عبدالرزاق علي ـ عرب جورنال:
التصريحات المنسوبة لمسؤول رفيع في المجلس الانتقالي الجنوبي لصحيفة هآرتس لا يمكن التعامل معها كحادثة إعلامية عابرة أو “سوء تعبير”. نحن أمام تحول خطير في الخطاب السياسي، يكشف حجم الارتباك الذي يعيشه الانتقالي، ويفضح استعداد قيادته للذهاب بعيدًا في المقايضات السياسية، حتى لو كان الثمن هو الارتماء العلني في حضن الاحتلال الإسرائيلي.
أن يطالب فاعل يمني، يدّعي تمثيل “إرادة شعب الجنوب”، إسرائيل بالضغط على السعودية، فهذه ليست دبلوماسية، بل استدعاء صريح لقوة احتلال خارجية للتدخل في الشأن اليمني. هذا السلوك يضع الانتقالي في موقع لا يمكن الدفاع عنه وطنيًا أو أخلاقيًا، ويجرّده من أي خطاب سيادي كان يرفعه سابقًا.
الخطير هنا ليس فقط مخاطبة إسرائيل، بل طريقة تبرير هذا السلوك. المسؤول الانتقالي يحاول تسويق نفسه كضحية لسياسات سعودية “تخدم أنصار الله والإخوان”، في خطاب انتقائي يخلط الخصوم جميعًا في سلة واحدة، بهدف تبرير الاستعانة بأي طرف، مهما كان تاريخه أو موقعه من قضايا الأمة. هذا منطق براغماتي فج، لا علاقة له لا بالتحرير ولا بالاستقلال.
الأكثر فجاجة هو محاولة تقديم إسرائيل كطرف “محايد” أو “مؤثر إيجابي” يمكنه إصلاح الخلل الإقليمي. هنا يسقط الخطاب الانتقالي سقوطًا مدويًا. فإسرائيل ليست وسيطًا نزيهًا، ولا قوة سلام، بل كيان قائم على الاحتلال، وممارس يومي للقتل والتهجير بحق شعب فلسطين. من يطلب دعمها، لا يطلب نفوذًا سياسيًا فقط، بل يمنحها شرعية سياسية مجانية.
محاولة الانتقالي ربط موقفه بإدانة أنصار الله وإيران لا تنقذه. العداء للأنصار لا يبرر التحالف مع الاحتلال. ولا توجد معادلة وطنية تقول: “عدو عدوي صديقي”، عندما يكون هذا “الصديق” كيانًا استعماريًا مغتصبًا للأرض. هذه ليست سياسة، بل انهيار أخلاقي كامل.
أما الحديث عن أن السعودية “تساعد أعداء الجنوب على احتلال أرضه”، فهو خطاب مزدوج المعايير. فالانتقالي نفسه نشأ وترعرع بدعم خارجي، واعتمد منذ البداية على المظلة الإقليمية، ولم يكن يومًا مشروعًا مستقلًا بالمعنى الحقيقي. الاعتراض ليس على التدخل الخارجي من حيث المبدأ، بل على نوع التدخل والجهة المتدخلة، بحسب مصلحة القيادة لا مصلحة الأرض.
الفقرة المتعلقة بالانسحاب الإماراتي تكشف بدورها حالة العجز السياسي. الاعتراف بأن الإمارات “لا تستطيع مواجهة السعوديين” يعني ضمنيًا أن الانتقالي فاقد للاستقلال الاستراتيجي، ويتحرك وفق سقف مرسوم له. وعندما يضيق هذا السقف، لا يتردد في البحث عن سقف آخر، حتى لو كان سقف تل أبيب.
أما الحديث عن “إرادة شعب جنوب اليمن”، فهو استخدام فج لمفهوم ثقيل. الإرادة الشعبية لا تُستدعى عبر صحف إسرائيلية، ولا تُعبّر عنها قيادات تفاوض باسمها خلف ظهرها. لو كان الانتقالي واثقًا فعلًا من هذه الإرادة، لما احتاج إلى وساطة إسرائيل ولا إلى ترويج نفسه في الإعلام العبري.
الاقتراح بإجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة بعد عامين يبدو في ظاهره طرحًا ديمقراطيًا، لكنه يأتي في سياق ابتزاز سياسي: إما القبول بمشروع الانتقالي، أو تحميل السعودية مسؤولية “تسليم اليمن”. هذا خطاب ضغط، لا خطاب شراكة، ويعكس عقلية صدامية لا تبني دولة.
الأكثر إثارة للقلق هو التصريح المتعلق بالانضمام إلى “اتفاقيات إبراهيم” مستقبلًا. هنا يخرج الانتقالي من خانة المناورة السياسية إلى التموضع الصريح في محور التطبيع، دون أي تفويض شعبي، ودون أي اعتبار لموقف اليمن التاريخي من القضية الفلسطينية. وكأن فلسطين تحولت إلى بند تفاوضي ثانوي، يمكن تجاوزه مقابل اعتراف دولي أو دعم سياسي.
في المحصلة، هذه التصريحات لا تخدم قضية الجنوب، بل تسيء إليها. لا تضعف السعودية بقدر ما تضعف مصداقية الانتقالي نفسه. ولا تقرّب الاستقلال، بل تعزله أخلاقيًا وسياسيًا عن محيطه الشعبي والعربي.
الانتقالي اليوم لا يبدو كحركة تحرر، بل كمشروع مأزوم، يبحث عن رعاة جدد كلما تخلّى عنه راعٍ قديم. ومن يستنجد بالاحتلال ليحسم خلافاته الإقليمية، لا يملك مشروع دولة، بل مشروع سلطة… بأي ثمن.