عرب جورنال / توفيق سلاًّم -
ما جرى الإعلان عنه من اعتراف إسرائيلي بما يُسمى "أرض الصومال" لا يمكن قراءته كحدث دبلوماسي عابر أو خطوة منفصلة عن سياقها، بل هو لحظة كاشفة لمسار طويل من الترتيبات الخفية، أعادت خلاله قوى إقليمية في مقدمتها الإمارات هندسة الجغرافيا السياسية للقرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر، على نحو يخدم مشروع الهيمنة الصهيونية على أحد أخطر وأهم ممرات التجارة والطاقة في العالم. نحن أمام مشهد تراكمي، لم يُبنَ دفعة واحدة، بل تشكل عبر سنوات من التفكيك المنهجي للدول، وعسكرة الموانئ، وصناعة وكلاء محليين، حتى صار الإعلان الإسرائيلي مجرد تتويج علني لما كان يُدار في الظل.
إعادة توزيع موازين القوة
الاعتراف الإسرائيلي "بـأرض الصومال" ليس سوى رأس جبل الجليد لمخطط استراتيجي أعمق، يستهدف إعادة توزيع موازين القوة في مربع حيوي يمتد من باب المندب وخليج عدن إلى البحر الأحمر والبحر العربي. هذا المربع، الذي يمثل شريانًا أساسيًا للتجارة العالمية وأمن الطاقة، ظل لعقود عصيًّا على الاختراق الإسرائيلي المباشر، بفعل الرفض الإقليمي وحساسية الوجود الصهيوني في الجغرافيا العربية والإسلامية. غير أن هذا العائق جرى الإلتفاف عليه عبر وسيط إقليمي قبل أن يكون شريكًا، لعب دور "حصان طروادة" بكل ما تحمله الكلمة من دلالة تاريخية وسياسية.
قدمت أبوظبي نفسها كقوة استثمارية وتنموية، بينما كانت في الواقع تُعيد تعريف الأمن في المنطقة من زاوية تخدم تل أبيب وواشنطن معًا. وبفضل فائضها المالي، وشبكة علاقاتها الاستخبارية، وقدرتها على العمل تحت عناوين "الاستقرار" و"مكافحة الإرهاب"، نجحت في فتح الأبواب المغلقة أمام الوجود الصهيوني، دون أن تضطر إسرائيل لتحمل كلفة المواجهة المباشرة مع شعوب المنطقة.
المنهج الذي اتبعته الإمارات لم يكن احتلالًا تقليديًا، بل استراتيجية تفكيك ناعمة قائمة على صناعة وكلاء محليين، وتمويل كيانات انفصالية، وإضعاف الدول المركزية من الداخل.
في اليمن، جرى الاستثمار في تفتيت الجغرافيا السياسية عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، والسيطرة على عدن ومحيطها، وتحويل جزر استراتيجية مثل سقطرى وميون وعبد الكوري وزقر إلى نقاط ارتكاز استخبارية وعسكرية، تؤمّن الضفة الشرقية لباب المندب وتضعه فعليًا تحت المراقبة المشتركة. وفي الساحل الغربي، أُعيد إنتاج قوى عسكرية وظيفية تضمن الإمساك بمفاصل الشريط الساحلي، بما يخدم معادلة السيطرة على الممر البحري الأخطر في المنطقة.
بربرة منصة جيوسياسية
وفي الصومال، اتخذ المشروع شكله الأكثر وضوحًا عبر "أرض الصومال"، حيث يتم تحويل ميناء بربرة تحت إدارة موانئ دبي من منشأة تجارية إلى ركيزة جيوسياسية، يُرجح أن تكون منصة قاعدة عسكرية مستقبلية للنفوذ البحري الإسرائيلي في القرن الإفريقي، لكن بغطاء إماراتي يمنحها شرعية زائفة. أما في السودان، فقد جاء الانخراط الإماراتي في دعم قوات الدعم السريع ضمن مسعى للسيطرة غير المباشرة على الساحل السوداني، ومنع تشكل سلطة وطنية قادرة على تعطيل مشاريع الهيمنة على البحر الأحمر.
هذه التحركات، حين تُقرأ كوحدة واحدة، تكشف عن نمط متكرر لتفكيك الدول، وتحييد الجيوش الوطنية، وتمكين الفواعل المسلحة غير الدولتية، ثم تسليم الجغرافيا المُنهكة لمشاريع كبرى لا تملك الشعوب فيها أي قرار. وهنا تحديدًا يتضح البعد الوظيفي للدور الإماراتي، فحجم الانتشار العسكري والسياسي الذي حققته أبوظبي يتجاوز بكثير وزنها الديموغرافي وقدراتها الذاتية، ما يؤكد أنها تعمل ضمن أجندة أوسع لقوى الهيمنة الدولية، وفي القلب منها المشروع الصهيوني.
الاعتراف الإسرائيلي "بأرض الصومال" جاء ليؤكد صحة التحذيرات التي أُطلقت منذ سنوات، من أن ما يجري ليس صراعًا محليًا ولا تنافسًا اقتصاديًا بريئًا، بل إعادة رسم للخريطة الاستراتيجية للمنطقة على حساب سيادة الدول ووحدة المجتمعات.
إنشاء قاعدة عسكرية في ميناء بربرة تشكل تهديدًا، على الأمن القومي اليمني، وهذا مالم تسمح به اليمن، وقد سبقت تحذيرات صنعاء من مغبة هذا المخطط. فكل رصاصة أُطلقت لتفتيت اليمن، وكل دولار صُرف لإضعاف الصومال، وكل دعم قُدّم لميليشيات في السودان، لم يكن إلا لبنة في مشروع أوسع يهدف إلى إحكام القبضة الإسرائيلية على الملاحة الدولية وتحويل البحر الأحمر من مجال عربي إلى ممر خاضع لإرادة الاحتلال وحلفائه.
بهذا المعنى، لم تعد الإمارات مجرد لاعب إقليمي مثير للجدل، بل تحولت إلى أداة مركزية في تنفيذ مشروع اختراق استراتيجي خطير، يهدد الأمن القومي العربي في خاصرته البحرية. وما لم يُواجه هذا المسار بوعي سياسي واستراتيجي جامع، فإن ما نشهده اليوم في أرض الصومال قد يتكرر غدًا في خرائط أخرى، وبعناوين مختلفة، لكن بالهدف ذاته، تفكيك المنطقة لتسهيل السيطرة عليها.