سبتمبر 29, 2025 - 21:23
عام على "سهام الشمال".. كيف أخفق برنامج الحرب التكنولوجية في كسر صمود المقاومة؟

مستجدات - عرب جورنال 

في الذكرى الأولى للعدوان على لبنان، تبدو قراءة فلسفة ما عُرف بخطة "سهام الشمال" ذات أهمية بالغة لفهم طبيعة المقاربة التي اتبعها الاحتلال الإسرائيلي في استهداف المقاومة قيادةً وكوادرَ وقدرات.

انطلقت الحملة بتفجير أجهزة الـ"بيجر" في متناول عناصر المقاومة في 16 أيلول، وتلا ذلك تفجير أجهزة اللاسلكي، ثم تصاعدت الإجراءات إلى استهداف قادة وحدة "الرضوان" والانتقال لاحقًا إلى حرب جوية وبرية أُطلق عليها اسم "سهام الشمال"، ووصفتها المقاومة بـ«معركة أولي البأس».

هذا التسلسل لم يكن عشوائياً بل شكل منهجية متدرجة، ابتُغِي من خلالها تحقيق أقصى قدر من التفوق الاستخباراتي والتقني مع الحدّ من احتمال تحول التصعيد إلى حرب شاملة في مراحلها الأولى.

تقوم الفلسفة العامة للخطة على مبدأ التدرج في التصعيد لمنع الطرف الآخر من فتح جبهة واسعة، والغاية من ذلك كانت استهداف البنية القيادية والتنظيمية والقدرات العسكرية للمقاومة قبل الشروع بهجوم بري واسع.

اعتمد الاحتلال آليات اشتباك ناري غير مباشر مع حضور بري محدود ومؤقت، وحرص في المقابل على ما بدا كتحييد مدني نسبي لئلا تتحول الجبهة الداخلية إلى عبء يثني عن مواصلة العمليات. ترافق مع ذلك إدارة دقيقة لحرب نفسية تهدف إلى تقليص أثر الخسائر على الروح المعنوية لدى جمهور المقاومة وإحداث حالة إعلامية وإدراكية تُخضع معطيات الميدان لسردية الاحتلال.

المشكلات التي حاولت الخطة معالجتها كانت متعددة ومترابطة. حيث سعى الاحتلال إلى توجيه ضربة استباقية تضعف قدرة حزب الله على شن هجوم ناري أو بري في مرحلة التصعيد، مع الأخذ في الاعتبار الوجود المعنوي القوي لسماحة السيد حسن نصر الله الذي كان يلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على تماسك الحاضنة الشعبية أمام الخسائر.

كما تعامل المخططون مع واقع امتلاك المقاومة لقدرات نارية وقتالية كبيرة وشبكة اتصالات قيادية متماسكة، ومع صعوبة كشف أماكن التخفي لقيادتها ومستودعاتها التي تختبئ داخل القرى والمدن، فضلاً عن هشاشة الجبهة الداخلية للاحتلال إزاء القصف والخسائر البشرية. لهذا توجهت الخطة إلى تقليص هذه القدرات تدريجيًا، وإضعاف قنوات الاتصال والإسناد، وإحداث خلل تنظيمي يعيق التعويض السريع عن الكوادر المستهدفة.

في فحوى آليات التنفيذ كان التضليل الاستراتيجي عاملًا محوريًا في الإعداد؛ إذ استُخدمت موجات من الدعاية والتصريحات العسكرية لإثارة الريبة في صفوف المقاومة ومحاولة كسر معادلات الردع، مع استثمار تصريحات ومساعٍ إعلامية متضاربة تعطّي الفرصة للعدو للتدرج في خطواته قبل أن تشتد المواجهة.

ترافق ذلك مع إجراءات دبلوماسية موازية، بدا أبرزها إعلان نقل ثقل الجهد إلى الشمال وتوفير غطاء أميركي دبلوماسي واستخباراتي مكّن الاحتلال من منحه مساحة زمنية وسياسية للإقدام على عملياته. أما في مجال السيطرة المعلوماتية فعملت منظومات الاستخبار والتقنية على دمج وسائط جمع متعددة، سواء سمعية أو بصرية أو لغوية، وربط المصادر البشرية بالتقنيات المسيرة والأقمار الصناعية، واستغلال قدرات معالجة البيانات لتوليد "بنك أهداف" متجدد يستطيع الاحتلال من خلاله إدارة ضرباته بوتيرة عالية.

جاءت العمليات الميدانية بعدها في سياق هذا الإطار الشامل. استُخدمت سلسلة من العمليات النوعية، شملت اغتيالات مستهدفة بحق قادة بارزين، وتفجير قدرات اتصال أساسية بهدف شلّ آليات التنسيق، ثم توالي ضربات جوية أدت إلى تدمير بنى تحتية ومشروعات تهدف إلى إفراغ مناطق من سكانها وإحداث واقع ديموغرافي يُسهل التحرك الميداني لاحقًا.

أما الهجوم البري فقد اتصف بالاستكشاف التدريجي والدخول إلى قرية بعد أخرى عبر رؤوس جسور، مع تفادي الاشتباك المباشر عن طريق الاعتماد على كثافة نارية جوية ومدفعية تهدف إلى تقليص المخاطر على القوات البرية، واستخدام مشاة ودبابات بشكل محدود وممنهج لتأمين المكتسبات دون الانجراف إلى حرب استنزاف طويلة.

واكبت هذه الإجراءات حملة نفسية تهدف إلى إخفاء الخسائر الإسرائيلية وتهيئة السردية الإعلامية بحيث تقلل من أثر أي مكسب للمقاومة، مع ضبط المفردات والأرقام وتوقيتها لضمان سيطرة الاحتلال على الفضاء المعرفي للمجتمعين المحلي والدولي.

كما اشتمل التعامل مع المدنيين على محاولة تفكيك البيئة الحاضنة عن طريق تمييز بين الدولة والمقاومة، وتحاشي إلهاب المشاعر بعمليات مكثفة تستهدف التجمعات المدنية، مع استخدام الإنذارات المسبقة كأداة لخدمة أطروحة الدقة المتاحة في الاستهداف.

أدى الاعتماد على بنك أهداف متراكم ومستحدث إلى توسيع دائرة الاستهداف بسرعة، ما أحدث إرباكًا في الحركة العسكرية للمقاومة وأثر على سلاسل الإمداد والاتصال. وفي ذروة البرنامج سعى الاحتلال إلى ضرب رأس الهرم القيادي لدى المقاومة عبر اغتيال وشيكّة لقيادات مركزية، بنية نزع الهالة والغطاء المعنوي عن الجمهور، وإضعاف عملية اتخاذ القرار السياسي والعسكري للمقاومة بما يهيئ الساحة لتغييرات سياسية لاحقة قد تقلص حضور المقاومة داخليًا وإقليميًا.

غير أن الواقع الميداني أظهر حواجز أمام هذا المخطط. على الرغم من الضربات المركزة والاغتيالات التي استهدفت كوادر حساسة، ظل الجهاز القيادي للمقاومة قادرًا على المحافظة على مستوى من القيادة والسيطرة، واستمر الزخم الصاروخي واستهداف العمق المحتل، كما أعادت المواجهات الحدودية وامتداد الاستهداف نحو مناطق استراتيجية رفع معنويات جمهور المقاومة.

كذلك برهنت تجربة إيواء النازحين وتعبئة الحاضنة الشعبية في مناطق متعددة على محدودية قدرة الخطاب والتحريض الموجه من قبل الاحتلال على تفكيك البيئة الداعمة للمقاومة أو دفعها إلى مواجهة أهلية واسعة.

أدت هذه المعطيات في نهاية المطاف إلى تفاهم أدى إلى وقف الأعمال العدائية اتسم بوثائق علنية وملحقات سرية؛ لكنها لم تمنح الاحتلال قدرة على تحقيق ما كان يطمح إليه بالكامل. لم يتمكّن العدو من فرض منطقة عازلة مستقرة أو كسر بنية المقاومة الاجتماعية والتنظيمية، وبقيت محاولات "ترميم الخلل" عبر توغلات إضافية وانتهاكات بعد الاتفاق دليلاً على أن الهدف الاستراتيجي لم ينهَ كما خطط له. وفي المقابل، لم يكن انتصار المقاومة هزيمة مطلقة للاحتلال، وإنما إعادة تشكيل لمعادلات الردع والقدرة، وانتقالًا إلى مرحلة إقليمية أكثر تعقيدًا في ساحة الصراع.

في الذكرى الأولى لهذا التسلسل العدائي، يبدو واضحًا أن فلسفة برنامج الهجوم الصهيوني جمعت بين عناصر تكنولوجية واستخبارية ونفسية ودبلوماسية في محاولة لإخضاع بيئة المقاومة وتفكيك بنيتها. غير أن عزيمة المجتمعات الداعمة للمقاومة، والقدرات التكتيكية والمؤسسية للتنظيمات المدافعة، حالت دون تحقيق انهيار شامل كما تصوّر المخططون.