أروى حنيش
لطالما شكّلت فنزويلا شريكاً مهماً للصين ضمن استراتيجيتها في أمريكا اللاتينية، تحديدًا في قطاع الطاقة. اعتمدت الصين على النفط الفنزويلي كجزء من إمداداتها العالمية، واستثمرت مليارات الدولارات في مشاريع نفط وبنى تحتية وقطاعات تكنولوجية متنوعة. هذا الارتباط العميق جعل الصدمة الناتجة عن سقوط مادورو وتحول الحكم في كاراكاس ليس مجرد حدث سياسي في أمريكا اللاتينية، بل ضربة محتملة لاستراتيجية بكين في المنطقة.
وفي ظل العقوبات الدولية المطولة المفروضة على فنزويلا، برزت الشركات الصينية بوصفها واحدة من الشركات القليلة التي كانت على استعداد لضخ الموارد في اقتصاد الدولة اللاتينية، الذي عانى من الاضطرابات.
ومع ذلك، فإن اختطاف القوات الأمريكية للرئيس مادورو السبت الماضي – بعد ساعات فقط من لقاء مادورو مع دبلوماسيين صينيين لإعادة تأكيد شراكتهم الاستراتيجية – يثير مخاوف بشأن مستقبل هذه الاستثمارات.
فنزويلا شريك اقتصادي للصين
حيث وفي حال سقوط فنزويلا سياسيًا، سواء عبر انهيار نظام مادورو أو انتقال حاد للسلطة نحو حكومة جديدة، فإن بكين لن تنظر إلى الحدث بوصفه أزمة محلية معزولة، بل كاختبار دقيق لطبيعة تمددها العالمي وحدود نفوذها خارج نطاقها الجغرافي التقليدي. ففنزويلا تمثل للصين حالة مركبة، شريك اقتصادي مثقل بالديون، وحليف سياسي رمزي في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، ونقطة ارتكاز ضمن سردية صعود الصين كقوة بديلة للنموذج الغربي.
أول ما سيحكم السلوك الصيني هو البراغماتية الصارمة. الصين، بخلاف القوى الأيديولوجية، لا تربط شرعيتها الخارجية ببقاء أنظمة بعينها، بل باستمرارية المصالح. لذلك، فإن سقوط فنزويلا لن يُقابل بصدمة استراتيجية، بل بإعادة تموضع هادئة. بكين ستسعى سريعًا إلى فتح قنوات تواصل مع السلطة الجديدة، أياً كان توجهها، مع التركيز على ملف الديون الضخمة والاستثمارات النفطية. الهدف هنا ليس استعادة النفوذ السياسي، بل منع التصفية الكاملة للحضور الاقتصادي الصيني، والحفاظ على حد أدنى من العوائد أو على الأقل تقليل الخسائر.
لكن هذا التكيف لن يكون تلقائيًا أو بلا شروط. فطبيعة النظام البديل في كاراكاس ستكون عاملًا حاسمًا. إذا جاءت حكومة براغماتية تسعى لإعادة بناء الاقتصاد وتحتاج إلى شركاء متنوعين، فقد تجد في الصين مصدر تمويل وخبرة لا ترغب في التفريط به بالكامل. في هذا السيناريو، ستقبل بكين بإعادة جدولة الديون وربما شطب جزء منها مقابل ضمانات طويلة الأمد في قطاع الطاقة أو البنية التحتية. هنا تتحول الخسارة السياسية إلى استثمار اقتصادي مؤجل.
في المقابل، إذا أفرز السقوط نظامًا مواليًا بوضوح لواشنطن، فإن الصين ستتعامل بحذر أكبر. ليس لأن فنزويلا بحد ذاتها تمثل أهمية وجودية، بل لأن الرسالة الجيوسياسية ستكون مقلقة، إخراج الصين من دولة استثمرت فيها بكثافة داخل المجال الحيوي الأمريكي. في هذه الحالة، من المرجح أن تنتهج بكين سياسة الانكماش الاستراتيجي، فتجمد استثماراتها، وتفعل أدوات قانونية ودولية لحماية ما تبقى من أصولها، مع تجنب أي مواجهة مباشرة. الصين تدرك أن التصعيد في أمريكا اللاتينية سيخدم السردية الأمريكية عن “التهديد الصيني” أكثر مما يخدم مصالحها الفعلية.
الأهم من فنزويلا نفسها هو الأثر التراكمي على صورة الصين كشريك دولي. سقوط نظام حليف لها سيعزز الشكوك في بعض الدول النامية حول قدرة بكين على حماية استثماراتها في بيئات سياسية غير مستقرة. ومع ذلك، فإن الصين قد تحاول قلب هذه السردية عبر تقديم نفسها كقوة واقعية لا تهجر الدول عند أول تغيير سياسي، بل تتعامل مع الحكومات لا الأنظمة. هذا الخطاب، وإن بدا دفاعيًا، ينسجم مع عقيدتها التقليدية القائمة على عدم التدخل وتغليب الاقتصاد على السياسة.
من زاوية أوسع، لن تدفع فنزويلا الصين إلى إعادة نظر جذرية في استراتيجيتها العالمية. بكين ترى أن ساحات الحسم الحقيقي مع الولايات المتحدة ليست في الكاريبي أو أمريكا الجنوبية، بل في شرق آسيا، بحر الصين الجنوبي، والتكنولوجيا المتقدمة. لذلك، فإن قبول خسارة نفوذ في فنزويلا قد يُعد ثمنًا مقبولًا مقابل تجنب تشتيت الموارد والانتباه. هذه الواقعية القاسية تميّز السياسة الخارجية الصينية المعاصرة، خسائر موضعية مقابل ثبات استراتيجي شامل.
حجم الاستثمارات الصينية
الصين نفذت مشاريع مشتركة مع شركة النفط الفنزويلية في حقل أورينوكو الغني بالنفط، ونقلت جزءاً كبيراً من صادرات النفط الفنزويلية إلى بكين في مقابل ديون واشتراكات.
وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، وتحديداً في حزام أورينوكو الأوسط، الواقع في حوض شرق فنزويلا على طول نهر أورينوكو.
وتقوم شركة بتروسينوفينسا، وهي مشروع مشترك تم تأسيسه في عام 2008 من قبل شركة البترول الوطنية الصينية وشركة النفط الفنزويلية الحكومية، بتطوير النفط الخام الثقيل جداً في هذه المنطقة، ويتم شحن جزء كبير منه مباشرة إلى الصين لسداد ديون فنزويلا السيادية.
ثانياً الاتصالات: تُعد الاتصالات ركيزة أساسية أخرى للعلاقات الثنائية، حيث باتت الشركات الصينية العملاقة المزود الرئيسي لخدمات الاتصالات في جميع أنحاء البلاد.
وتواصل شركة هواوي تكنولوجيز، التي فازت بأول عقد رئيس لها مع الحكومة الفنزويلية في عام 2004، وهي صفقة بقيمة 250 مليون دولار أمريكي لتحسين البنية التحتية للألياف الضوئية في البلاد، دعم شبكات الجيل الرابع في فنزويلا.
وفي الوقت نفسه، لعبت شركة زد تي إي دوراً محورياً في تطوير "بطاقة الوطن"، وهي نظام هوية وطنية يعمل كطريقة أساسية للمواطنين للوصول إلى الإعانات الحكومية والبرامج الاجتماعية.
ثالثاً، مبادرة الحزام والطريق:
أدى الدور الاستراتيجي لفنزويلا في مبادرة الحزام والطريق الصينية إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية من قبل جهات صينية. إلا أن المشاريع الجديدة شهدت ركوداً في السنوات الأخيرة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدولة اللاتينية.
فعلى سبيل المثال، ومع انخفاض الصادرات الفنزويلية إلى الحد الأدنى، تم تحويل مشروع ميناء إلى منشأة نفطية للمساعدة في سداد بعض ديونها للصين، وفقاً لتقرير صادر عام 2024 عن معهد ميركاتور للدراسات الصينية.
رابعاً، الديون السيادية:
تُعد فنزويلا رابع أكبر متلق للقروض من المقرضين الرسميين الصينيين، حيث تلقت قروضاً بقيمة 106 مليارات دولار بين عامي 2000 و2023، وفقاً لبيانات معهد أبحاث AidData التابع لجامعة ويليام وماري في ولاية فرجينيا.
وفي عام 2024، قُدر إجمالي ديون فنزويلا للصين بنحو 10 مليارات دولار.
وذكرت وكالة بلومبرغ الأمريكية نقلاً عن مصادر مطلعة أن أكبر جهة تنظيمية مالية في الصين طلبت من بنوكها المعنية بالسياسات النقدية وبنوك كبرى أخرى تقديم تقارير عن مقدار انكشافها الائتماني تجاه فنزويلا، وذلك بعد إقدام الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس الفنزويلي.
وأضاف التقرير أن الهيئة الوطنية للإدارة التنظيمية المالية نصحت البنوك أيضاً بتعزيز مراقبة المخاطر لجميع القروض والائتمانات المرتبطة بفنزويلا، سعياً لتقييم المخاطر المحتملة التي ربما تواجهها الجهات المُقرِضة في الصين.
وعلى مدى سنوات، مدت الصين فنزويلا بخطوط ائتمان ضمن ترتيبات "قروض مقابل النفط".
وقال تقرير بلومبرغ إن خطوة الهيئة تسلط الضوء على تزايد القلق لدى الجهات التنظيمية بشأن صدمات محتملة للقطاع المصرفي مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لنفوذ بكين الإقليمي؟
تحكم الولايات المتحدة بفنزويلا لا يعني للصين خسارة دولةٍ بعينها بقدر ما يعني انكشافًا استراتيجيًا لنفوذها خارج بيئتها الطبيعية. فالأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد البراميل أو حجم القروض، بل بما تحمله فنزويلا من دلالة رمزية وجيوسياسية في صراع النفوذ بين القوتين.
أولًا، يعني ذلك إغلاق إحدى أهم بوابات الصين داخل المجال الحيوي الأمريكي. فنزويلا لم تكن مجرد شريك اقتصادي، بل استثناءً جيوسياسيًا سمح لبكين بالوجود العميق في منطقة اعتُبرت تاريخيًا حكرًا على واشنطن. عودة فنزويلا إلى الفلك الأمريكي ستعيد ترسيم الخطوط الحمراء. أمريكا اللاتينية مجال نفوذ أمريكي صريح، والصين مرحب بها كتاجر لا كلاعب سياسي. هذا يحد من قدرة بكين على تحويل القوة الاقتصادية إلى نفوذ استراتيجي في نصف الكرة الغربي.
ثانيًا، سيُضعف ذلك أداة الصين الأساسية، الديون مقابل النفوذ. فنزويلا كانت نموذجًا لما يُسمى “الدبلوماسية المالية الصينية”، حيث تُمنح القروض الضخمة مقابل ضمانات نفطية طويلة الأجل. سيطرة واشنطن على القرار الفنزويلي ستعني إعادة هيكلة هذه الديون بشروط غربية، وربما الطعن في العقود السابقة أو تهميشها. الرسالة هنا خطيرة للصين، الاستثمارات غير المحمية سياسيًا يمكن إعادة تعريفها مع أي تغيير في موازين القوة.
ثالثًا، هناك أثر نفسي وسياسي على شركاء الصين الآخرين. إذا استطاعت الولايات المتحدة استعادة فنزويلا بالكامل، فذلك يعزز الاعتقاد بأن النفوذ الأمريكي لا يزال قادرًا على الإطاحة بنفوذ الصين في الدول الهشة. هذا سيدفع بعض الأنظمة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى التعامل مع الصين بحذر أكبر، ليس خوفًا منها، بل خوفًا من العواقب الأمريكية لاحقًا. النفوذ لا يقوم فقط على القوة، بل على الإحساس بالاستدامة، وهنا تتلقى الصين ضربة معنوية.
رابعًا، سيؤدي ذلك إلى تقليص خيارات الصين في أمن الطاقة. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، وكانت تمثل للصين رهانًا بعيد المدى لتأمين مصادر طاقة خارج مناطق التوتر الآسيوية. خضوع هذا المورد لمنظومة أمريكية–غربية سيعيد الصين إلى دائرة الاعتماد الأكبر على الشرق الأوسط وروسيا، ما يضعف هامش المناورة الاستراتيجي لديها في أوقات الأزمات.
مع ذلك لا ينبغي المبالغة في حجم الخسارة. فنزويلا ليست عقدة مركزية في الاستراتيجية الصينية، والصين لا تبني نفوذها على نقاط معزولة بل على شبكة واسعة. بكين ستتعامل مع السيطرة الأمريكية بوصفها خسارة موضعية لا تستدعي مواجهة مباشرة. لكنها ستستخلص درسًا واضحًا: في مناطق النفوذ الأمريكي الصريح، لا يكفي المال وحده، ولا بد من تحصين المصالح بأدوات قانونية وتنويع الشراكات وتقليل الرهان على أنظمة معزولة.