يناير 4, 2026 - 16:14
عاصفة ما بعد كاراكاس: كيف فجّرت عملية اعتقال مادورو مواجهة مفتوحة بين واشنطن والنظام الدولي؟


ترجمة وتحرير / نسيم أحمد - عرب جورنال 

لم تمضِ ساعات على إعلان واشنطن تنفيذ عملية عسكرية داخل الأراضي الفنزويلية واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، حتى تحولت القضية إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في السياسة الدولية مطلع عام 2026. العملية، التي أكدت الولايات المتحدة أنها استهدفت “رئيسًا متهمًا بالإرهاب وتهريب المخدرات”، لم تُقرأ عالميًا بوصفها إجراءً أمنيًا فحسب، بل كخطوة غير مسبوقة تهزّ أسس السيادة والقانون الدولي.

بحسب ما نقلته وكالة رويترز، قالت الإدارة الأمريكية إن اعتقال مادورو جاء بعد “عملية دقيقة” نفذتها قوات خاصة داخل فنزويلا، قبل نقله إلى نيويورك لمواجهة تهَم جنائية قائمة منذ سنوات. الرئيس الأمريكي صرّح، وفق CBS News، أن بلاده “ستتولى إدارة الشأن الفنزويلي مؤقتًا” لضمان الاستقرار ومنع انهيار الدولة، في تصريح فتح بابًا واسعًا للتأويل والانتقاد.

مشاهد مادورو مكبّل اليدين أثناء وصوله إلى الولايات المتحدة، التي بثتها ABC News، سرعان ما تحولت إلى صورة رمزية للحدث، وأشعلت موجة غضب سياسي وإعلامي داخل وخارج أمريكا اللاتينية.

الصين كانت من أوائل الدول التي عبّرت عن رفضها الصريح، إذ اعتبرت وزارة خارجيتها – بحسب ما نقلته الجزيرة – أن ما جرى “انتهاك صارخ لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة”، محذّرة من تداعيات خطيرة على الاستقرار العالمي.

في أمريكا اللاتينية، عبّرت البرازيل عن موقف لا يقل حدّة، إذ نقلت رويترز عن مسؤولين برازيليين قولهم إن الولايات المتحدة “تجاوزت خطًا غير مقبول”، مع مخاوف من أن تؤدي العملية إلى موجة لجوء واضطراب إقليمي واسع.

أما روسيا وإيران، فقد وصفتا العملية بأنها “سابقة خطيرة”، ودعتا – وفق The National – إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن، معتبرتين أن تبرير التدخل العسكري بهذه الطريقة قد يفتح الباب أمام فوضى في العلاقات الدولية.

المواقف الأوروبية بدت أكثر حذرًا، لكنها لم تكن أقل قلقًا. عدة عواصم أوروبية شددت، بحسب الجزيرة، على ضرورة احترام ميثاق الأمم المتحدة، محذّرة من تقويض قواعد النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية.

الأمم المتحدة من جهتها عبّرت عن “قلق بالغ”، وفق تصريحات نقلتها The Guardian، مشيرة إلى أن اعتقال رئيس دولة بالقوة خارج أي تفويض أممي قد يشكّل سابقة تُستخدم مستقبلًا لتبرير تدخلات أحادية الجانب.

خبراء قانونيون تحدثوا لصحيفة الغارديان أكدوا أن العملية تصطدم مباشرة بالمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة. ويرى هؤلاء أن وجود مذكرات توقيف أو اتهامات جنائية لا يمنح، من منظور القانون الدولي، الحق في تنفيذ عملية عسكرية داخل دولة ذات سيادة دون موافقة مجلس الأمن.

هذا الجدل القانوني لم يبقَ أكاديميًا فقط، بل انعكس على الخطاب السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها.

داخل واشنطن، نقلت وسائل إعلام أمريكية، و رويترز، عن أعضاء في الكونغرس – من الحزبين – تشكيكهم في شرعية العملية، معتبرين أنها نُفذت دون تفويض تشريعي، ما يثير تساؤلات دستورية حول صلاحيات استخدام القوة خارج إطار الحرب المعلنة.

كما شهدت مدن أمريكية عدة احتجاجات مناهضة للتدخل العسكري، وفق تقارير CBS News، رُفعت خلالها شعارات تندد بـ”تكرار نماذج التدخل القديمة”.

اقتصاديًا، لم يتأخر التأثير. تقارير نشرتها صحف اقتصادية دولية أشارت إلى ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات، في ظل حالة عدم اليقين التي تعيشها فنزويلا، إحدى الدول المالكة لأكبر احتياطي نفطي في العالم.

سياسيًا، تبدو أمريكا اللاتينية أمام مرحلة حساسة، حيث حذرت تحليلات بثتها الجزيرة من أن استمرار التوتر قد يعيد المنطقة إلى أجواء الاستقطاب الحاد والتدخلات الخارجية.

عملية اعتقال مادورو لم تكن مجرد حدث أمني عابر، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمدى صلابة النظام الدولي القائم على السيادة والقانون. وبينما تصرّ واشنطن على تبرير خطوتها باعتبارها “ضرورة أمنية”، ترى غالبية العواصم العالمية أن ما جرى يفتح بابًا خطيرًا قد يصعب إغلاقه.

في عالم يعاني أصلًا من تصدعات سياسية وحروب مفتوحة، تبدو فنزويلا اليوم ساحة جديدة لصراع أكبر: صراع بين منطق القوة ومنطق القانون، وبين نظام دولي يحاول الصمود، وواقع دولي يعيد رسم قواعده بالقوة.