سبتمبر 2, 2025 - 20:54
تغيّر السرديات الإسرائيلية في أوروبا مع استمرار العدوان على غزّة ( أكتوبر 2023 – سبتمبر  2025 )



عرب جورنال / كامل المعمري - 
منذ السابع من أكتوبر 2023 انفتحت الساحة الأوروبية على مرحلة جديدة لم تعرفها من قبل. الحرب العدوانية الإسرائيلية على غزة، بكل ما حملته من صور المجازر والدمار والتجويع، فرضت نفسها على وجدان القارة، حتى بدا وكأنها تعيد صياغة مواقف الشعوب والحكومات والإعلام. أوروبا التي طالما كانت تُقدَّم باعتبارها الفضاء الغربي الأكثر التزاماً بالرواية الإسرائيلية التقليدية، بدأت تفقد تماسك تلك السردية يوماً بعد يوم. في الأيام الأولى سارع قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى ترديد المقولات المألوفة عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، واصطفّت الصحف الكبرى في مانشيتاتها خلف هذا الخطاب. لكن سرعان ما تغيرت الموازين. صور الأطفال تحت الركام، والأمهات وهن يصرخن فوق جثامين أحبائهن، وأصوات المستشفيات وهي تنهار على من فيها، كانت أقوى من أي رواية مصطنعة. تدريجياً لم يعد ممكناً للصحافة الأوروبية أن تتجاهل المشهد، ولم يعد ممكناً للحكومات أن تخاطب شعوبها بلغة الإنكار أو التواطؤ.

صحيفة الغارديان البريطانية التي لطالما اتسم خطابها بالحذر، بدأت منذ نوفمبر 2023 باستخدام لغة مختلفة تماماً. عناوينها الرئيسية تحدثت عن "غزة المحاصرة" و"الدمار الشامل"، وكتّابها وصفوا ما يجري بأنه "جرائم حرب" تستوجب المساءلة. حتى في فرنسا، حيث هيمنت لغة الدفاع عن إسرائيل لسنوات، قلبت لوموند اتجاهها بعد أسابيع قليلة، وخصصت افتتاحياتها للحديث عن "المأساة الإنسانية غير المسبوقة" وعن مسؤولية الاحتلال المباشرة في قتل المدنيين. في ألمانيا، بلد المحظورات التاريخية فيما يتعلق بإسرائيل، بدأت مجلة دير شبيغل تنشر تقارير يومية من غزة تفضح المجازر، وتصف العدوان بأنه "حرب بلا رحمة"، في تحوّل غير مألوف عن خطاب ألماني ظل لعقود مكبلاً باعتبارات الماضي.

الضغط الإعلامي ترافق مع انفجار في الشارع. منذ يوم 14 أكتوبر خرج عشرات الآلاف إلى شوارع لندن في مظاهرة ضخمة ترفع الأعلام الفلسطينية وتهتف بوقف القصف. بعد أسبوع واحد تضاعف العدد، ثم تحولت المسيرات إلى تقليد أسبوعي كل يوم سبت، يشارك فيه مئات الآلاف في العاصمة البريطانية. بحلول 11 نوفمبر 2023 قدّرت الشرطة أن أكثر من 300 ألف شخص احتشدوا في قلب لندن، فيما وصفه المراقبون بأنه أحد أكبر التجمعات الشعبية في تاريخ بريطانيا الحديث. الهتافات لم تكن مواربة: "إسرائيل دولة إرهابية"، "فلسطين حرة"، "أوقفوا القتل الآن". الإعلام الغربي الذي حاول بداية أن يحصر المشهد في أوساط الجاليات المسلمة والعربية اضطر لاحقاً للاعتراف بأن الحشود كانت متعددة الانتماءات، من طلاب الجامعات إلى النقابات العمالية، ومن عائلات بريطانية بيضاء إلى ناشطين يساريين ومثقفين وفنانين.

المشهد ذاته تكرر في باريس، رغم أن الحكومة حاولت قمع المظاهرات في البداية. وزير الداخلية أعلن حظر التظاهرات المؤيدة لفلسطين، لكن القرار اصطدم بغضب الشارع ودعاوى قضائية أنهت هذا الحظر سريعاً. في ساحة الجمهورية تجمع عشرات الآلاف رغم القيود، ومع مرور الوقت اتسع الزخم ليشمل شخصيات سياسية ونقابية. الشعارات في باريس لم تختلف كثيراً: "أوقفوا المجازر"، "لا لجرائم الحرب"، "حرروا فلسطين". ومع حلول ديسمبر 2023 أصبحت المسيرات جزءاً من المشهد الأسبوعي في العاصمة الفرنسية، فيما امتلأت شوارع مدن أخرى مثل مارسيليا وليون ونيس بأعلام فلسطين. الشرطة الفرنسية وثّقت أكثر من ألف حادثة متصلة بالصراع في الشهر الأول وحده، لكنها عجزت عن كبح موجة التضامن التي اجتاحت البلاد.

ألمانيا، حيث كان يُظن أن التظاهر من أجل فلسطين سيواجه أشد القيود، شهدت بدورها مسيرات كبيرة في برلين وفرانكفورت وهامبورغ. آلاف خرجوا يهتفون ضد العدوان، فيما واجهوا اتهامات رسمية بمعاداة السامية لمجرد رفع العلم الفلسطيني. ومع ذلك تواصلت الاحتجاجات بشكل أسبوعي، ما دفع الإعلام الألماني لاحقاً إلى الاعتراف بأن الغضب الشعبي أكبر من أن يُكبت. بل إن بعض المحللين الألمان كتبوا صراحة أن برلين لم تعد قادرة على التوفيق بين خطابها التقليدي الداعم لإسرائيل وصور المجازر التي تبث يومياً من غزة.

في إيطاليا امتلأت ساحات روما وميلانو بتظاهرات ترفع الأعلام الفلسطينية وتردد شعارات تندد بالصمت الأوروبي. آلاف المتظاهرين ساروا في شوارع مدريد وبرشلونة، وفي بروكسل كان المشهد أكثر رمزية حين احتشد أكثر من 75 ألف متظاهر أمام مؤسسات الاتحاد الأوروبي في يونيو 2025، مطالبين بفرض عقوبات على إسرائيل، ورافعين لافتات تصف ما يجري في غزة بالإبادة الجماعية. المتظاهرون هناك لم يكتفوا بالشعارات، بل أطلقوا حملات مقاطعة واسعة للشركات المتعاملة مع الكيان، وأقاموا اعتصامات أمام مقراتها. في أمستردام ولوكسمبورغ وزيورخ كذلك، تحولت الساحات إلى مشاهد يومية للتضامن.

لم تقتصر أشكال التضامن على التظاهرات التقليدية. في الجامعات الأوروبية انتشرت خيام الاعتصام التي نصبها الطلبة في ساحات الحرم الجامعي، حيث طالبوا إداراتهم بقطع أي علاقات أكاديمية أو مالية مع المؤسسات الإسرائيلية. في كامبريدج وأوكسفورد ولندن سكول أوف إيكونوميكس، كما في جامعات باريس وبرلين ومدريد، رفع الطلاب شعارات تدعو إلى إنهاء الاستثمارات في الشركات المتواطئة مع الاحتلال. بعض الإدارات تجاوبت وأعلنت مراجعة علاقاتها، فيما لجأت إدارات أخرى إلى الشرطة لفض الاعتصامات، لكن النتيجة كانت مزيداً من التضامن الشعبي مع الطلبة. في النقابات العمالية شهدنا مواقف مماثلة، حيث أعلنت اتحادات في بريطانيا وبلجيكا وإيطاليا رفضها التعامل مع شركات متورطة في تزويد الاحتلال بالسلاح أو المعدات.

حتى الشوارع الأوروبية اكتست بالأعلام الفلسطينية. في إيرلندا رفرفت رايات فلسطين فوق مباني البلديات بدعم من المجالس المحلية. في غلاسكو واسكتلندا ظهرت جداريات ضخمة تحمل صور أطفال غزة ورسائل تضامن. في الملاعب الأوروبية رفع المشجعون الأعلام الفلسطينية، كما فعل جمهور نادي سلتيك الأسكتلندي الذي أضاء مدرجاته بآلاف الأعلام خلال مباراة في دوري الأبطال، متحدياً قرارات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.

هذا الزخم الشعبي ترافق مع تحول في المزاج الإعلامي. الصحف الأوروبية الكبرى لم تعد قادرة على تكرار سردية "الدفاع عن النفس". استطلاعات الرأي كشفت حجم التحول: في بريطانيا أيّد 56% وقف تصدير السلاح لإسرائيل مقابل 17% فقط عارضوا، فيما رأى 59% أن إسرائيل ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في غزة. في ألمانيا وإيطاليا جاءت الأرقام أكثر دلالة: 74% من الألمان و92% من الإيطاليين طالبوا بوقف تصدير السلاح فوراً، و77% من الألمان و89% من الإيطاليين طالبوا بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل بسبب عدم احترامها لحقوق الإنسان. هذه الأرقام لم تخرج من فراغ، بل تعكس غضباً متراكماً من صور الموت الجماعي والحصار والتجويع التي نقلتها الشاشات إلى كل بيت أوروبي.

حتى على المستوى السياسي، لم يعد ممكناً تجاهل هذا الضغط. بيانات رسمية صدرت من باريس وبرلين ولندن تحذر إسرائيل من مغبة الاستمرار في العدوان، وتلوّح بإجراءات عقابية. في مايو 2025 أعلنت سبع دول أوروبية بياناً مشتركاً يدعو إسرائيل إلى إنهاء الحصار فوراً والسماح بوصول المساعدات، مهددة بإعادة النظر في العلاقات إن استمرت الانتهاكات. في يوليو 2025 وقعت 28 دولة، معظمها أوروبية، على بيان يدعو صراحة إلى وقف الحرب ويدين قتل المدنيين وتجويع السكان، واصفاً ما يجري بأنه غير إنساني، ورافضاً أي تهجير قسري أو تغيير ديمغرافي في غزة.

بهذا المشهد، لم يعد هناك مجال للحديث عن أوروبا كما كانت قبل أكتوبر 2023. السردية الإسرائيلية تراجعت بشكل واضح، الإعلام فقد حياده الزائف، الشعوب خرجت بالملايين، والأنظمة السياسية وجدت نفسها مضطرة لمجاراة المزاج العام. ما جرى خلال عامين من الحرب على غزة يمكن وصفه بأنه تحوّل تاريخي في وعي القارة، أشبه بانقلاب في الإدراك الجمعي. لأول مرة منذ عقود، باتت الرواية الفلسطينية حاضرة في الشارع الأوروبي بقوة، وأصبح الاحتلال في موقع الدفاع والتبرير.

لم يقتصر التحول الأوروبي على الشارع والإعلام، بل تمدد إلى عالم الثقافة والفنون حيث دوّى صوت غزة من فوق المسارح والمهرجانات، في مشهد لم تعرفه القارة من قبل. في مهرجان غلاستنبري ببريطانيا، أكبر مهرجان موسيقي في أوروبا، توقفت الموسيقى فجأة لتعلو صرخة مدوية من مغني فرقة بوب فايلان: الموت للجيش الإسرائيلي. آلاف الحاضرين ردّدوا الشعار بحماس وهم يلوّحون بالأعلام الفلسطينية، في لحظة مثّلت اختراقاً وجّه ضربة قوية للسردية الإسرائيلية التي لطالما تسللت إلى الساحة الثقافية. لم يكن الأمر مجرد هتاف عابر، بل تحوّل إلى قضية رأي عام، أحرجت الطبقة السياسية والإعلامية البريطانية، ودعت وزراء ومسؤولين للتنديد ومحاولة محاصرة الحدث، بينما خرجت أصوات أخرى لتؤكد أن الصرخة لم تكن ضد دين أو هوية، بل ضد آلة قتل جماعية ارتكبت الفظائع في غزة. وعلى المنصة نفسها صعدت فرقة نيكاب الإيرلندية، وامتلأت الساحة بأعلام فلسطين ولبنان، في تأكيد أن الفن حين يلتقي بالعدالة يصبح أبلغ من آلاف التصريحات الدبلوماسية.
لم يقتصر الأمر على المهرجانات، بل انخرط آلاف الفنانين والمثقفين في حملات تضامن واسعة. مبادرة "فنانون من أجل وقف إطلاق النار" جمعت أكثر من أربعة آلاف توقيع من موسيقيين وممثلين وكتّاب من مختلف أنحاء أوروبا، أعلنوا رفضهم للحرب على غزة وطالبوا بوقفها فوراً. في ألمانيا التي يُخشى فيها من أي انتقاد لإسرائيل، وقّع أكثر من مئتي شخصية ثقافية بارزة رسالة تطالب الحكومة بوقف تسليح الكيان، معتبرة أن استمرار الصفقات يجعل برلين شريكاً في الجرائم.

في إيطاليا وإسبانيا ظهرت بيانات مماثلة، وفي بريطانيا أعلنت شخصيات من عالم السينما والمسرح تضامنها العلني مع أطفال غزة. حتى الملاعب الرياضية لم تسلم من هذا التحول، فالمشجعون رفعوا الأعلام الفلسطينية في مباريات الدوري، ولاعبون رفضوا الصمت ولوّحوا برايات فلسطين أمام الجماهير، لتتحول القضية إلى جزء من المشهد العام في الحياة الأوروبية.
في موازاة هذا الغليان الشعبي والثقافي، سُجلت تداعيات اجتماعية معقدة في القارة. فبعض الأحداث حملت طابعاً دينياً أو عرقياً حين توجهت فئات صغيرة للتعرض لمؤسسات أو أشخاص يهود باعتبارهم ممثلين للكيان، ما أثار قلقاً واسعاً لدى السلطات. في بريطانيا وثّقت منظمات محلية آلاف الحوادث خلال عام الحرب، تراوحت بين مضايقات وتهديدات على الإنترنت، إلى اعتداءات على معابد ومراكز مجتمعية. في فرنسا أعلنت وزارة الداخلية أن أكثر من ألف حادثة سُجلت خلال شهر واحد بعد اندلاع العدوان، بينها اعتداءات لفظية وكتابات مسيئة على الجدران. في ألمانيا ظهرت وقائع مشابهة، بينها محاولات لإحراق معابد أو استهداف مطاعم يملكها يهود. هذه الأحداث، وإن كانت هامشية قياساً بالمد التضامني مع فلسطين، استُخدمت سياسياً وإعلامياً لتشويه صورة الحراك، بينما أكد المتظاهرون مراراً أن صراعهم مع كيان محتل وجيش قاتل لا مع ديانة أو جماعة بعينها. الشعارات في الشوارع كانت واضحة: نحن ضد الاحتلال، نحن مع الشعب الفلسطيني، ولسنا ضد أي إنسان بسبب دينه أو أصله. حتى ناشطون مسلمون وعرب خرجوا في تظاهرات خاصة لإدانة أي اعتداء على اليهود، مؤكدين أن المعركة سياسية وأخلاقية، وأنه لا يجوز تحويلها إلى صراع ديني داخلي.
وعلى المستوى الرسمي، بدأت أوروبا تترجم غضب شعوبها إلى سياسات أكثر صرامة. إسبانيا بادرت منذ الأسابيع الأولى للعدوان إلى وقف كل صادرات السلاح إلى إسرائيل، ثم ألغت عقوداً بملايين الطلقات، وأعلنت أنها لن تتعامل مع أي شركة إسرائيلية في مناقصاتها الأمنية. بريطانيا، رغم تباطؤها، اضطرت إلى تجميد عشرات تراخيص تصدير الأسلحة خشية استخدامها في غزة، وألمانيا أعلنت في مايو 2025 أنها لن تسمح بخروج أي عتاد قد يُستعمل في العمليات هناك. بلجيكا، بضغط من برلمانها ونقاباتها، أوقفت شحنات سلاح كانت متجهة إلى تل أبيب، وإيطاليا عطلت صفقات قائمة بعد تصويت برلماني تاريخي. هذه القرارات لم تأت من فراغ، بل كانت ثمرة ضغط الشارع الذي اعتبر استمرار التسليح تواطؤاً مباشراً في الجرائم.
المسألة لم تقف عند السلاح. في أروقة الاتحاد الأوروبي، دفعت إسبانيا وإيرلندا بمطلب مراجعة اتفاقية الشراكة التجارية مع إسرائيل، مستندتين إلى المادة التي تشترط احترام حقوق الإنسان. في البداية تجاهلت المفوضية الأوروبية، لكن مع تزايد الغضب انضمت دول أخرى إلى الحراك، بينها هولندا وفنلندا والبرتغال والسويد وفرنسا. النقاش وصل إلى العلن لأول مرة: هل ينبغي تعليق الاتفاقية أو فرض عقوبات؟ ورغم الانقسام داخل الاتحاد، كان مجرد طرح المسألة بمثابة ضربة كبرى لإسرائيل التي طالما تمتعت بحماية أوروبية كاملة.
أما على صعيد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فقد شهد عام 2024 تطوراً تاريخياً حين أعلنت إسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا اعترافها الرسمي بفلسطين. في العام التالي لحقتها فرنسا وبلجيكا، وأعلنت دول أخرى أنها تدرس الخطوة. هذا الاعتراف لم يكن رمزياً فقط، بل ترافق مع دعوات أوروبية متصاعدة لمنح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. في دبلن ومدريد وأوسلو، رفع القادة السياسيون العلم الفلسطيني إلى جانب علم بلادهم، وأكدوا أن العدالة تقتضي إنهاء عقود من التواطؤ. إسرائيل ردّت بغضب وأغلقت سفارتها في إيرلندا، لكن ذلك لم يغيّر شيئاً من اتجاه الريح.
مع مرور الوقت، بدأت البيانات الأوروبية تتخذ لهجة أشد وضوحاً. في يوليو 2025 وقعت 28 دولة على بيان يطالب بإنهاء الحرب فوراً، ويدين قتل المدنيين وتجويعهم، ويرفض أي محاولة لتهجيرهم من أرضهم. البيان تحدث عن جرائم لا يمكن السكوت عنها، وعن مسؤولية قانونية وأخلاقية تقع على عاتق إسرائيل. مثل هذه اللغة، الصادرة من دول أوروبية لطالما كانت جزءاً من منظومة الحماية السياسية للكيان، تعني أن السردية الإسرائيلية انهارت في موطنها التقليدي.
في المحصلة، ما بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2025 شهدت أوروبا انقلاباً في نظرتها إلى الصراع. إسرائيل التي اعتادت تقديم نفسها ضحية تعرّضت لانكشاف كامل: صور غزة كانت أبلغ من دعايتها، والشارع الأوروبي تحرك بقوة لم يسبق لها مثيل، والإعلام تجرأ على تسمية الأشياء بأسمائها، والفنانون والمثقفون كسروا حاجز الخوف. كل ذلك وضع الحكومات أمام خيار صعب: إما الاستمرار في ترديد الشعارات الممجوجة، أو الإصغاء إلى شعوبها. كثير من الحكومات اختارت الخيار الثاني، على الأقل في خطابها وسياساتها الرمزية، وبعضها ذهب أبعد فاعترف بدولة فلسطين وفرض قيوداً على التعاون مع الكيان.

اليوم، لم يعد ممكناً لإسرائيل أن تعتمد على أوروبا كساحة مضمونة. فقدت السردية التقليدية الكثير من سطوتها، وصار العلم الفلسطيني حاضراً في الشوارع والساحات والملاعب، وصار صوت غزة مسموعاً من فوق المسارح، وصارت المطالب بقطع العلاقات ومحاسبة الكيان جزءاً من النقاش العام. لقد انكسرت الهيبة التي صنعتها آلة الدعاية الصهيونية على مدى عقود، وانهارت الرواية التي كانت تُقدَّم للأوروبيين باعتبارها الحقيقة الوحيدة. وما جرى خلال عامين من الحرب على غزة ليس حدثاً عابراً، بل تحوّل استراتيجي في وعي القارة، قد تكون له تداعيات عميقة على مستقبل العلاقة بين أوروبا والكيان.

على صعيد آخر، دفعت فظائع الحرب بعض الحكومات الأوروبية إلى ما يمكن وصفه بـمبادرات مقاطعة أو عقاب دبلوماسي واقتصادي لإسرائيل. فمع تزايد الدعوات الشعبية، بدأت دول أوروبية باتخاذ خطوات ملموسة تعكس سخطها على سياسات تل أبيب:
حظر بيع الأسلحة والمعدات العسكرية لإسرائيل: كانت هذه من أبرز الإجراءات. بادرت إسبانيا مبكرًا منذ أكتوبر 2023 إلى إعلان تعليق جميع صادرات الأسلحة والمعدات العسكرية الجديدة إلى إسرائيل استجابةً للعدوان على غزة. وأكدت الحكومة الإسبانية أنها ملتزمة بعدم بيع أية أسلحة لإسرائيل منذ اندلاع النزاع. ولم تكتفِ بذلك، بل وسّعت هذا الالتزام ليشمل إلغاء عقود مشتريات كانت إسبانيا قد أبرمتها لشراء ذخائر من شركات إسرائيلية. ففي أكتوبر 2024 ألغت وزارة الداخلية الإسبانية صفقة لشراء 15 مليون طلقة ذخيرة كانت قد تعاقدت عليها مع شركة إسرائيلية، معتبرةً أنه لا يجوز المضي بأي تعامل تسليحي وسط تلك الظروف. بل أعلنت الوزارة أنها ستُقصي الشركات الإسرائيلية من أي مناقصات قائمة أو مستقبلية لديها. وإسبانيا معروفة بموقفها الشعبي والسياسي القوي ضد الحرب، إذ وصفها الإعلام بأنها من أشد دول الاتحاد الأوروبي انتقادًا لحملة إسرائيل في غزة.
خطوات مماثلة في دول أخرى: ألمانيا ورغم تحالفها التقليدي مع إسرائيل، أعلنت في مايو 2025 عن تعليق تصدير أي عتاد عسكري "قد يُستخدم في غزة". وشمل ذلك وقف تراخيص تصدير أسلحة ومعدات مراقبة قد تستعملها إسرائيل في العمليات ضد غزة. كذلك أفادت تقارير أن المملكة المتحدة نفسها جمّدت حوالي 30 ترخيصًا لتصدير أسلحة كانت صالحة لإسرائيل من أصل 350 ترخيص، خشية استخدامها في انتهاك القانون الدولي. كما قامت بلجيكا (وخاصة إقليم والونيا المختص بقرارات التصدير) بتجميد شحنات أسلحة كانت موجهة لإسرائيل، تجاوبًا مع ضغوط البرلمان والمجتمع المدني هناك. وفي إيطاليا، وعلى الرغم من موقف حكومتها اليمينية الحذر، صوت البرلمان في نوفمبر 2024 على قرار يطالب بحظر بيع الأسلحة لإسرائيل، وتم بالفعل تعطيل صفقات قائمة ووقف منح أذونات تصدير جديدة. ويمكن القول إنه للمرة الأولى برز موضوع حظر تسليح إسرائيل في الأجندة الأوروبية بقوة، مدعومًا برأي عام يرى استمرار التسليح تواطؤًا في جرائم الحرب.
تعليق اتفاقيات التعاون والشراكة: دفعت إسبانيا وإيرلندا بحراك داخل أروقة الاتحاد الأوروبي لتعليق اتفاقية الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل بموجب المادة 2 منها التي تشترط احترام حقوق الإنسان. فقد قدمت مدريد ودبلن طلبًا رسميًا في فبراير 2024 لمراجعة الاتفاقية على خلفية خروقات إسرائيل، بيد أن المفوضية الأوروبية تجاهلت الطلب بداية. ومع تفاقم الأوضاع، تبنّت هولندا في منتصف 2025 دعوة جديدة لمراجعة علاقات الاتحاد بإسرائيل بسبب حصار غزة، وحظيت بدعم كل من فنلندا والبرتغال والسويد وفرنسا لهذه المبادرة. وإزاء هذا الضغط، أجرى ذراع العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي تحقيقًا وجد "مؤشرات على خرق إسرائيل لالتزامات حقوق الإنسان المنصوص عليها في اتفاقية الشراكة". ورغم انقسام الاتحاد الأوروبي داخليًا (حيث تعارض ألمانيا والنمسا ودول أخرى أي عقوبات على إسرائيل)، فإن مجرد الوصول إلى نقاش علني حول احتمال تعليق الاتفاقية أو فرض عقوبات يعدّ تطورًا فارقًا أحدثته مواقف دول مثل إسبانيا وإيرلندا. وقد دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في أكتوبر 2024 دول الاتحاد للانضمام إلى طلب بلاده وإيرلندا بتعليق اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل بسبب أفعالها.
توتير العلاقات الدبلوماسية: بعض الدول ذهبت إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية رمزية تعبّر عن استيائها. إيرلندا مثلًا قادت مواقف أوروبية شجاعة؛ إذ كانت من أوائل من وصف ما يجري في غزة بأنه "جرائم إبادة". وفي أواخر 2024 وصلت التوترات إلى درجة أن إسرائيل أعلنت إغلاق سفارتها في دبلن وسحب سفيرها من إيرلندا احتجاجًا على مواقف الحكومة الإيرلندية المؤيدة للفلسطينيين. جاء ذلك بعد أن اعترف البرلمان الإيرلندي رسميًا بدولة فلسطين وصوّت على إدانة القصف الإسرائيلي بوصفه جرائم حرب. ورغم القرار الإسرائيلي، أكدت إيرلندا أنها لن تصمت أو تغيّر موقفها، وصرّح رئيس وزرائها بأن إسرائيل "لن تسكت إيرلندا" عن انتقاد حرب غزة.

وفي حالات أخرى، شهدنا استقالات لمسؤولين أوروبيين رفيعين رفضًا لسياسات حكوماتهم المؤيدة لإسرائيل: فمثلاً، استقال أكثر من 12 مسؤولًا ودبلوماسيًا في دول أوروبية مختلفة (بينهم وزراء ونواب سفراء) بين أواخر 2023 ومطلع 2024، معلنين أن ضمائرهم لا تسمح بدعم العدوان على غزة. هذه الأحداث وإن كانت فردية، إلا أنها تعكس عمق الفجوة التي أحدثتها حرب غزة داخل المؤسسات الأوروبية نفسها.

الاعترافات الدبلوماسية والدعم الدولي لفلسطين: كما أشرنا، اعترفت أربع دول أوروبية جديدة بدولة فلسطين عام 2024 (إيرلندا وإسبانيا والنرويج وسلوفينيا)، ورفعت دول أخرى مستوى تمثيل بعثاتها لدى فلسطين. كذلك دعت دول أوروبية إلى جلسات في المحافل الدولية للدفع نحو وقف إطلاق النار وإرسال لجان تحقيق. وعلى سبيل المثال، أيدت معظم دول أوروبا الغربية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2023 الداعي لوقف فوري للقتال وإيصال المساعدات، رغم معارضة عدد قليل حليف لإسرائيل. وأعلنت النرويج وبلجيكا ودول أوروبية أخرى تأييدها لمقترحات إحالة ملف جرائم الحرب في غزة إلى المحكمة الجنائية الدولية، في سابقة هي الأولى من نوعها ضمن سياق الصراع.
يمكن القول إنه بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2025 تحولت صورة إسرائيل من "طرف ضحية يدافع عن نفسه" – كما رُسمت في البداية – إلى "قوة احتلال ترتكب فظائع جماعية" في إدراك جزء واسع من الشارع الأوروبي وقطاعات من سياسييه. هذا التحول تجلّى في كل شيء: الهتافات في الساحات، عناوين الصحف، تصريحات البرلمانيين، وقرارات الحكومات. السردية الإسرائيلية التقليدية التي كانت تهيمن على الخطاب الأوروبي لسنوات تلقت تحديًا غير مسبوق خلال هذه الفترة. فقد سلط الإعلام العالمي الضوء على مأساة غزة يوميًا بفضل شجاعة صحفيين ميدانيين، فلم يعد بالإمكان إخفاء الحقيقة أو ترويج رواية أحادية. ومع ارتفاع عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة إلى ما يفوق 58 ألف قتيل بحلول منتصف 2025 (بينهم حوالي 20 ألف طفل)، بلغ السخط الشعبي والنخبوي ذروته، وبدأت كثير من الأصوات الأوروبية تصف ما يجري بالإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين. وبينما لا تزال بعض الحكومات مترددة في ترجمة كل هذا الغضب إلى سياسات صارمة تجاه إسرائيل بسبب حسابات سياسية، فإن رسالة الشارع الأوروبي دوّت بقوة: لن تُقبل جرائم الكيان الإسرائيلي بصمت بعد الآن.
الخلاصة: خلال الفترة من أواخر 2023 حتى أواخر 2025 شهدت أوروبا تغيرًا عميقًا في سردياتها ومواقفها حيال القضية الفلسطينية. قوبلت المجازر في غزة بحراك شعبي هائل جعل التضامن مع فلسطين جزءًا من التيار العام في المجتمع الأوروبي. وساهمت هذه الضغوط في تعديل خطاب العديد من الحكومات وفتح باب المساءلة لإسرائيل على الساحة الدولية. ورغم بعض التداعيات السلبية كارتفاع معاداة السامية، فإن الصورة العامة كانت صحوة ضمير جماعية ضد الظلم الواقع على شعب غزة. لقد أظهرت أوروبا – شعوبًا ونخبًا – أنها قادرة على إعادة تقييم روايات الصراع وكسر المحظورات عندما تواجه حقيقة مأساة إنسانية كبرى. ومع استمرار الأوضاع في غزة، يبقى المشهد الأوروبي مرشحًا لمزيد من التحولات، لكن المؤكد أن صوت الاحتجاج الأوروبي أصبح عاملًا لا يمكن تجاهله في سردية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي اليوم.

المصادر
تغير المواقف الأوروبية الرسمية وتصاعد الانتقادات لإسرائيل: . اعتراف دول أوروبية بدولة فلسطين ودعوتها لعضوية الأمم المتحدة: .
تصريحات ألمانيا بشأن وقف تسليح إسرائيل ووصف الضربات بأنها غير مبررة: .
استطلاعات الرأي حول تحول مزاج الشعوب الأوروبية (بريطانيا): ، (ألمانيا وإيطاليا): .
التظاهرات الحاشدة في لندن وأوروبا (أكتوبر – نوفمبر 2023): ، وامتدادها بشكل أسبوعي . مشاركة 75 ألف في بروكسل يونيو 2025 ووصف أفعال إسرائيل بالإبادة: .
حادثة هتاف "الموت للجيش الإسرائيلي" في مهرجان غلاستنبري وردود الفعل: .
موقف الشرطة البريطانية من فرقة Kneecap وإسقاط التهمة: . استمرار التحقيق مع Bob Vylan: . أعداد ضحايا غزة حتى منتصف 2025: .

خطوات إسبانيا بوقف تصدير وشراء الأسلحة من إسرائيل منذ أكتوبر 2023: . مطالبة سانشيز بتعليق اتفاقية الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل: .
نتائج استطلاع دعم حظر السلاح وعقوبات في ألمانيا وإيطاليا: . تأييد شعبي واسع لتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل: . دعم عدة دول أوروبية لمراجعة العلاقات (مبادرة هولندا وفنلندا والبرتغال والسويد وفرنسا): .
بيان 28 دولة في يوليو 2025 للمطالبة بإنهاء الحرب وإدانة تجويع المدنيين: . رفض التهجير القسري وتصاعد الاستيطان: . الدول الموقعة وبينها غالبية الدول الأوروبية الحليفة: (ومنها التي اعترفت بفلسطين عام 2024: ).