نوفمبر 29, 2025 - 19:53
الساحل السوري .. احتجاجات تستيقظ من سباتها على أصوات الهويات

 
عرب جورنال /  توفيق سلاَّم

لم يكن ما جرى في مدن الساحل السوري مجرد اضطراب أمني، بل انكشاف تاريخي مفاجئ لجماعة كانت تعيش داخل دولة لم تكن دولة بالمعنى الكامل، بل هيكل مركزي ثقيل صنع لنفسه رواية أيديولوجية تقول إن سوريا واحدة طالما ظل هو مركزها. ومع سقوط هذا المركز، بدأت طبقات أعمق تتشقق، كأن الجغرافيا ذاتها تستيقظ من سباتها على أصوات الهويات التي قمعت طويلًا كي تُستخدم كاحتياط في لحظة الضرورة. وفي تلك اللحظة، لم يجد العلويون أنفسهم فقط بلا حماية، بل بلا سردية واضحة، ولا لغة تصف ما يشعرون به أمام تسارع الانهيار، وتفتح شهيات القوى الإقليمية والدولية لإعادة رسم الخريطة السورية على مقاس مصالحها.


مشاريع التفكيك 

كان من السهل الظن أن ما يحدث في الساحل هو مجرد احتجاج. لكنه أبعد من ذلك بكثير. إنه بداية ولادة وعي جماعي جديد، يتشكل تحت ضغط السقوط الشامل للدولة، ونتيجة إدراك متأخر بأن الهوية التي قُدِّمت لهم بوصفها ضمانة وجود، كانت في جوهرها قيدًا ربط حياتهم بعنصر سياسي واحد، وحين تحطم ذلك العنصر، تحطم الأمن الجمعي معه. ومع مرور عام ثقيل من الصمت، تبين أن الجماعة تواجه فراغًا لم تشهده منذ خمسين عامًا، فراغًا جعلها مكشوفة أمام مشاريع التفكيك التي تتقدم من كل الجهات.
ذلك أن مشهد الشارع العلوي لم يكن منفصلًا عن مشاهد أخرى تتشكل بالتوازي في الجنوب والشمال والشرق، فالتفكك البنيوي الذي يصيب النسيج السوري لا يقتصر على جماعة دون غيرها. الدروز في السويداء يعيشون لحظة تحلل مشابهة، يواجهون فيها مشاريع اختراق ناعمة من قبل إسرائيل، التي تحاول إعادة صياغة الامتداد الدرزي في المنطقة كجزر سياسية مرتبطة بها أمنيًا وثقافيًا. وفي الجنوب، لا تخفي إسرائيل رغبتها في إعادة تشكيل المنطقة بمجملها إلى رقع منفصلة، مناطق أمنية شبه معزولة، تمنع وجود دولة قوية على حدودها، وتجعل الجنوب السوري مسرحًا مفتوحًا لاختراق النسيج الاجتماعي عبر شبكات محلية، وعلاقات اقتصادية وعشائرية، وأدوات إعلامية تتسلل من بوابات الفقر والفراغ.
ومثلما تعمل إسرائيل على هندسة الجنوب، تعمل الولايات المتحدة على تثبيت شرق الفرات تحت سلطة الأمر الواقع لقوات سوريا الديمقراطية، في مشروع طويل المدى يُعيد إنتاج سوريا كفسيفساء من مناطق النفوذ، دولة بلا مركز. و"قسد" بدورها تفهم هذه المعادلة جيدًا، وتبني حولها سردية مظلومية إثنية تُقدَّم للغرب بوصفها "الحل الممكن"، فيما تُستَخْدم في الوقت نفسه كأداة ضغط على بقية المكونات السورية.

 إنها لحظة تُعاد فيها كتابة الجغرافيا على أساس ولاءات جديدة، لا على أساس الانتماء الوطني القديم.
في قلب هذا المشهد، تقف الفصائل المسلحة في الشمال، وعلى رأسها "هيئة تحرير الشام"، التي تحاول فرض خطاب ديني صارم يعيد إنتاج معادلة الإقصاء، ويعيد تعريف الطوائف وفق معجم عدائي يقوم على فكرة التطهير. فخطاب الهيئة يرى العلويين باعتبارهم جماعة منبوذة، وجودها بحد ذاته خطيئة سياسية ودينية، وهذا الخطاب ينفخ في جمر الخوف العلوي القديم، ويحول أي حادث أمني صغير إلى تهديد وجودي، مما يجعل الطائفة تشعر بأنها مُحاصرة بين مشاريع دولية من جهة، وجماعات عقائدية متطرفة من جهة أخرى، ودولة منهارة كانت آخر قشرة تغطي هشاشة البنية الاجتماعية.


جزر أمنية 

في الجنوب، الصورة ليست أقل خطورة. فهناك مساعٍ مكشوفة لإعادة تشكيل العقل الجمعي عبر بوابات المعونات، والمنظمات، وبناء شبكات محلية تمسك بالمجتمع من الداخل. إسرائيل لا تخفي رغبتها في تحويل الجنوب إلى جزر أمنية تدور في فلكها، وتقطع الطريق على أي مركز سوري قادر على إعادة توحيد الدولة. إنها مشاريع تطمح إلى شيء أكبر من مجرد تهدئة حدود، إنها إعادة هندسة المجتمع نفسه، وتفكيك روابطه لصالح نموذج قريب من الضفة الغربية، حيث تنمو الكيانات الصغيرة على حساب الدولة المركزية.
بل إن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لفرض تسوية سياسية جديدة بلغت حد محاولة التأثير على القوى الصاعدة في الشمال، وعلى رأسها محمد الجولاني (الشرع)، لدفعه نحو بوابة التطبيع كشرط للشرعية السياسية الدولية. وهي إشارة تكشف عمق التحول في بنية الصراع. 
مايجري اليوم هو إعادة تشكيل سوريا وفق هندسة تجعل إسرائيل اللاعب المهيمن، والولايات المتحدة راعية الخرائط الجديدة.


احتجاجات الساحل 

وسط هذا المشهد، جاء انفجار الاحتجاجات في الساحل لا بوصفه تعبيرًا عن ضيق اقتصادي أو غضب آني، بل كتجلٍ لنقطة تحول خروج الطائفة من حالة التجمد إلى حالة الحراك السياسي. لقد أدركت فجأة أنها جزء من تفكك أوسع، وأن مصيرها لن يُصان إلا إذا امتلكت قدرة على صياغة خطاب جديد، ليس خطاب تبعية للسلطة، بل خطاب وجودي عقلاني يرفض التحول إلى ضحية لأي مشروع خارجي أو داخلي.

وبالرغم من ظهور الاحتجاجات بصورة سلمية، فإن أثرها النفسي والسياسي عميقًا، فهي تعيد الاعتبار للشارع العلوي كفاعل لا كتلة صامتة، وتدفع ببقية المكونات السورية إلى إعادة النظر في تموضعها. الدروز بدؤوا يشعرون بأن لحظة الحسم قادمة، قسد تراقب بقلق أي نموذج احتجاجي قد ينتقل إلى شرق الفرات، والفصائل في الشمال أدركت أن خطاب الإقصاء الطائفي لم يعد قادرًا على إقناع جمهور أنهكته الحرب.
يبدو أن المسارات التي ستأخذها هذه الاحتجاجات لا تزال مفتوحة على احتمالات كثيرة. قد تنحسر، وقد تتوسع، وقد تتشظى، لكنها بالتأكيد لن تعود إلى ما كانت عليه. فهي كسرت حاجز الصمت، وأطلقت ديناميات اجتماعية وسياسية لن تستطيع أي قوة إعادة حبسها. لقد أظهرت أن الطائفة التي قُدمت طويلًا كجزء من آلة القمع، بأنها ترى نفسها كجماعة تبحث عن حماية ذاتية، وتنظر إلى مستقبلها بأدوات جديدة، بعيدًا عن الحماية الشكلية التي انهارت مع سقوط الدولة.
وإذا كان الحدث العلوي قد بدا منفصلًا عن بقية الأحداث السورية، فإن الحقيقة أنه حلقة في سلسلة واحدة، سلسلة تفكك وفوضى وصراع مشاريع، لكنها أيضًا سلسلة ولادة وعي جديد لدى المكونات السورية التي أدركت أن بقاءها لن يكون عبر سلطة مركزية مستبدة، ولا عبر جماعات مسلحة، ولا عبر تحالفات عابرة، بل عبر صياغة عقد اجتماعي جديد يعترف بحق الوجود لكل طرف، ويمنع إعادة إنتاج الكارثة من جديد.
في الأخير، ما يحدث في الساحل السوري ليس مجرد أزمة، بل تحول عميق في بنية الوعي السوري برمته. أما الوعي العلوي تحديدًا، فهو يدخل مرحلة إعادة تشكل جذرية، من جماعة مرتبطة بالسلطة، إلى جماعة تبحث عن معنى وجودها في بلد تُكسَّر خرائطه كل يوم، وتتحول طوائفه إلى جزر منعزلة تبحث كل منها عن صيغة للنجاة. وهنا، تبدأ الحكاية الحقيقية، حكاية جماعة تحاول أن تكتب سرديتها الخاصة لأول مرة، وأن تبني لغة جديدة للعيش، في زمن تتصارع فيه المشاريع على الجغرافيا، فيما يحاول البشر النجاة بأقل خسائر ممكنة.