عرب جورنال / توفيق سلاَّم -
يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنه يقف على فوهة بركان مفتوح، إذ تتقاطع فوق أرضه خطط الهيمنة الغربية، وتتسلل في ثناياه مشاريع التوسع الإسرائيلي، فيما تتطلع شعوبه إلى التحرر من قرن كامل من الاستعمار المباشر وغير المباشر. السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟ أهو إلى مزيد من الفوضى وإعادة التقسيم وفق خرائط نفوذ استعمارية جديدة، أم إلى انبثاق منظومة مغايرة تعكس تحولات العالم نحو التعددية القطبية؟
وجه الغرب القبيح
الشرق الأوسط اليوم لا يمكن فصله عن التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الكبرى في العالم. عندما نفحص مسارات القوة والموارد والأسواق، نرى أن المنطقة تواجه لحظة اختيار مصيرية، إما الاستمرار كمساحة تنازع فيها القوى الخارجية على النفوذ، وإما التحول إلى لاعب فاعل يستفيد من انحسار قدرة الغرب على إدارة العالم أحادي القطب. هذا التحول لا يختزل نفسه في صراع عسكري أو نزاع إقليمي، بل يمتد إلى ميادين الاقتصاد والتجارة والتمويل، حيث تتبلور بدائل ملموسة للهيمنة التقليدية.
إسرائيل رأس حربة الامبريالية الكونيالية تشعل فتيل الحريق الإقليمي بسياسات التوسع والضم والتهجير، فهي لم تعد تكتفي بالاحتلال العسكري لغزة ومحاولة ابتلاع الضفة الغربية، بل تسعى إلى فرض أمر واقع يجعل القدس الشرقية والغربية معاً مقاطعة إسرائيلية بقرار أحادي. بذلك يُراد للشعب الفلسطيني أن يُمحى من التاريخ عبر التجويع والحصار والإبادة الجماعية، بينما يقف العالم متفرجاً على هذه التراجيديا التي تكشف في عمقها وجه الغرب القبيح، ازدواجية المعايير، والانحياز الأعمى لدولة الاحتلال، وتقديم قيم القوة على كل القوانين الدولية.
ما يجري في غزة والضفة ليس شأناً فلسطينياً صرفاً، بل هو مرآة لأزمة عالمية أشمل. صورة الولايات المتحدة التي كانت تُسوق نفسها كضامن للسلام العالمي، تنكشف اليوم بوصفها القوة التي تُصدر الحروب والعقوبات والفوضى والتدخلات في الشؤون الداخلية للدول. هذا الإدراك لم يعد محصوراً في الشرق الأوسط وحده، بل صار وعياً متنامياً لدى قارات بكاملها من روسيا والصين إلى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. كرة الثلج التي بدأت تتدحرج في مواجهة المشروع الإمبريالي الأمريكي–الأطلسي تفتح الباب أمام عالم جديد لا تحكمه القطبية الأحادية، بل توازنات متعددة المراكز.
الصين قوة تجارية كبرى
الصين وروسيا تحملان عبء هذا التحول الاستراتيجي. الصين، التي بلغ حجم ناتجها المحلي الإجمالي في 2024 نحو 18 تريليون دولار لتحتل المرتبة الثانية عالمياً، تفرض نفسها اليوم كقوة تجارية كبرى عبر مشروع "الحزام والطريق" الذي يضم أكثر من 150 دولة ويغطي ما يقارب 65% من سكان العالم. وهي في طريقها لأن تصبح الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة، متجاوزة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في أسواق عديدة. روسيا بدورها، رغم العقوبات التي كبّدتها خسائر مباشرة تتجاوز 400 مليار دولار منذ حرب أوكرانيا، استطاعت إعادة توجيه أكثر من 70% من صادراتها النفطية نحو آسيا، وخاصة الصين والهند، ما كشف محدودية قدرة الغرب على عزلها اقتصادياً.
ثمة عامل مركزي لا يجوز تجاهله، صعود الصين كمحور تجاري واقتصادي بحجم اقتصاد يقارب المرتبة الثانية عالمياً، وصلت الصين إلى موقع يسمح لها بإعادة تشكيل خارطة التجارة العالمية من خلال مبادرات بنيوية كبرى. مبادرة "الحزام والطريق" التي امتدت إلى ما يقرب من 140–150 دولة تُعيد رسم مسارات البضائع والطاقة والتمويل، وتُعطي دول الجنوب بدائل في البنية التحتية والتمويل بعيداً عن آليات الغرب التقليدية. هذا الأمر يخلق رافداً لافتاً لدول الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لتقوية روابط تجارية واستثمارية لا تعتمد كلياً على المؤسسات المالية الغربية أو على الدين المقترض بشروط قاسية.
التكتلات السياسية–الاقتصادية الجديدة تمنح دول الجنوب هامشاً سياسياً أكبر من خلال توسع مجموعة بريكس ليشمل دولاً استراتيجية وغنية بالموارد عزز من وزن الكتلة في الساحة العالمية. فالتوسع الأخير رفع من قدرات التمثيل السكاني والاقتصادي لهذه المجموعة، وجعلها منصة للتفاوض في ملفات الطاقة والتجارة والتمويل الدولي، وهو ما فتح أمام دول الشرق الأوسط خيارات متعددة بتعميق العلاقات مع محور شرقي–جنوبِي قادر على تقديم استثمارات وبنية تحتية واتفاقات تجارية أقل خضوعاً لشروط الهيمنة التقليدية.
لذلك فإن التكتلات الدولية الناشئة، تقدم مؤشرات أوضح على ميلاد نظام جديد. مثلاً مجموعة بريكس، التي باتت تضم بعد توسيع 2024 دولاً نفطية كالسعودية والإمارات وإيران، باتت تمثل أكثر من 45% من سكان العالم ونحو 36% من الناتج العالمي. منظمة شنغهاي للتعاون تجمع اليوم قرابة 3 مليارات نسمة، وتشكل قوة عسكرية واقتصادية تتزايد فعاليتها في ملفات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
هذه التكتلات لا تتحرك في فراغ، بل تملأ الفراغ الذي تركه فشل المؤسسات الغربية التقليدية كصندوق النقد والبنك الدولي في معالجة أزمات التنمية والديون.
في المقابل تكشف المؤشرات الاقتصادية الغربية عن مسار معاكس الدين العام الأمريكي تجاوز 34 تريليون دولار في 2025، وهو رقم قياسي يهدد استقرار الاقتصاد العالمي بحكم ارتباطه بالدولار. أوروبا تعاني انكماشاً اقتصادياً في دول محورية مثل ألمانيا(-0.4% في 2024) نتيجة أزمة الطاقة وتكاليف الحرب في أوكرانيا. هذا العجز عن مواكبة صعود الشرق يجعل الغرب مهدداً بالتراجع الاستراتيجي، مهما حاول إعادة إنتاج نفوذه عبر الناتو أو السياسات العقابية.
رأس الحربة
الشرق الأوسط يجد نفسه في قلب هذه التحولات. هنا تتلاقى خطوط النار من فلسطين إلى لبنان وسوريا واليمن، ويتبدى أن إسرائيل ليست إلا رأس الحربة لمشروع غربي يسعى لإعادة إنتاج استعمار جديد بوسائل مختلفة. لكن في المقابل، تُطل ملامح اصطفافات مغايرة، حيث بدأت دول المنطقة تنفتح على الصين وروسيا، وتبحث عن مسارات أمنية واقتصادية خارج المظلة الأمريكية.
إذا استمرت إسرائيل في تصعيدها الإقليمي، فإن المنطقة ماضية نحو استنزاف شامل يشبه ما أعقب غزو العراق عام 2003، تفكك الدول، حروب أهلية، وصعود جماعات متطرفة. لكن التاريخ يعلمنا أن مثل هذه الأزمات الكبرى غالباً ما تولد تحولات غير متوقعة. بعد هزيمة 1967 وُلدت المقاومة الفلسطينية المعاصرة، وبعد حرب 1973 وُلدت مسارات التسوية، وبعد اجتياح لبنان 1982 تعززت المقاومة اللبنانية وقلبت موازين الصراع. واليوم قد تكون الحرب على غزة هي البوابة لانبثاق معادلة إقليمية جديدة، تُعيد تعريف الأمن القومي العربي والإسلامي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من القضية الفلسطينية.
المستقبل مفتوح على سيناريوهين متناقضين، إما أن يستمر الشرق الأوسط في الارتهان لمعادلات التفكك والتسويات الفردية، فيبقى رهينة لمشاريع الآخرين، أو أن تتشكل جبهة إقليمية موحدة تتقاطع مصالحها مع التعددية الدولية الصاعدة، فتستثمر في إعادة بناء النظام العالمي الجديد. وفي الحالتين العقد القادم سيكون عقد التحولات الكبرى، الصين تتبوأ الريادة الاقتصادية والتجارية، روسيا تعود لاعبًا وازنًا بعد الخروج من مستنقع أوكرانيا، وأوروبا وأمريكا تترنحان تحت ضغط فشلهما في مجاراة صعود الشرق.
لذلك فإن المقارنة بين الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تُظهر تشابهاً جوهرياً في الإمكانية والقيود، جميع هذه المناطق تمتلك ثروات طبيعية واستراتيجيات جغرافية تجعلها محط اهتمام القوى الكبرى، لكنها تختلف في مستوى المؤسسات والقدرة على التحول الاقتصادي المستقل. في إفريقيا مثلاً، نجحت بعض الدول في جذب استثمارات صينية ضخمة للبنية التحتية (موانئ، طرق، سكك حديدية)، ما أعطاها منفذاً عملياً لتسريع التجارة مع آسيا، لكن كثيراً من هذه البلدان واجهت أيضاً فخ الديون وشروطًا مشكوكًا في مدى استقلاليتها. في أمريكا اللاتينية، امتد التعاون التجاري مع الصين ليتناول السلع الأولية والتكنولوجيات، ما منح بعض الدول هامشًا سياسيًا ضد الضغوط التقليدية من واشنطن.
الشرق الأوسط، بموارده الطاقوية وموقعه الجيوستراتيجي، يتمتع بميزة تفاوضية بالغة، فهو مطلوب كمورد للطاقة ورابط لوجستي حيوي بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، لكن هذه الميزة تتحقق فقط إذا امتلكت دول المنطقة سياسات اقتصادية مستقلة ومشاريع إقليمية مشتركة قادرة على التفاوض ككتلة وليس كأطراف مفردة.
المؤشرات الاقتصادية الراهنة تدعم احتمال تغير ميزان النمو في الناتج الإجمالي لدول بريكس وامتدادها السكاني والاقتصادي يعطيها ثِقلاً لاتخاذ قرارات تجارية وسياسية تقلص من قدرة الغرب على الإملاء الأحادي. بينما يعاني الغرب من تحديات داخلية- أعباء دين عام مرتفع، ضغوط مالية وإنفاق دفاعي، بالإضافة إلى تباطؤ في بعض الاقتصادات المحورية- فإن بدائل الجنوب تقدم عرضاً متوازنًا يتمثل في: استثمارات، أسواق، وشبكات تجارية جديدة يمكن للشرق الأوسط أن يلتحق بها. بيانات رسمية وأبحاث حديثة تشير إلى أن منظومة التكتلات الناشئة توسعت في تأثيرها على التجارة والنمو، وهو ما ينبغي أن تُبنى عليه استراتيجيات إقليمية عملية لتعظيم الفائدة.
سيناريوهات ممكنة
من منظور استراتيجي عملي الفرق الأساسي بين السيناريوهات الممكنة للشرق الأوسط يتعلق بكيفية إدارة الدول لثلاثة محاور متداخلة.
الأول. تحويل الموارد والطاقة إلى استثمارات منتجة وبنى تحتية تُعيد خلق مراكز نمو.
والثاني. بناء شبكة تحالفات إقليمية-اقتصادية توفر ضمانات أمنية متبادلة دون الارتكان الحصري إلى حماية أجنبية واحدة.
الثالث. إدارة الأزمات السياسية (كالملف الفلسطيني) بحيث تُستخدم كحافز لبنائها السياسية والعسكرية والاقتصادية وليس كأداة لتجزئة المنطقة. وإذا نجحت دول المنطقة في خلق توازن بين هذه المحاور، فثمة فرصة حقيقية للاستفادة من صعود الصين وبناء شراكات مع روسيا والقوى الصاعدة، مع الحفاظ على قدرة تفاوضية عالية تجاه الغرب. أما إذا استمرت حالة الارتهان والانتظار، فستبقى المنطقة حلبة لتبادل النفوذ الخارجي ووقودًا للتوترات.
المقاربة العملية توضح أيضًا أن لدى إفريقيا وأمريكا اللاتينية دروساً قابلية للتعلم. إما النموذج الروسي–الصيني في الشراكات الاستثمارية والبنى التحتية، وإما نموذج الاعتماد المفرط على صادرات المواد الخام دون بناء قطاع صناعي داخلي. الشرق الأوسط أمام خيار استخدام عائدات الطاقة لبناء صناعات تحويلية وبُنى لوجستية وتجهيزات طاقة متجددة، وفتح اقتصاده للخدمات والتكنولوجيا عبر شراكات متعددة الطرف بدلاً من الالتزام بمحور واحد. هذا التوجه سيمنح دول المنطقة قدرة تحويلية بديلة عن كونها مجرد مسرح لصراعات النفوذ.
الشرق الأوسط إلى أين؟ الجواب ليس في الخطابات ولا في تسويات منقوصة، بل في امتلاك مشروع مستقل يعيد صياغة المصير. فمن لا يملك مشروعه الخاص، سيبقى دائماً جزءًا من مشاريع الآخرين.
الخلاصة، التغيير ممكن ومتاح، لكنه مرهون بقرار سياسي واستراتيجي داخلي يُعلي منطق المشروع الوطني والإقليمي المستقل. في غياب هذا القرار، ستستمر المنطقة في أن تكون حقل تجارب للسياسات الإمبريالية، أما مع مشروع مستقل متكامل يجمع بين اقتصاد منتج وتحالفات متوازنة، فهناك فرصة لأن يصبح الشرق الأوسط جزءًا فعالاً من النظام الدولي التعددي القادم، مع كل ما يعنيه ذلك من إعادة كتابة قواعد اللعبة الجيوسياسية والاقتصادية.