مستجدات - عرب جورنال
كشفت حرب "أولي البأس" التي خاضتها المقاومة بوجه عدوان الاحتلال الإسرائيلي على لبنان في العام الماضي عن نمط متغير في نتائج الصراع بين الكيان الصهيوني وحزب الله.
فبدل أن تؤدي الجولة إلى تفكيك بنية الحزب أو تقويض إرادته، استطاع حزب الله إعادة تأهيل نفسه كقوة صلبة مستمرة، مع قدرات ميدانية متقدمة ومرونة عالية في التكيّف السياسي والعسكري. في المقابل، عمل العدو وفق نموذج جولات الردع، الهادف إلى تقويض إنجازات المقاومة خلال الحرب.
في فجر يوم الأربعاء 27/11/2024، وعلى عكس التوقعات الصهيونية، عادت العائلات اللبنانية إلى قراها في جنوب لبنان مرفوعة الرأس، في مشهد يبرز التناقض بين حالة المدنيين في الجنوب اللبناني ووضع المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة.
فبينما لم يسود "مناخ حربي" شماليّ فلسطين كما هو الحال في لبنان، لا تزال العودة هناك غير مكتملة، إذ لم يعد حتى حزيران 2025 سوى 40% من أكثر من 60 ألف مستوطن تمّ إخلاؤهم من مستوطنات كريات شمونة ونهاريا وشلومي وميتولا، إضافةً إلى مستوطنات الجليل الأعلى.
تتجسّد عناصر ثبات مجتمع المقاومة في صموده وصبره خلال معركة "أولي البأس"، وإقدامه على استعادة قراه الأمامية والاهتمام بجثامين أبنائه التي أذابت كالشموع العاشقة في أحضان تراب الأرض.
أظهر مجتمع المقاومة، رغم الخسائر الجسيمة والضغوط السياسية والإعلامية الداخلية، مواقف العزّ والإباء والثبات، وصبره وولائه، بمعنويات عالية وثقة راسخة بوعد الله ونصره، ليبهر العالم بأسره. فقد كانت بيئة المقاومة، كما خاطبها سيّد شهداء الأمة، الأشرف والأطهر، ولائقة بحمل الأمانة الإلهية، وبتحقّق النصر على يديها، مواجهةً أهداف العدو المتسلّح بكل قدرات العالم المستكبِر.
في الحدود الشرقية للبنان، بدأت تحركات جماعة هيئة تحرير الشام وسقوط النظام السوري بعد 12 يومًا في 8/12/2024، ضمن مخطط إقليمي ودولي يهدف إلى قطع شريان الدعم عن حزب الله ومنعه من إعادة ترميم قدراته العسكرية واللوجستية بعد الحرب.
أت إسرائيل وحلفاؤها أن أي استقرار أو قوة متجددة في سوريا تشكّل بيئة حاضنة لاستمرار فاعلية المقاومة، فتم العمل على ضرب سوريا سياسياً وأمنياً وعسكرياً لضمان حرمان حزب الله من العمق الاستراتيجي الذي وفرته سوريا طوال العقود الماضية.
لجوء الاحتلال إلى إجراءات ميدانية واستخباراتية تمثّل في تمديد فترة الانسحاب المخططة لـ60 يومًا، مع توغلات إضافية واغتيالات وتدمير البنى التحتية في المناطق الحدودية، محاولًا شرعنة برنامجه العدواني الجديد عبر خرق تفاهمات القرار 1701 واحتلال التلال الخمسة: الحمامص، العويضة، جبل بلاط، اللبونة، والعزية.
وقد بلغ عدد الخروقات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية أكثر من 4000 خرق حتى تموز 2025. في موازاة ذلك، نفذت الإدارة الأمريكية خطة "اليوم التالي" للبنان، بدءًا من الضغط على انتخاب الرئيس والحكومة، وصولًا إلى تعطيل إعادة الإعمار وربطها بمطالب نزع سلاح حزب الله، مع استخدام أدوات اقتصادية وعسكرية وسياسية لإضعاف المقاومة وتفريغ الدولة اللبنانية من استقلال القرار.
خلاصة المواجهة تشير إلى أن حزب الله مر بثلاث مراحل رئيسية خلال الحرب ضد الاحتلال: الأولى كانت الصدمة الناجمة عن المفاجأة وشدّة الضربات، الثانية احتواء الصدمة وبدء التعافي عبر إعادة تنظيم القدرات، والثالثة التعافي واستعادة الحضور، وهو تطور يُعدّ سابقة في تاريخ الحروب الحديثة.
على صعيد العمليات العسكرية، نفّذت المقاومة منذ انطلاق معركة "طوفان الأقصى" في 8/10/2023، مرورًا بمعركة "أولي البأس" في 17/9/2024، وحتى المراحل الأخيرة للعدوان الإسرائيلي، أكثر من 4637 عملية خلال 417 يومًا، بمعدل وسطي يقارب 11 عملية يوميًا.
منذ انطلاق "أولي البأس" وحدها، بلغ عدد العمليات 1666 عملية، بمعدل يومي 23 عملية، شملت استهداف مواقع وثكنات عسكرية ومدن ومستعمرات من الحدود اللبنانية–الفلسطينية حتى ما بعد تل أبيب، إلى جانب صدّ التوغلات البرية الواسعة داخل الأراضي اللبنانية.
وتمتاز سلسلة عمليات "خيبر" بنقلة نوعية، إذ نفّذت 105 عمليات استراتيجية استهدفت قواعد ومراكز عسكرية إسرائيلية حساسة باستخدام صواريخ بالستية ودقيقة ومسيّرات هجومية وصلت إلى عمق 150 كلم.
أما الخسائر الإسرائيلية منذ بدء التقدم البري في 1/10/2024، فشملت مقتل أكثر من 130 جنديًا وضابطًا وبحسب بيانات المقاومة نحو 900 قتيل، وإصابة نحو 1250 آخرين، وتدمير 59 دبابة ميركافا، و11 جرافة، وآليات مدرعة متعددة، إضافة إلى إسقاط 9 مسيّرات.
على المستوى الميداني، فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه البرية، إذ لم يتجاوز بلدات النسق الأول الحدودية، وتحولت محاولات التوغل في البياضة وشمع إلى "مقبرة للدبابات وجنود النخبة"، تحت ضغط عمليات المقاومة الدفاعية. بالمقابل، حقق الجيش الصهيوني إنجازًا محدودًا تمثل في تدمير البنى التحتية المدنية والزراعية دون أي مكسب عسكري.
واجه حزب الله وحيدًا الكيان الصهيوني المدعوم مباشرة من الولايات المتحدة، وعلى الرغم من الدعم الغربي، استطاعت المقاومة الصمود وتحقيق الإنجازات الميدانية، بما في ذلك استعادة القيادة والسيطرة وأداء القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر، وكسر احتكار العدو للتفوق الجوي، وتحقيق نجاحات تكتيكية ضد العمق الإسرائيلي.
إن استمرار المقاومة في الصمود، وقدرتها على استنزاف العدو وإفشال أهداف الحرب المضمرة، وصولًا إلى إجبار الاحتلال على طلب وقف إطلاق النار، يُعد الإنجاز الأهم، حيث منع الوصول إلى الليطاني أو تكرار سيناريو احتلال بيروت عام 1982، عبر إدارة المعركة بكفاءة عالية، وحماية قياداتها واستعادة القدرة على التحكم والتشغيل.
وشكل تماسك جمهور المقاومة وولاؤهم لها إلى جانب التزامهم بوصية السيد الشهيد نصر الله، عناصر حاسمة في تحقيق الإنجاز التاريخي، ليؤكد أن "النصر من عند الله" كان ثمرة الصمود، التخطيط، والقدرة على التطور والاستفادة من معطيات الميدان في مواجهة عدوان شامل.