كشفت تقارير إسرائيلية عن تصدّع خطير يضرب بنية القوى البشرية في جيش الاحتلال، بعدما وجّه رئيس الأركان إيال زامير رسالة تحذير استثنائية إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير “الأمن” يسرائيل كاتس، حذّر فيها من تفاقم أزمة النقص والاستقالات، مطالباً بحسم التشريعات العالقة قبل مطلع كانون الثاني/يناير المقبل.
الرسالة، بحسب ما نقلته “القناة 12” العبرية، لم تكن ضمن المراسلات الروتينية، بل جاءت في أعقاب موجة استقالات واسعة شملت مئات من أفراد الخدمة الدائمة، احتجاجاً على قوانين وتنظيمات جديدة تتعلّق بشروط خدمتهم ومستقبلهم المهني.
زامير عبّر بلهجة حادة عن قلقه من الواقع القائم، مؤكداً وجود “خطر حقيقي” يمسّ جوهر الجيش، ومشيراً إلى تراجع حاد في دافعية أفراد الخدمة الدائمة للاستمرار، وهو ما قد يؤدي – على حد تعبيره – إلى خسارة كوادر مهنية مؤهلة يصعب تعويضها.
وجاء هذا التحذير بعد سلسلة لقاءات ميدانية عقدها رئيس الأركان مع قادة وضباط وأفراد خدمة دائمة، إضافة إلى عائلاتهم، في ظل ضغط متزايد تعيشه المؤسسة العسكرية نتيجة تضخّم المهام الملقاة على عاتقها، إلى جانب قوانين الإعفاء من الخدمة وحملات نزع الشرعية التي تُدار من خارج الجيش، وفق التقرير.
المعطيات التي عُرضت مؤخراً على القيادة السياسية والعسكرية كشفت حجم الأزمة، ووصفتها بأنها الأخطر منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث سُجّل نقص يقارب 1300 ضابط في رتب تتراوح بين ملازم ونقيب، إلى جانب عجز واضح عن تعويض هذا الخلل بكوادر مماثلة من حيث الخبرة والكفاءة، فضلاً عن نقص إضافي يُقدَّر بنحو 300 ضابط في رتبة رائد.
وفي موازاة ذلك، يواجه مشروع “أوفِك”، المخصص لإعداد قيادات المستقبل واحتياط القيادة، تراجعاً لافتاً. فبعد أن وقّع 800 ضابط عام 2021 على التزام خدمة لسبع سنوات، لم يتبقَّ منهم اليوم سوى 500، فيما غادر 300 ضابط قبل إتمام المدة.
التقرير أشار إلى أن الاستنزاف لم يعد محصوراً بالخدمة النظامية أو الاحتياط، بل بات يطال العمود الفقري للجيش، أي أفراد الخدمة الدائمة، مرجعاً ذلك إلى خطاب تحريضي متصاعد ضدهم، وتوصيفات مهينة تتداول في الفضاء العام، إلى جانب تدهور شروط الخدمة بدفع من وزارة المالية، وإشكاليات في مسار التعيينات، ونتائج مقلقة لاستطلاعات داخلية.
وتُظهر هذه الاستطلاعات تراجعاً كبيراً في الرغبة بالاستمرار في الخدمة؛ إذ انخفضت النسبة بين ضباط الصف من 83% عام 2018 إلى 63% عام 2025، بينما تراجعت بين الضباط من 58% إلى 37% خلال الفترة ذاتها. وعلى الصعيد الأسري، أفاد نحو 70% من أفراد الخدمة الدائمة بتأثر عائلاتهم بشكل كبير بمتطلبات الخدمة، مع تسجيل ارتفاع بنسبة 20% في حالات الطلاق داخل هذه الفئة.
وفي سياق متصل، أقرت حكومة الاحتلال إصدار نحو 280 ألف أمر استدعاء للاحتياط خلال العام المقبل، مع توقع استخدام معظمها، ما يعني أن جندي الاحتياط قد يخدم بين 60 و70 يوماً سنوياً، وربما أكثر في حال تدهور الأوضاع الأمنية.
وتحذّر تقديرات عسكرية من أن ما يقارب 30% من أفراد الخدمة الدائمة والاحتياط قد يتغيّبون عن الالتحاق عند تشكيل القوات للعام المقبل، الأمر الذي سيُصعّب على الجيش تنفيذ مهامه الميدانية.
وتخلص “القناة 12” إلى أن جيش الاحتلال يخوض حالياً ما يشبه “معركة كبح” في مواجهة أزمة داخلية متشعبة تمسّ الأمن العام، وسط دعوات متزايدة لتدخّل حكومي عاجل قبل خروج الوضع عن السيطرة.