكن رسالة سياسية، بل كشف تقني، الولايات المتحدة تهيمن على البحار عسكريًا لكنها لا تهيمن عليها تجاريًا. فالأسطول التجاري الذي ينقل البضائع إلى موانئها هو في جوهره صيني. تعطيل 30% من حركة الحاويات خلال ساعات واحدة كان كافياً لإحداث اضطراب في شركات التجزئة الأمريكية التي تستند بنموذج أرباحها على سرعة دوران المخزون ورخص التخزين. الصين لم تحتج إلى إطلاق تهديد واحد. مجرد إعادة توجيه مسارات الملاحة كشفت أن واشنطن تملك البحار كقوة بحرية، بينما تملك بكين البحار كسوق.


المعادن النادرة 

لكن النقطة التي تضع الرد الصيني في مستوى بنيوي لا ظرفي هي المعادن النادرة. فالمعادن التي تنتج منها الرقائق الإلكترونية ليست مجرد مواد أولية، بل مفاتيح دخول للعصر التقني. السيادة التقنية الأمريكية، بما في ذلك صناعات الذكاء الاصطناعي، والصواريخ الذكية، وأنظمة التحكم الفضائي، تعتمد على هذه العناصر. الصين لا تسيطر فقط على الاستخراج، بل على سلسلة القيمة من الاستخراج إلى التكرير والمعالجة الدقيقة. وحتى الدول التي تملك مناجمها لا تملك مصافيها. حين وضعت بكين قيوداً على التصدير، اقتربت الصورة من اختبار قاس. كيف يمكن لقطاع تصنيع الرقائق الأمريكي الاستمرار دون تدفق النيوديميوم والديسبروسيوم والإيتريوم والبراسيوديميوم؟ الجواب البسيط: لا يمكن. وهذه الحقيقة وحدها تعني أن بكين تملك سلاحًا لا يحتاج إلى حاملات طائرات ولا إلى تحالفات عسكرية ليكون فعالًا.
الإجراء الذي تلا ذلك كان ماليًا بامتياز. النظام البديل لـ«سويفت» لم يكن مجرد بنية مدفوعات محلية، بل محاولة لتشكيل نظام تسوية دولي بديل. وإذا كانت واشنطن قد بنت هيمنتها عبر الدولار، فإن الصين تبني بديلها عبر عملة متعددة الحوامل، اليوان التجاري، الذهب، والتسوية الثنائية. دخول عشرات البنوك المركزية إلى النظام الجديد خلال يومين هو أول علامة على أن الدولار يفقد احتكاره ليس عبر خطاب سياسي، بل عبر هندسة تطبيقية.
وبموازاة ذلك، جرى تعبئة الجنوب العالمي عبر الحوافز التجارية، لا عبر الشعارات الأيديولوجية. دخول البرازيل والهند وجنوب إفريقيا والمكسيك إلى المعادلة لم يكن اعترافًا بالموديل الصيني، بل اختبارًا لقدرة دول الجنوب على حماية بعضها دون المرور عبر البنية الأمريكية.
هكذا ظهر الرد الصيني كمخطط متكامل لا يهدف إلى كبح عملية أمريكية، بل إلى تعديل قواعد اللعبة. فالقوة الأمريكية طوال نصف قرن قامت على السيطرة على النفط، الدولار، التمويل، وسلاسل الإمداد. الصين ضربت كل واحدة من هذه الدعامات خلال 48 ساعة دون أن ترفع صوتها، ودون أن تعلن شيئًا، ودون أن تعتبر نفسها دخلت حربًا.
حين سُئل بعض الدبلوماسيين: ماذا فعلت بكين من أجل كاراكاس؟ كان الجواب الحقيقي أكبر من السؤال: الصين لم تتحرك من أجل فنزويلا، بل من أجل العالم الذي تريد أن تأتي به. العالم الذي لا تُسأل فيه واشنطن قبل أن تتحرك الدول. العالم الذي تُقاس فيه السيادة لا بعدد الدبابات، بل بالمعادن النادرة التي تصنع منها الرقائق التي تشغل تلك الدبابات. العالم الذي تتحول فيه سلاسل الإمداد إلى أدوات قوة، وليس مجرد عمليات تجارية. وفي ذلك وحده يتجاوز الرد الصيني فكرة التضامن السياسي نحو فكرة تأسيس نظام دولي جديد بوسائل غير معلنة.