في حوار جديد تستضيف "عرب جورنال" المفكر والباحث السياسي التونسي، الهُذيلي المَنصر، للحديث عن تطورات المشهد السياسي والعسكري في قطاع غزة، في ظل الثبات النوعي للشعب الفلسطيني ومقاومته، المحفوف بالعزيمة والإرادة والإيمان بأحقية الدفاع عن الأرض والعرض مهما كانت التحديات والظروف والتضحيات. ويناقش الحوار الاستبسال والإصرار اليمني على تقديم الدعم والإسناد العسكري المباشر للمقاومين والمظلومين في القطاع الفلسطيني، وأهمية هذا الموقف اليمني بالنسبة للفلسطينيين ولكل أحرار العالم. ويسلط الحوار الضوء على تداعيات استمرار الموقف العربي الرسمي والشعبي المتراخي تجاه العدوان الصهيوني المتواصل على غزة، والذي يتراوح بين الصمت والتخاذل والخيانة الصريحة مع العدو الصهيوني. كما يتطرق الحوار إلى بعض الملفات الأخرى المتعلقة بتطورات الأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة.
عرب جورنال / حوار / حلمي الكمالي
الموقف اليمني البطولي في دعم غزة، هو دور محوري غيّر المعادلات لصالح المقاومة، واستهداف الصهاينة لكوكبة من قادة اليمن، جريمة جبانة تكشف عن تخبطهم وحنقهم من التحدي اليمني الذي لم يحتسبوه
اليمن بات عنوان للتحدي والإقدام في بيئة عربية مستكينة، وقد برز كقوة فاصلة رغم جواره لمركز النظام الرسمي العربي، وتحول اليمن إلى مركز للمواجهة بجوار مركز التطبيع، هو وضع استراتيجي فريد له تداعياته المستقبلية على الصراع مع الصهيونية
كسب اليمن تعاطف الملايين وأنصار جدد للقضية الفلسطينية من خلال جرأة نادرة في مواجهة أعداء الأمة، تثبت إمكانية عروبة وإسلام آخرين مختلفين عن الاستسلام، ونعوّل كثيراً على هذا الدّرس اليمني الأصيل والصّميم لتغيير ما بالعرب
كلّ المؤشّرات تُثبت أنّ اليمنيين الذين حافظوا على مستويات قياسية من التجذّر في الإيمان والقيم والسير العظيمة والتاريخ، بمُستوى المسؤوليّة وبحجم ما اصطفى لهم القدر من قدر
الرسالة اليمنية للأمة: القوة المعنوية والروحية هي مفتاح التغيير الحقيقي لاستعادة ما فقدته الأمة من عزيمة
معركة طوفان الأقصى وتداعياتها الاستراتيجية غيّرت قواعد اللعبة وزعزعة يقينيات الكيان الصهيوني وهيبته العسكرية، والطوفان الفلسطيني، هو معركة وجودية للصهاينة وفرصة تاريخية للأمة للخلاص من الاستعمار والصهيونية
التخاذل الرسمي العربي هو نتاج تخطيط استعماري وصهيوني طويل الأمد لتفكيك الدول القوية وترويض الإرادة
الحراك الإفريقي ضد الهيمنة والوصاية الأجنبية، هو جزء من المخاض العالمي للتحرر من النفوذ الغربي واستعادة السيادة والثروات
في ظل تعقيد السياق الإقليمي والدولي، فإن الأمة بحاجة إلى البصيرة والإيمان لمواجهة فوضى التاريخ وصناعة القرار الحكيم، وضرورة استثمار الطوفان في بناء الوعي الجماعي وفضح حقيقة الصهيونية كسرطان يهدد الأمة بأكملها
_ تزامناً مع مرور 23 شهراً على معركة طوفان الأقصى.. ما موقفكم كشعب تونسي من هذه المعركة الخالدة وتحولاتها النوعية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي؟ وبرأيكم كيف غيّرت معركة طوفان الأقصى وصمود غزة أمام التوحش الصهيوني الغربي، قواعد اللعبة الاستراتيجية والنفسية في المواجهة المباشرة مع العدو الصهيوني؟ وكيف أن فلسطين وكل الأمة كانت بحاجة ماسة لمثل هذه المعركة في ظل التمعن الصهيوني في الإعتداء على الشعب الفلسطيني وانتهاك حرمة المقدسات الإسلامية وإهانة الأمة بلا استثناء؟
تسمية ما سعى فيه المقاومون الفلسطينيون بالطوفان كانت موفّقة. فعلا هو طوفان إذا نظرنا من زاوية النتائج والتّداعيات في المدى القريب والمباشر، ولكن أيضا في المد المتوسّط كما البعيد. هذه عمليّة استراتيجية ضخمة ومؤثّرة. يُحدث الطوفان بما هو ظاهرة طبيعية تغييرا كبيرا في الجغرافيا والعمران والطوفان الفلسطيني يحدث أضخم تأثير منذ زرع الكيان بأرض العرب. هو في كلّ الأحوال أضخم من كلّ المواجهات الإسرائيليّة العربيّة مُفردة ومُجتمعة. العمليّة ردّ مركّب ومتين على زرع الكيان كما هي ردّ على نكساتنا العربيّة المتتالية. لأوّل مرّة يتحدّث الصهاينة بتواتر دالّ عن "حربهم الوجوديّة" ببساطة لأنّ اليقينيّات التي قام عليها الكيان الغاصب تتزلزل وتزعزع جدّيا. ما عاد الكيان آمنا وما عاد ملاذا وما عاد أرض ميعاد وصهاينة كُثر فرّوا وعادى من حيث أتوا. ما عاد جيش الصهاينة قويّا لا يُقهر، فشباب فلسطيني مصمّم وفقط بسلاح خفيف استطاع خلال ساعات معدودة أن يثخن في نخبة هذا الجيش وأن يأسر منه العشرات بل المئات. محاولة الصهاينة الخروج من هذه الورطة جعلهم يتورّطون أكثر. كلّ العالم صار شاهدا على توحّشهم بما حرمهم من قناع التمدّن والتحضّر والديموقراطية والحرّية. ليس هذا بالقليل إذا اعتمدنا الميزان الإستراتيجي فالصهيونية دجل كثيف نراه يسقط بأيدي الصهاينة قبل غيرهم. يمنح هذا الطوفان ولأوّل مرّة تقريبا فرصة ثمينة وحقيقيّة للخلاص من الصهيونيّة وبنيانها الإسرائيلي الشرّير والخبيث بل إنّها فرصتنا جميعا لتصفية استعمار لم يترك بلداننا إلّا لاختراقها عميقا وتطويع قرارها ورهن ارادتها حتّى صار النظام الرّسمي العربي يُسارع في الإستعمار والصهيونية ولا يُطيع لهما أمراً.
نعم الطوفان فرصة والإنجاز موفّق بحسابات التكتيك والإستراتيجيا وبحسابات اليقظة المعنويّة وتحيين الوعي واستنهاض الهمّة ونرى من يقظة الضمير عربيّا وإسلاميّا وعالميّا وإن كان لا يبرز بسبب خوف الأنظمة التي تخشى شعوبها وتحسب صيحات هذه الشعوب عليها والواقع أنّها على الصهاينة والمستعمرين.
تونس جزء من جغرافيا عربيّة واسعة وقد يخالها كثيرون بعيدة عن مركز الصراع. الواقع أنّ تفاعل التونسيين مع الأحداث من غزّة إلى الضفّة إلى لبنان فسوريا واليمن والعراق وإيران، هذا التفاعل لحظيً شعورا بألم المستضعفين وحماسة عندما يقاتل الصادقون الملحميّون ببسالة وروح استشهاد. هي فرصة ولا شكّ رغم تشكيك المشكّكين وتثبيط المثبّطين وتآمر العملاء الخانعين. بقي انّ قدرتنا على إستثمار هذه الفرصة وسعينا في البناء الشامل على ما تكتنزه الفرصة من ممكنات ووعود، هذه القدرة سؤال كبير والسؤال الأكبر عن مستوى همًتنا ومنسوب إرادتنا. بمواقع الهمّة والإرادة قياسيًتان وبمواقع أخرى هي دون المأمول. هو مسار طويل في كلّ الأحوال وليس متاحا بالمرّة لقوى الردّة والتطبيع أن توقفه. الأثمان باهضة والأمّة تفقد أعلاما بارزين ويلحق بها دمار غير مسبوق ولكن هذه المواجهة حتميّة وضرورية. نحن نخسر من دونها ولا شكّ، بسلام مغشوش وباتّفاقيات سموم وبتطبيع زقّوم. عندما نكون في المواجهة فالفرصة تسنح لتحقيق النّصر ولا يعتقدنّ أحد أنّ نصرنا المأمول يأتي الينا أو نذهب نحوه من دون دفع ما ما ندفع من أثمان في ساحات كثيرة. هي معركة وعي كبيرة ومناطها أن نثبت كأمّة مضيًعة حقوقها منذ قرون قبل العقود الأخيرة، نثبت أنّ الباطل لا يتحوًل حقّا لأنّه قويّ وأنّ الضعيف إذا تمسّك بالحقّ يقوى به وينتصر.
_ قبل أيام، قدم اليمن كوكبة من الشهداء من أجل غزة، بينهم رئيس الوزراء الشهيد أحمد غالب الرهوي والذي استشهد مع عدد من رفاقه الوزراء بغارة للاحتلال الإسرائيلي في صنعاء، وهو أول رئيس حكومة عربي يستشهد على طريق القدس، بينما يؤكد اليمن قيادةً وشعباً تمسكهم بمساندة الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة حتى وقف العدوان ورفع الحصار عن غزة.. أي موقف بطولي يجسده اليمن في نصرة فلسطين؟ وكيف أن هذا الاستبسال والإصرار على الإنتصار للقضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، يجعل من الموقف اليمني في صدارة جبهات الدعم والإسناد من حيث القوة والتأثير؟ وماذا يمثل الدعم اليمني لغزة بالنسبة لفلسطين ولكم كعرب ولكل أحرار الأمة بشكل عام؟
بالنّسبة للجمهور الواسع شكّل اليمن عبر أنصار الله حدثا فارقا. قليلون توقّعوا سنة 2015 أن يكون من اليمنيين ما كان ويكون تباعا فترة مواجهة العدوان الدولي على اليمن الذي استمرّ لسنوات، وخصوصا عندما بدأ الإسناد الشجاع لغزّة ولمُقاوميها ويدوم إلى الآن رغم الصعوبات والتضييق والتّأليب. في بيئة عربيّة مُستكينة مُستسلمة يبرز اليمن عنوان تحدّ وإقدام. الغريب أنّ اليمن يُجاور مركز النظام الرّسمي العربي ونقصد السعودية. تمرّ كلّ السياسات عربيّا عبر هذا المركز ومنه منذ إنسحاب الدّول العربيّة ذات الوزن خلال العقود الماضية. لقد تمّ إضعاف مصر والعراق وسوريا بالقصد ليتربّع المركز السعودي الخليجي ويأخذ العرب وأبعد منهم إلى التطبيع والإستسلام. بل إنّ هذا المركز ينشط منذ عقود أيضا لمُحاصرة تيّار المواجهة للصهيونية في كلّ ساحة يحضر إليها هذا التيّار من فلسطين وحتّى إيران مروراً بلبنان وسوريا والعراق. واقعاً يتحوّل اليمن عربيّا ببركة ما ينجزه وينجح فيه مركز المواجهة الصهيونية وخطط الإستعمار للمنطقة، وبجواره المركز الضدّ المُؤتمن عربياً على الصهيونية ومصالح الإستعمار.
هذا وضع له ما بعده ولا شكّ مسؤولية اليمن واليمنيين كبيرة، ولا شكّ ودورهم محوريّ ويبدو أنّ قدرهم، بالحساب الإستراتيجي والغيبي أيضا، قدر خاصّ، وكلّ المؤشّرات تُثبت أنّ اليمنيين الذين حافظوا على مستويات قياسية من التجذّر في الإيمان والقيم والسير العظيمة والتاريخ بمُستوى المسؤوليّة وبحجم ما اصطفى لهم القدر من قدر.
منذ أيّام قليلة عمد الصهاينة إلى إغتيال كوكبة من أبناء اليمن البررة يتقدّمهم رئيس الحكومة وثلّة من الوزراء. لم تكن عمليّة بطوليّة في شيء، فمن عادة الحكومة أن تجتمع حيث قُصفت. هو استهداف جبان يفضح تخبّط الصّهاينة وحُنقهم من تحدّي اليمنيين لهم وقد غفلوا عن اليمن وشعبه الأصيل عقودا ظنّا أنّه لا يأتي منهم ما يزعج. اليمن ممّا لم يحتسبوا. الجريمة الغادرة من ضمن سلسلة من الإستهداف، بعض الإستهداف كان عربيّا بمرحلة من المراحل وبعضه كان أمريكيّا وغربيّا والآن هو صهيونيّ بواحا، وفي ذلك كلّ الخير، لأنّه يزيد في الكشف والتّمحيص والفرز.
يكسبُ اليمنيون تعاطف مئات الملايين عبر العالم وتكسب قضيّتهم وقضيّة فلسطين والقدس التي ينتصرون لها بجرأة نادرة أنصاراً جدداً كلّ يوم. ببركة اليمن يعي العرب أكثر فأكثر أنّ عروبة أخرى ممكنة وأنّ إسلاما وتديّنا آخريْن ممكنين أيضا. هذا الوعي ليس قليلا ويلزم وقت ولا شكّ ليكون حصاد.
من دون شكّ ما يزرعه اليمنيّون ليس قليلا بالمرّة ولعلّ الحصاد يكون بمستوى صدق رجال اليمن وعزّتهم وكرامتهم. كلّ الشعوب التي تنجح في فرض نفسها والتي يقرأ الآخرون لها حساب تمرّ بمثل هذه الإمتحانات وتدفع ما يدفعه اليمنيون اليوم من باهض الأثمان.
_ في ظل الموقف العربي الرسمي والشعبي المتراخي إزاء العدوان الصهيوني المستمر على قطاع غزة، والذي يتراوح بين الصمت والتطبيع والتخاذل والخيانة الصريحة مع العدو.. كيف يمكن تقييم التداعيات الخطيرة لهذا التراخي والتخاذل على الوجود العربي والإسلامي كأمة، في خضم التحولات المصيرية التي تشهدها المنطقة والإقليم والعالم بشكل عام؟ وما هي السبل المتاحة أمام الشعوب العربية والإسلامية للضغط على الأنظمة الرسمية من أجل تبني موقف موحد وحقيقي يدعم القضية الفلسطينية في معركتها المصيرية، قبل فوات الأوان؟ وإلى أين يمكن أن يستمرر هذا الصمت والتخاذل نظراً أمام مختلف التطورات والمتغيرات الراهنة؟
الوضع العربي الماثل اليوم وضعٌ رُكِّب خلال فترة ليست بالقصيرة. ركّبت الفترة الإستعمارية بعضا ممّا نراه وأكملت الصهيونيّة الباقي. أي أنّ المُواجهة قائمة منذ قرون. نحن نذكرُ المواجهة عندما تكون معارك سلاح. الواقع أنّ نظام الهيمنة لا يُفهمُ الأمر هكذا وأبرز ما يحقًقه من مكاسب ويسجّله من نقاط إنّما يكون بوقت قد نتوهّم فنُسمّيه وقت سلم وهو وقت حرب طاحنة. أخطر الحروب أكثرها نعومة لأنّ العدوّ يفرضها عليك وأنت لا تفهم ولا تعي وتظنّ أنّ السًماء صافية وأنّ العصافير تزقزق.
ما كنّا سنرى ما نراه اليوم من الصهيونيّة فترة الخمسينيّات والستّينيات من القرن الماضي. ذلك أنّ الشعوب حينها كانت خارجة للتوّ من معارك تحرّر من الإستعمار وفكاك من المستعمرين. كانت هناك نخوة وكان إحساس بالعزّة والشرف. كانت مجتمعاتنا أكثر محافظة وتجذّر وكان تنظّمنا الجمعي يقوم على موروث وتقاليد محمودة مع روابط أسريّة متينة إلى حدّ مُعتبر. بعد ذلك وبخبث ومكر دخلت الصهيونية مُستفيدة من إسناد المستعمرين على كلّ خطوطنا تقريبا. سمّمت علاقة العرب بعضهم ببعض وجذبت نُخبا واسعة واخترقت المؤسّسات وزرعت من جواسيسها وورّطتنا في حروب وفتن لا مصلحة لنا فيها جملة وتفصيلا. الآن تُعربد إسرائيل كما نرى ويرى كلّ العالم لأنّها منذ زرعها تُحضّر لهذه العربدة وتُعدّ لها مسرحها إدارة وثقافة وذوقا ومفردات سياسة وكواليس ديبلوماسيّة.
النتيجة أنّ جيلا وربّما أكثر لم يحضر النكبة ولم يحضر النكسة ولم يحضر أكتوبر 73 ولا غزو لبنان سنة 82 نسي، إذا لم يكن كلّ النسيان فبعضه، أنّ إسرائيل عدوّ وأنّ المعركة معها معركة وجود. لا هي معركة مفاوضات ولا هي معركة حدود. ثمّ أنّنا نحضر منذ كمب دفيد والى الفترة التي سبقت الطوفان مواسم من المصافحات والتبويس حتّى وصلنا محطّة إعلان القدس عاصمة يهوديّة وقبلها أوسلو الخبيثة. هذا مكر متين نوّم كثيرين وجعل الأنظمة تزكّي كلّ صنوف الإستسلام والخيانة. الطوفان شروع في تغيير كلّ هذا الواقع العربي الذي يتشكّل منذ عقود متّصلة. ليست مهمّة سهلة ولا هي مهمّة مُستحيلة. يلزمها مدح ويلزمها صبر ويلزمها تصميم.
الثابت أنّ هناك هزّة كيفيّة ومؤسّسة وأنّ جمهورا عربيّا واسعا يستعيد الذاكرة ويقيّم السياسة العربيّة من زاوية أخرى مُختلفة تماما. المطلوب مزيد من التّوعية بالوسائل التي تضمن الرواج المطلوب بزمن صفحات ومواقع وصوت وصورة. المطلوب الإبتعاد عن كلّ جدل يُشوّش على الوعي ويُذكي نار الفتنة. المطلوب تبيين أنّ الصهيونية سرطان يستهدف الجميع.
السياق موات تماماً لإحداث طفرة في الوعي ونقل الجمهور الواسع لينخرط في معركة مصيريّة إذا ربحتها الصهيونيّة تستعبدنا جميعا. هو طوفان، وهو مخاض بكلّ تأكيد والولادات المباركة تطلب هي أيضا مخاضات بما يكون فيها من ألم ومُكابدة وعُسر. لا ولادة من مخاض. الثابت أنّ خطط الصّهاينة والمُستعمرين تفشل ما يُضطرّهم في كلّ مرّة إلى مُراجعة التّصويب والتّذخير. لو سارت الأمور كما خطّطوا له لضاعت كلّ الحقوق ولكنّ الله سلّم ببركة رجال أباة صادقين.
_ ما هو موفقكم من الحراك الوطني الذي تشهده بعض الدول الإفريقية مؤخراً، وذلك ضد الوجود العسكري الأوروبي في القارة؟ وما أهمية هذا الحراك بالنسبة لهذه الدول ولأمن واستقرار دول وشعوب القارة الإفريقية بشكل عام؟ وهل تعتقدون أن هذا الحراك سيساهم في إعادة بناء هذه الدول وتعزيز وجودها ومكانتها الاقتصادية والجيوسياسية بين الأمم، خصوصاً وأنها تملك الكثير من المقومات لفرض حضورها على المستوى القاري والعالمي؟ كيف ذلك؟ وكيف أن العالم بأسره بحاجة اليوم للخلاص من الهيمنة والوصاية الأمريكية الأوروبية؟
من دون شكّ، يتبيّن أنّ المخاضات العربية جزء من مخاضات أوسع هي عالميّة دوليّة. نظام الهيمنة الغربيّة الذي زاد في الإستئساد منذ تفكّك الإتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، هذا النظام ثمرة الحرب العالمية الثانية مرتبط بنتائجها. هو في أزمة الآن ويراها هو أيضا أزمة وجوديّة ويسعى في إدامة نفوذه حيث تحقّق له هذا النفوذ سابقا ولقد تحقّق له من هذا النفوذ في إفريقيا.
دول إفريقيّة كثيرة كانت مُستعمرات فرنسيّة ويتواصل نفوذ الفرنسيين فيها. تعجز فرنسا منذ فترة عن مسك هذه الدّول وقد ذهبت بعيدا وبمحطّات كثيرة في استغلالها وسرقة مقدّراتها وإهانة شعوبها. دعمت ديكتاتوريات دمويّة هناك وأشعلت حروبا أهليّة وكلّ هذا يستفزّ أجيالا إفريقيّة متعلّمة طموحة. ثمّ إنّ المجال الإفريقي مجال واسع واعد ودول كبرى غير الغربيين صارت مُهتمّة بإفريقيا وبالإستثمار فيها. روسيا مهتمّة وكذلك الصين والهند ويشعر المُستعمرون القدامى أنّ الخناق يضيق عليهم. ليس معلوما بالتّحديد كيف تتطوّر هذه المخاضات المحلّية والدولية.
تونس بلد إفريقيّ ولكن مُستوى متابعة التونسيين، رسميّا وسعبيّا، ضعيف. ملفّات المشرق العربي جاذبة أكثر للتونسيين. نشعر مع ذلك أنّ الجزائر تهتمّ أولويّا وحيويّا بمخاضات إفريقيا وتحوّلاتها بل هي منخرطة فيها.
من الثابت والأكيد بل والقريب أنّ المجتمعات الإفريقية ستُؤثر وتؤثّر في تحوّلات هي الآن بحجم العالم، ولكن ولأنّ إطّلاعنا على النخب الغربية ورُؤاها محدود لا يُمكننا الإستشراف بالدقّة المطلوبة والمأمولة ربّما.
_ في خضم كل التطورات والمتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية.. هل لديكم رسالة هامة وخاصة تريدون أن توجهونها عبر هذا الحوار؟ ولمن توجهونها؟
السّياق وبكلّ مكان تقريبا معقّد ومُتحرّك بين محلّي وإقليميّ ودُوليّ. هي حركة متسارعة لم نألفها سابقا. هذا مرتبط بطبيعة الملفّات الحارقة بين تنموية واقتصادية وأمنية وعسكريّة وديبلوماسية مرتبطة بصراعات النفوذ. مرتبط أيضا بظاهرة العولمة التي تفرض ارتباط الكلّ والكلّ وأخيرا بالثورات التقنية المتلاحقة خصوصا في أنظمة الإتّصال والتواصل حتّ صرنا نتابع الحروب مباشر
ونتفاعل معها لحظة بلحظة وكنّا في السابق نسمع عن الحروب وقد انتهت. نتيجة كلّ هذا أنّ العقل يعجز عن ربط العناصر بعضها ببعض كما يعجز عن التوقّع الصّائب وعن اتّخاذ القرار الحكيم. بسياق كهذا يحتاج المرء بصيرة المُؤمنين والثقة في الله ووعده والتّسليم بأنّ فوضى التّاريخ لا تأتي على سُنن الله التي لا تتبدّل ولا تتحوّل. هنا يبرز دور اليمني المحوري، يبرز إيمانه الفطري وتبرز حكمته القادمة من بعيد.
أحسب نفسي من قلّة راهنت من خارج اليمن على اليمن، على درس اليمن وخلاصته أنّ القوّة الحقيقيّة والتي تزلزل حقّاً منظومة الهيمنة الكونيّة، هذه القوّة معنويّة روحيّة بالأساس، ويعوّل كثيراً على هذا الدّرس اليمني الأصيل والصّميم لتغيير ما بالعرب.
هناك شيء ما لم يفقده اليمنيون وفقده غيرهم من العرب. الأمل كبير في رؤية العرب يستعيدون ما فقدوه والأصحّ ما أُفقدوه.
في الأخير، شكراً جزيلاً للقائمين على هذه المنصّة على إتاحة الفرصة. أتمنّى لهم كلّ التوفيق ولشعب اليمن وكلّ أحرار المنطقة والعالم نصراً مؤزّراً ومجداً يدوم.