ديسمبر 15, 2025 - 17:20
حالة دماغية خفية قد تكون مفتاح العبقرية البشرية


لم يكن لحن أغنية Yesterday الشهير لفرقة البيتلز نتاج جلسة عمل موسيقي تقليدية، بل وُلد في لحظة ذهنية غامضة تفصل بين النوم واليقظة، وهي الحالة التي يرى العلماء اليوم أنها أحد أهم مفاتيح الإبداع الإنساني.

هذه الحالة تُعرف علميًا باسم الهيبناغوجيا، وهي مرحلة عابرة يهدأ فيها العقل الواعي وتضعف رقابته المنطقية، ما يسمح للأفكار الدفينة والروابط غير المألوفة بالطفو إلى السطح. وفي هذه المساحة الرمادية بين الحلم والوعي، يصبح الذهن أكثر خصوبة لاستقبال الإلهام.

خلال هذه اللحظات، تتراجع الضغوط الذهنية اليومية، وينخفض الضجيج الداخلي الذي يفرضه التفكير العملي والمنظم، لتظهر أفكار جديدة غالبًا ما تكون أكثر ابتكارًا وجرأة. ولهذا السبب، ترتبط فترات الاسترخاء والراحة، وحتى القيلولة القصيرة، بولادة حلول وأفكار لم تخطر على البال أثناء العمل المكثف.

وتشير أبحاث نفسية حديثة إلى أن التأمل المنتظم يعزز هذا النمط من الإبداع، إذ يساعد على تهدئة العقل الواعي ويفتح المجال أمام العقل الباطن للتعبير عن مكنوناته. وقد أظهرت دراسات أن التأمل يرفع مستويات الانفتاح الذهني ومرونة التفكير، وهما عنصران أساسيان في أي عملية ابتكارية.

أما قصة Yesterday نفسها، فتعود إلى عام 1965، حين استيقظ بول مكارتني ذات صباح على لحن متكامل يتردد في ذهنه. سارع إلى البيانو ليعزفه قبل أن يتلاشى، لكنه لم يصدق في البداية أن هذا الجمال الموسيقي خرج من داخله، وظل لأسابيع يسأل زملاءه الموسيقيين إن كانوا قد سمعوا اللحن من قبل. وبعد بحث طويل، اقتنع أخيرًا بأنه إبداع أصيل تدفق من عقله الباطن في لحظة بين النوم واليقظة.

هذه التجربة ليست استثناءً في تاريخ الإبداع. فقد سبق للعالم الفيزيائي نيلز بور أن استلهم نموذج الذرة الشهير في حالة ذهنية مشابهة، حين تخيل الإلكترونات تدور حول النواة كما تدور الكواكب حول الشمس، وهي الفكرة التي قادته لاحقًا إلى جائزة نوبل.

دراسة علمية نُشرت عام 2021 عززت هذا الفهم، إذ كشفت أن الأشخاص الذين يدخلون في حالة الهيبناغوجيا تزداد قدرتهم على حل المشكلات المعقدة بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بحالة اليقظة الكاملة، ما يجعل هذه المرحلة بمثابة “منطقة ذهبية” للإبداع.

ويرى علماء النفس أن السبب يعود إلى تراجع سيطرة العقل الواعي، المسؤول عن التفكير المنطقي الصارم، مقابل نشاط أوسع للعقل الباطن، الذي يمتلك قدرة أعلى على الربط الحر بين الأفكار واستدعاء الصور والتجارب المكبوتة، فتظهر ومضات الإلهام في أكثر اللحظات هدوءًا.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 80% من البشر يمرون بهذه الحالة في مرحلة ما من حياتهم، ما يعني أن استثمارها ليس حكرًا على العباقرة. غير أن التحدي الأكبر يكمن في ضعف الذاكرة خلال هذه اللحظات، إذ تتلاشى الأفكار سريعًا عند العودة إلى النوم العميق أو اليقظة التامة.

لهذا السبب، اعتاد كثير من المبدعين الاحتفاظ بدفتر وقلم قرب السرير. بول مكارتني نفسه درّب يده على الكتابة في الظلام لالتقاط أي فكرة طارئة، بينما ابتكر توماس إديسون حيلة ذكية، إذ كان يمسك كرة معدنية أثناء جلوسه، لتسقط فور بدء الغفوة وتوقظه، فيسارع إلى تدوين ما خطر له من أفكار.

وتخلص الأبحاث الحديثة إلى أن الإبداع لا يولد دائمًا من الجهد الشاق والتركيز المتواصل، بل قد يزهر في لحظات الهدوء والشرود، عندما نسمح لعقولنا بالراحة. وربما حان الوقت لإعادة النظر إلى أوقات الاسترخاء لا بوصفها رفاهية غير منتجة، بل كفرص حقيقية لاكتشاف أفكار استثنائية تختبئ في أعماق العقل الباطن.

نقلا عن ساينس الرت