ما تزال أصداء معركة طوفان الأقصى التاريخية تَرُجّ أرجاء المنطقة والإقليم والعالم. وفي سياق ذلك تستضيف "عرب جورنال" القيادي في حركة الشعب التونسية الشادلي معرفي، للحديث عن أبرز الأحداث والمتغيرات المتعلقة بهذه المعركة، والتعريج على الموقف الشعبي والرسمي في تونس مما جرى من إبادة جماعية بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. ويتطرّق الحوار إلى مسلسل الانقلابات العسكرية التي أطاحت ببعض الأنظمة الموالية للغرب في أفريقيا خلال الآونة الأخيرة، وما إذا كان ما حدث ويحدث في سياق نضالي شعبي حقيقي لتحرير البلدان الأفريقية من قبضة الاستعمار وتحقيق الاستقلال المنشود، أم في إطار صراعات داخلية على السلطة. كما يتطرق الحوار إلى أهمية الموقف اليمني الداعم لغزة، وانعكاسات هذا الموقف في المساهمة كعامل حاسم في تقويض المخططات الأمريكية الصهيونية التي تُحاك ضد الأمة العربية والإسلامية. ويسلّط الحوار الضوء على ملفات سياسية أخرى.
عرب جورنال / حوار / حلمي الكمالي
الموقف اليمني الصلب قدّمَ نموذجاً استثنائيًا في دعم غزة عسكرياً وسياسياً، وأكد قدرة الشعوب على قلب موازين الردع ومواجهة الهيمنة الأمريكية الصهيونية
اليمن جسد شرف الأمة وعزّتها، وأنجز ما يأمله كل عربي ومسلم وكل أحرار العالم، وأثبت أن أبطال اليمن تجاوزوا حسابات الربح والخسارة ليجعلوا مبادئهم معيار النصر الحقيقي
وقفة اليمن الصلبة رفعت معنويات الأمة وأعادت ثقة الشعوب بقدرتها على مواجهة العدوان، وأربكت حسابات العدو الذي ظنّ أن فلسطين ستبقى وحيدة، لتؤكد أن اليمن ركيزة وزنٍ وأمانٍ في محور المقاومة
الموقف اليمني الشجاع أصبح قوة ردع استراتيجية تجبر القوى المعادية على إعادة حساباتها ألف مرة قبل التفكير في أي مخطط يستهدف الأمة العربية والإسلامية
معركة طوفان الأقصى تشكّل محطة تاريخية مفصلية في مسار الصراع مع الكيان الصهيوني، وتؤكد استمرار المقاومة كخيار حتمي حتى التحرير الكامل للأراضي المحتلة
حركة الشعب التونسية تتمسك بشعارها المبدئي "لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع الاحتلال"، وتواصل دعم المقاومة الفلسطينية ميدانياً وسياسياً بلا تردد أو مساومة
المواقف الشعبية التونسية تظل مناصرة لفلسطين رغم تباينات الساحة السياسية، مع استمرار الجهود لإقرار قانون يجرّم التطبيع ويمنع تمرير أي اختراق صهيوني
الأزمة السياسية في تونس تعكس توتراً متصاعداً بين السلطة والمعارضة، فيما تحافظ حركة الشعب على موقع ثالث يرفض الاستقواء بالخارج ويصون القرار الوطني وتدعو إلى معالجة الخلافات الداخلية بالحوار الوطني
التحولات المتسارعة في أفريقيا تكشف صراعاً بين مسار التحرر الشعبي ومحاولات الأنظمة العميلة احتواء التغيير، وسط وعي متنامٍ بأهمية استعادة السيادة والثروات
مستقبل الأمة العربية والإسلامية مرتبط بإدراك ضرورة الوحدة والتحرر من الهيمنة، باعتبارها الطريق الوحيد القادر على حماية الشعوب وإسناد مشروع تحرير فلسطين
_ بصفتكم أحد الشخصيات القيادية الناشطة في حركة الشعب.. ماذا تقولون عن معركة طوفان الأقصى؟ وكيف تعاملتم في الحركة مع هذه المعركة منذ لحظة وقوعها حتى مراحل صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة في وجه العدوان والإبادة الجماعية الصهيونية؟ وما تقييمكم للموقف الذي ظهرت عليه الأحزاب السياسية التونسية والحركات الشعبية من أحداث غزة؟ وهل كان هناك تبايُن بين المواقف الشعبية والموقف الرسمي من وجهة نظركم؟ وما أسباب تلك التباينات والمفارقات إن وُجدت برأيكم؟ وكيف تلخّصون المشهد العام في تونس تجاه القضية الفلسطينية ومسار التطبيع مع الكيان الصهيوني؟
بدايةً، تحية لأرواح شهداء هذه المعركة؛ قادةً ومقاتلين ومواطنين عزّل أبرياء. تحية لأرواحهم على امتداد ساحات المقاومة التي تجاوزت جغرافيا غزة.
بالنسبة لمعركة طوفان الأقصى، أحييك في توصيفها "معركة"، لأنها فعلًا معركة في حرب طويلة سبقتها معارك وستتلوها معارك حتى زوال الكيان الغاصب. وهي نتيجة لما سبق، وليست سببًا فيما لحق، لأن الكيان اللقيط لم يرتبط عدوانه المستمر بسبب، بل بغاية الاحتلال الكامل والإخضاع الشامل.
حركة الشعب شعارها المبدئي الواضح والمعلن: "لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض"، ومن هذا المنطلق كانت مواقفنا وكانت أفعالنا المسانِدة الداعمة لأبطال المقاومة، شعبًا ومقاتلين. وليس منًّا ولا حصرًا أن أقول إنّه كان لنا شرف تنظيم مؤتمر تونس لدعم المقاومة في 13 جانفي 2024، حضرته جلّ فصائل المقاومة على امتداد الوطن العربي، وكانت الحرب في أوجها، ولم يتخلّف مناضلونا وقياداتنا عن التنظيم والمشاركة في أي تظاهرة أو مسيرة داعمة للمقاومة، ودفعنا بمشروع قانون يجرّم التطبيع للمرة الثانية في رحاب البرلمان. إيماننا بأن المقاومة طريق التحرير هو بوصلتنا في تحديد أفعالنا قبل أقوالنا.
والحمد لله، في تونس لا يزال النبض فلسطينيًا لدى جلّ التونسيين مهما كانت مواقعهم. ونأمل بل ونسعى إلى اليوم لإقرار قانون يجرّم التطبيع ويقطع الطريق على ذلك القطار اللعين (التطبيع) حتى لا يفكر مجرد التفكير في المرور بأرضنا.
_ طوال عامين من العدوان على غزة، لم يتوقف اليمن عن دعمها عسكريًا حتى اللحظات الأخيرة لإعلان وقف إطلاق النار. بماذا تصفون هذا الموقف اليمني الصلب في دعم غزة؟ وكيف يمكن أن يساهم هذا الموقف في تقويض محاولات العدو للتفكير في خوض اعتداءات واسعة في المنطقة، في ظل تأكيد القيادات اليمنية اليوم استعدادها التام لدعم غزة ولبنان وأي بلد عربي في مواجهة أي عدوان إسرائيلي جديد؟ وما دلالات وانعكاسات هذا الموقف الاستراتيجية في سبيل الخلاص من قيود الهيمنة الأمريكية الصهيونية على المنطقة؟ وهل يعني أن هذا الموقف اليمني الصلب سيكون مساهمًا وعاملًا حاسمًا في فرملة المخططات التي تُحاك ضد الأمة؟
يمن الشرف والعزّة أنجز ما يأمله كل عربي ومسلم وكل أحرار العالم. يمن الشرف والعزّة في وقفته ودعمه لغزة تخلّى عن "الآلة الحاسبة" لنتائج وتبعات إسناده، لأن مفهوم الربح والخسارة كان أبعد ما يكون عن أبطال اليمن. يقينهم أنهم منتصرون ما انتصروا لمبادئهم، وما خسائر الحرب إلا أوسمة وُشّحت بها صدورهم.
كنّا نفخر باليمن وزدنا فخرًا، وكنّا مطمئنين لأن في الأمة يمنًا وزِنًا وأمانًا. وفي المقابل زاد العدو يأسًا من قناعته بأن فلسطين وحيدة وستكون لقمة سائغة.
اليمن ومحور المقاومة عامةً سجلوا أسماءهم في سجل الشرف، وننحني لهم جميعًا احترامًا وتقديرًا.
نعم، سيكون الموقف اليمني الشجاع والصلب سببًا في جعل تلك القوى تقرأ ألف حساب مستقبلًا قبل التورط في أي مخطط خبيث للنيل من هذه الأمة.
_ في ظل التوترات السياسية التي يشهدها الداخل التونسي خلال الآونة الأخيرة.. هل يمكن أن توضّحوا للمشاهد والقارئ العربي طبيعة هذه التوترات وحقيقة ما يجري من خلافات بين المعارضة والسلطة القائمة برئاسة قيس سعيّد؟ وما هو جوهر هذه الخلافات؟ وما تقييمكم لأداء السلطة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية محليًا وإقليميًا ودوليًا؟ وما نصائحكم وتوصياتكم للنظام والمعارضة لتصحيح الأوضاع ومعالجة الإشكاليات دون الانزلاق إلى الفوضى، في وقت تتربّص فيه الكثير من القوى الأجنبية بتونس لتمرير أجنداتها وأطماعها التاريخية؟
أولًا، لنتفق أن الشأن التونسي هو تونسيّ صرف، تقييمًا ومعالجة. ونحن في حركة الشعب نرفض ورفضنا وسنرفض أي تدخل خارجي يطال شأننا الداخلي كتونسيين. مع أننا اليوم معارضون للسلطة القائمة، لكن لنا مساحتنا الثالثة التي تبعدنا عن أي معارضة تستنجد بالخارج أو تستقوي به، وتبعدنا عن ساحة السلطة التي جنحت سفينتها عن مطالب واستحقاقات 25 جويلية.
حركة الشعب فكر ومشروع وفعل مستمر؛ وطنيةُ المنبت، قوميةُ المعارك، شعبيةُ المطالب. وستكون أول المتصدّين لأطماع الاستعمار القديم المتجدّد وأعوانه.
_ ما موقفكم من التطورات والمتغيرات التي تشهدها القارة الأفريقية خلال الآونة الأخيرة في ظل تكرار مسلسل الانقلابات العسكرية والإطاحة ببعض الأنظمة الموالية للغرب؟ وهل تعتقدون أن ما يجري يأتي ضمن سياق نضالي شعبي حقيقي أم في إطار صراعات داخلية على السلطة؟ وما الذي ينقص حركات التحرر الوطني في القارة لتقوم بواجباتها بالشكل المناسب لتحقيق الأمن والاستقرار والرخاء لشعوبها؟
إفريقيا، على غرار المنطقة العربية، مرّت بحقبة الاستعمار المباشر والانتهاك لثرواتها وحتى لإنسانية الإنسان بالاستعباد. لم تخلُ إفريقيا من الأبطال المقاومين، ولكن لم تخلُ أيضًا من الأنظمة العميلة، وذلك ما ترك للاستعمار منافذ ومسالك وموطئ قدم في أكثر من بلد.
اليوم نشهد صحوة تبشّر بغدٍ مختلف، لكن الطريق إليه لن يكون سهلًا، ويتطلب وعيًا شعبيًا بحق هذه القارة في الاستقلال التام وفي الحفاظ على ثرواتها ومقدّراتها. وهذا دور المثقفين والنخب الإفريقية ووسائل الإعلام وكل المنابر.
في حركة الشعب نحيّي كل نفسٍ إفريقي مقاوم، وإفريقيا ككلّ من ضمن مشروعنا الشامل لبناء علاقات صلبة ومثمرة مع بلدانها بما يخدم صالح الجميع.
_ مع تراكم الأحداث والمتغيرات على امتداد المنطقة والإقليم، ما توقعاتكم لمستقبل دول وشعوب الأمة العربية والإسلامية والأفريقية؟ ومتى يمكن لهذه الشعوب أن تستعيد زمام المبادرة لضبط حراكات الدول والأنظمة بالاتجاه الصحيح، الذي يجب أن تكون بوصلته نحو تحرير فلسطين وترسيخ معادلات الأرض والإنسان؟
المستقبل الأفضل يصنعه المؤمنون بأن المستحيل هو ما لم يتحقق بعد، وليس ما لا يمكن تحقيقه. لكل حدث، مهما كانت سلبياته، جانب مضيء لا ينتبه له المتشائم. الشعب العربي اليوم وبقية الشعوب أدركوا حقائق ربما لم يكن لبعضهم إدراكها لولا الأحداث الأخيرة. وبما أنني عربي، أقول: من لم يدرك أن الوحدة العربية خلاصنا وطريقنا الوحيد للتحرر والتقدم، فهو لم يتعلم شيئًا، بل هو معرّض لما هو أسوأ مما حصل.
الوحدة العربية ليست خيال شاعر حالم ولا فكرة عاطفية؛ هي ضرورة يجب أن يسعى إليها الشعب العربي في كل الأقطار. ونعود فنقول: من لم يرَ أن كل قطر مستهدف، وإن اختلفت آلية الاستهداف وتوقيت تفعيلها، فهو كمن يعتقد أن إغماض عينيه سينجيه من الوحش.
ختامًا، أُكرر التحية للشعب العربي في اليمن ولكل من جعل المقاومة نهجًا وطريقًا وأسلوب حياة. وتحية لكل متابعيكم وقرّائكم.