يناير 6, 2026 - 23:59
القرصنة الأمريكية: اختطاف الرئيس مادورو وإدارة فنزويلا كغنيمة نفطية

عرب جورنال _ توفيق سلاَّم 

ما يحدث في فنزويلا ليس أزمةً عابرة ولا اشتباكًا سياسيًا محدودًا، بل لحظة كاشفة لانهيار ما تبقى من أوهام النظام الدولي. هنا تتعرى القوة حين تُفلت من كل قيد، وتتحول الدولة إلى غنيمة، والرئيس إلى رهينة، والثروة إلى هدف مشروع للنهب. 

ليست فنزويلا ساحة بعيدة عن خرائط الصراع، بل جبهة مكشوفة في قلب المعركة العالمية على الموارد والسيادة. ما جرى في كاراكاس لا يمكن توصيفه إلا باعتباره عملية قرصنة دولية مكتملة الأركان، نفذتها الولايات المتحدة بوقاحة القوة، وبمنطق الغلبة العسكرية، خارج كل الأعراف، ودوسًا متعمّدًا على ميثاق الأمم المتحدة، وعلى فكرة الدولة المستقلة ذاتها.

خطف رأس الدولة 

الهجوم على العاصمة كاراكاس واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وعقيلته اعتداء صارخ على سيادة واستقلال شعوب أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

 لم يكن عملًا ارتجالًا ولا رد فعل، بل ثمرة عمل استخباري طويل، لعبت فيه شبكات العملاء من الداخل دورًا حاسمًا في تحديد تحركات الرئيس نيكولاس مادورو، ومواقع الحماية، ونقاط الضعف في الطوق الأمني. هذه ليست رواية سياسية، بل نموذج كلاسيكي لانقلابات الإمبراطورية، اختراق داخلي، شلل مؤسسي، ضربة خاطفة، ثم خطف رأس الدولة ونقله قسرًا إلى سفينة أمريكية، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول القرصنة البحرية، ولكن بزي حديث وعلم دولة عظمى.

اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، وإهانته علنًا، وأمام وسائل الإعلام، ومحاكمته ليس فقط جريمة بحق شخص مادورو، بل صفعة مهينة في وجه الشعب الفنزويلي بأكمله، وخدش فاضح في الضمير العالمي. إنها رسالة مكتوبة بالحديد والنار، من يملك الموارد ولا يخضع، يُسحب بالقوة، وتُنهب بلاده، تحت أي ذريعة وإن كانت تافهة، مثل تهريب المخدرات، أو حتى باسم "الديمقراطية"، 

وتصديرها كديكور في الحرب الناعمة.

وهنا، لا بد من تسمية الدافع الحقيقي دون مواربة"النفط".

فنزويلا، بحسب تقارير الطاقة الدولية، تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم يُقدر في بعض الدراسات بما يقارب خمس الاحتياطي العالمي المؤكد إلى جانب ثروات هائلة من الغاز، والذهب، والمعادن النادرة. ما تريده واشنطن ليس تغيير نظام، أو ديمقراطية، بل تغيير ملكية الثروة. إدخال الشركات النفطية الأمريكية ليس استثمارًا، بل نهب منظم تحت حماية المارينز.

هذا السلوك ليس استثناءً، بل امتداد طبيعي لتاريخ الإمبريالية الأمريكية من إيران 1953، إلى غواتيمالا، إلى العراق، إلى ليبيا، وها هي فنزويلا. الفارق الوحيد أن الوقاحة باتت علنية، والخطاب أكثر تبجحًا، القوة تسبق القانون، والنتائج تُشرعن الجريمة.

القرصنة تهديد للسلم العالمي

هنا يتجاوز الخطر حدود أمريكا اللاتينية. فالقرصنة الأمريكية على فنزويلا تهديد مباشر للسلم العالمي، وسابقة خطيرة تجعل من أي دولة غنية بالموارد، هدفًا مشروعًا. من يضمن ألّا يُعاد إنتاج السيناريو ذاته في كولومبيا أو كوبا، أو الجزائر، أو شرق المتوسط؟ إنها سياسة فرد العضلات لشرعنة السرقة، وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، بما يخدم المشروع الصهيوني، ويؤمّن التفوق الطاقي والعسكري، ويُستخدم في الوقت ذاته كأداة ضغط استراتيجية على الصين، التي تعتمد بشكل متزايد على مصادر طاقة مستقلة خارج الهيمنة الأمريكية.

في هذا السياق، لا يمكن فصل واشنطن عن تل أبيب. النموذج واحد، والسلوك واحد، ومنطق الإفلات من العقاب واحد. ليست فنزويلا تفصيلًا في نشرة الأخبار، ولا نيكولاس مادورو اسمًا عابرًا في قاموس الصراعات الدولية. ما يجري هناك هو اختبار فاضح لإرادة العالم، ومرآة مكبِّرة لطبيعة النظام الدولي الذي تقوده اليوم وقاحة دونالد ترامب، وتُنفذه دموية بنيامين نتنياهو، وتُباركه شبكة هيمنة لا ترى في الشعوب سوى عوائق يجب كسرها أو أسواقًا يجب ابتلاعها.

ترامب لا يُخفي مشروعه حصار، ابتزاز، انقلاب ناعم أو خشن، ثم ادعاء الديمقراطية. ونتنياهو، المتمرس في المجازر يوفر النموذج إفلات من العقاب، تسويق للقتل، وتطبيع مع الخراب. بين الاثنين تُدار آلة واحدة، تُبدل الجغرافيا وتُوحِّد الهدف، إخضاع كل من يرفض الركوع.

من هنا، فإن التضامن مع فنزويلا ليس موقفًا عاطفيًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. هو دفاع عن فكرة السيادة نفسها، عن حق الشعوب في اختيار مسارها دون وصاية، ودون عصا العقوبات التي تُلوح بها واشنطن كلما عصى أحد.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه وبقسوة موجه إلى دول المحور المقاوم وحلفائه الكبار من روسيا إلى الصين إلى كوريا الشماليّة إلى متى؟

إلى متى تُدار المعركة بردود الفعل؟

إلى متى يُترك ترامب ليستعرض حصاره، ونتنياهو ليستعرض مجازر الدماء، فيما يُراكم الطرف الآخر الوقائع ويعيد رسم التّوازنات؟

لقد أثبتت التجربة أن التهدئة، لا توقف الجشع، وأن الانتظار لا يشتري السلام. الصمت في لحظات التحول الكبرى ليس حيادًا، بل مشاركة موضوعية في ترسيخ منطق القوة الغاشمة، باعتبارها التفسير الجوهري الذي يجعل الولايات المتحدة لا تتعامل مع رئيس كوريا الشمالية بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع رئيس فنزويلا واضح ولا يحتاج كثير شرح.

امتلاك سلاح الردع 

أصبح مسألة امتلاك أسلحة الردع ضرورة لحماية الأمن القومي للدول.. كوريا الشمالية تمتلك سلاحا نوويًا وصواريخ قادرة على إيقاع دمار شامل، وهذا السلاح لا يُستخدم للتهديد بقدر ما يُستخدم لمنع الآخرين من التفكير في الاعتداء.

من يملك الردع الحقيقي لا يُهان ولا يُخطف ولا يُفرض عليه ما لا يريد.

في المقابل، رئيس فنزويلا لا يملك هذا النوع من الردع.

الولايات المتحدة لم تتعامل معه كرئيس دولة ذي سيادة، بل كملف أمني، أُلصقت به تهم حيازة سلاح وتهريب مخدرات وغيرها، ليُعامل كما يُعامل أي متهم عادي داخل المنظومة الأمريكية.

الإهانة هنا ليست شخصية، بل رسالة سياسية موجهة إلى دول وشخصيات أخرى مفادها أن من لا يملك القوة سيُسحق مهما كانت صفته.

الأخطر من ذلك أن رئيس فنزويلا تُرك وحيدًا.

الصين وروسيا وإيران وكوبا وكولومبيا وغيرها لم تفعل شيئا يتجاوز الكلام.

لأن أحدًا لن يدخل حربًا مع الولايات المتحدة من أجل شخص أو نظام لا يملك أوراق قوة حقيقية.

في النهاية، لا يحميك إلا سلاحك وقوة شعبك، لا البيانات ولا التحالفات الورقية.

السلاح الذي يحمي الدول هو السلاح المصنوع داخلها، بقرارها المستقل وبرمجته وشيفراته الوطنية الخالصة.

أما من يعتمد على سلاح أمريكي أو روسي أو غيره، فعليه أن يسأل نفسه سؤالا بسيطًا.

هل هذا السلاح سيُستخدم لحمايتي إذا تعارضت مصلحتي مع مصلحة من صنعه.

الأسئلة المؤلمة في الحالة الفنزويلية كثيرة.

أين كانت منظومات الإنذار المبكر.. أين كانت الرادارات والأقمار الصناعية.. كيف دخلت قوة صغيرة واختطفت رأس الدولة من القاعدة العسكرية، دون أن تُستشعر العملية مسبقًا.

أين كانت المخابرات العامة والحربية.

ولماذا لم تُرفع درجة الجاهزية في وقت مناسب.

على النقيض تمامًا، ترفض كوريا الشمالية حتى مجرد فتح نقاش حول سلاحها النووي.

وحين حاول الوسطاء إيصال رسائل عن تنازلات مقابل امتيازات اقتصادية، كان الرد حاسمًا ومهينًا في آن واحد.

الرسالة الكورية كانت واضحة.

لا سيادة بلا سلاح، ولا كرامة تُقايض بالوعود الورقية.

إعلان ترامب أن أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أمريكي مغلقة أمام أي تدخل خارجي هو ممارسة صريحة لمفهوم السيادة كما يفهمه الغرب.

أي أن جوارك الجغرافي عمقك الاستراتيجي، ومن حقك أن تفرض إرادتك فيه بالقوة إن لزم الأمر.

العالم الغربي عالم مخادع.

لا تحكمه أخلاق ولا قوانين دولية ولا أمم متحدة إلا بقدر ما تخدم مصالحه.

القوة وحدها هي اللغة التي يفهمها ويحترمها.

الخلاصة بسيطة وقاسية في الوقت نفسه.

القانون الوحيد الذي يحميك في هذا العالم هو أن تمتلك عقيدة صلبة، وكرامة حقيقية، وسلاحًا رادعًا، وعلمًا، وعدلًا داخل مجتمعك.. ما عدا ذلك كله أوهام لا تحمي دولة ولا تصون شعبًا.