عرب جورنال / كامل المعمري -
السيطرة الأمريكية على قطاع النفط الفنزويلي وإعلانها عن "إدارة" البلاد يضع مصير الديون والاستثمارات الصينية والروسية الضخمة في فنزويلا على المحك، يحولها إلى ورقة مساومة جيوسياسية في صراع القوى العظمى.
فبكين وموسكو، اللتان كانتا الداعمين الماليين والسياسيين الرئيسيين لنظام نيكولاس مادورو، تجدان نفسيهما الآن أمام خطر خسارة مليارات الدولارات، في سيناريو يمثل ضربة اقتصادية مزدوجة تضاف إلى الخسائر الجيوسياسية.
تعد الصين أكبر دائن لفنزويلا، حيث تشير التقديرات إلى أن إجمالي ديون فنزويلا للصين قد يصل إلى 112.8 مليار دولار، على الرغم من أن الديون المتبقية بعد عمليات إعادة الهيكلة المتعددة واتفاقيات "النفط مقابل القروض" تقدر بحوالي 60 مليار دولار وقد استثمرت الصين هذه المبالغ الضخمة لضمان إمدادات النفط الخام الثقيل، حيث كانت فنزويلا تمثل شرياناً حيوياً لأمن الطاقة الصيني.
أما روسيا، فديونها السيادية المباشرة أقل، حيث تبلغ حوالي 3.5 مليار دولار (معظمها ديون مرتبطة بصفقات السلاح وتمت إعادة هيكلتها في 2017)، لكن استثماراتها في قطاع النفط الفنزويلي عبر شركات مثل "روس نفط" كانت تقدر بمليارات الدولارات في مشاريع مشتركة
وفي حال نجحت السيطرة الأمريكية على فنزويلا، سوف يبرز مفهوم "الديون البغيضة" (Odious Debt) كأداة قانونية محتملة تستخدمها الإدارة الجديدة. تنص هذه النظرية، التي وإن لم يتم الاعتراف بها بالكامل كقانون دولي، على أن الديون التي تتحملها حكومة غير ديمقراطية دون موافقة الشعب وتستخدم لأغراض لا تخدم مصالحه، يمكن أن تعتبر باطلة وغير ملزمة للحكومة الجديدة
من المرجح أن تستخدم الإدارة الأمريكية هذه النظرية للطعن في شرعية القروض الصينية والروسية، بحجة أنها كانت تهدف إلى دعم نظام مادورو "غير الشرعي" وتم استخدامها لقمع الشعب الفنزويلي، وليس لمصلحة الدولة. هذا الموقف القانوني، المدعوم بالقوة السياسية الأمريكية، يمنح واشنطن نفوذاً هائلاً في مفاوضات إعادة هيكلة الديون الفنزويلية، والتي تقدر إجمالاً بأكثر من 200 مليار دولار.
الرسالة الجيوسياسية: ضربة اقتصادية مزدوجةإن مصير هذه الديون لا يتعلق فقط بالمال، بقدر ماهو جزء من استراتيجية أمريكية أوسع لتقويض النفوذ الصيني والروسي في أمريكا اللاتينية.
بالنسبة للصين تمثل السيطرة الأمريكية على النفط الفنزويلي تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الصيني، حيث ستفقد بكين مصدر إمداد رئيسي ومضمون عبر اتفاقيات "النفط مقابل القروض". كما أن الضغط على الديون الصينية يمثل رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة لن تتسامح مع محاولات بكين لترسيخ نفوذها الاقتصادي في "الفناء الخلفي" لأمريكا.
اما بالنسبة لروسيا الخسارة هنا جيوسياسية واقتصادية. فبالإضافة إلى خطر مصادرة الأصول النفطية الروسية في المشاريع المشتركة، فإن فقدان فنزويلا كحليف يمثل تراجعاً في طموحات موسكو العالمية. كما أن استخدام الإدارة الأمريكية لعائدات النفط الفنزويلي لتعويض الشركات الأمريكية وإعادة الإعمار، بدلاً من سداد الديون الروسية، يمثل عقاباً مباشراً على دعم موسكو لنظام مادورو
في الختام، فإن مصير الديون والاستثمارات الصينية والروسية في فنزويلا أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بالمصالح الأمريكية. ومن المرجح أن يتم التعامل مع هذه الديون في إطار عملية إعادة هيكلة شاملة، حيث ستسعى واشنطن إلى تجميد أو إلغاء جزء كبير منها، مما يحقق هدفين استراتيجيين في آن واحد: تخفيف العبء المالي عن فنزويلا الجديدة، وتوجيه ضربة اقتصادية موجعة للمنافسين العالميين.