سبتمبر 1, 2025 - 18:50
سبتمبر 1, 2025 - 18:52
لبنان على خط الزلازل ..  معركة السلاح والسيادة بين ضغط التطبيع ووعد الردع

 

عرب جورنال / توفيق سلاَّم - 

لا يقف لبنان اليوم عند حافة أزمة داخلية عابرة، بل في قلب إعادة تشكيل قسري لمعادلة أمنه القومي على إيقاع حرب إقليمية مفتوحة. الجنوب محتل بما يتجاوز خرق الحدود، والاقتصاد محاصر بانهيار مُمنهج يلتهم ما تبقى من قدرة الدولة على الحكم، فيما يتقدم المسعى الأمريكي–الصهيوني لانتزاع تغيير قواعد اللعبة تحت عنوان الاستقرار.


نزع سلاح حزب الله


 نزع سلاح المقاومة وإحلال حياد منزوع الإرادة، يضمن لإسرائيل جبهة ساكنة ويُقايض اللبنانيين أمنهم الوطني بوعود مساعدات مالية. في المقابل يتمسك حزب الله بمعادلة الردع بوصفها الضمانة الوحيدة لعدم تحويل البلاد إلى ساحة مستباحة، ويرى في أي فصل قسري بين الجيش والمقاومة خطوة إلى فتنة داخلية لا تُبقي من معادلة الدولة إلا قشرها.
يتجاوز الصراع حدوده اللبنانية الضيقة. فالجبهة الممتدة من غزة إلى الجنوب اللبناني تشكل حقل اختبار لمستقبل الردع في المشرق، وسوريا بجغرافيتها المشتبكة وحدودها المفتوحة تُبقي خطوط الإمداد والضغط قائمة، بينما ينظر الخليج إلى المشهد من زاوية مزدوجة تجمع هواجس الاستقرار وأسعار الطاقة ومقتضيات التهدئة مع واشنطن. عربيًا، تنقسم المواقف بين مسعى لاحتواء الانفجار عبر تسويات مالية–أمنية مشروطة، وبين من يعتبر أن أي تسوية لا تُقيد يد المحتل ولا تحمي معادلة الردع ستُنتج هدوءًا هشًّا يسبق عاصفة أكبر. 
دوليًا، تتقدم أولويات متعارضة، الولايات المتحدة تدفع نحو إدماج لبنان في مسار التطبيع بمعادلته الأمنية، ويتجاوز التهديد إلى ضم لبنان إلى الشام ضمن خارطة جديدة للتقسيم.
 أوروبا تُمسك بملف اللاجئين والطاقة، ومؤسسات الأمم المتحدة عالقة بين نص القرارات وحدود القدرة على فرضها.

في هذا السياق، يصبح النقاش حول "سلاح من" و"شرعية من" ناقصًا إن لم يُقارب سؤال السيادة من موقعه الصحيح: هل يُراد للبنان دولة قادرة على فرض توازن ردع يحمي أرضه وحدوده ويصون قراره الاقتصادي، أم دولة منزوعة المخالب تُدار من الخارج بترتيبات مالية وأمنية؟ الإجابة لا تنفصل عن بنية الانهيار الداخلي، نظام مصرفي مأزوم، دولة متآكلة، طبقة سياسية عاجزة، وجمهور يختنق بين فواتير طاقة وفقدان خدمات. عند هذا التقاطع تتحدد معركة لبنان المقبلة: هل يُعاد تشكيل معادلته الأمنية–السياسية على قاعدة شراكة مُنظمة بين الجيش والمقاومة ضمن استراتيجية دفاع وطني تُغلف الردع بالقانون وتَحُدُّ من احتمالات الحرب الأهلية، أم تُفرض عليه معادلة "سلام قسري" تُسقط الردع وتؤبد الاحتلال وتفتح الباب لوصاية اقتصادية–أمنية جديدة؟
تفكيك المشهد من زواياه العربية والإقليمية والدولية، بقراءة حسابات الأطراف وحدود قوتها، وتستشرف سيناريوهاتٍ ثلاثة: تثبيت ردع مُحكم يقي لبنان كلفة الحرب الكبرى، أو "هدنة" تُبدد السلاح السياسي للدولة وتُبقي الاحتلال واقعاً، أو انزلاق إلى صدام داخلي يولد وصاية خارجية بوجه جديد. بين هذه الاحتمالات، يبقى معيار السيادة اللبنانية الحقيقي هو القدرة على صياغة توازن يحمي الأرض والقرار معاً، لا أن يُستبدل أمن الحدود بالارتهان، ولا لقمة العيش بثمن التخلي عن الردع.


إعادة رسم الجغرافيا 


لم يعد المشهد اللبناني معزولاً عن صراعات الجوار، بل هو جزء من لوحة أوسع تتحرك خيوطها من جنوب سوريا حتى غزة، مروراً بالجنوب اللبناني. فإسرائيل–بما تملكه من أدوات عسكرية وإعلامية – تسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية والأمنية عبر حملات تضليل ممنهجة، ومخططات تهدف إلى خلق مناطق منزوعة السلاح، تحت مسمّى "الأمن"، لكنها في جوهرها تكرس الاحتلال وتوسع نفوذها.
منذ سنوات تعتمد إسرائيل على الدعاية السوداء كجزء من استراتيجيتها، تصوير المقاومة كتهديد داخلي للبنان، والترويج لفكرة أن سلاحها موجه للداخل لا للخارج. كما تدير آلة إعلامية ضخمة تخاطب الرأي العام الغربي والعربي، لتبرير أي عدوان على لبنان تحت شعار "الدفاع عن النفس".

هذه الحملات لا تقف عند حدود لبنان، بل تمتد إلى سوريا، حيث ضخت إسرائيل روايات إعلامية وأمنية عن "حماية الأقليات" من الدروز وتحديداً في السويداء، لتبرير محاولات فصلها عن دمشق وخلق كيان عازل يُشبه الشريط الحدودي الذي فرضته في جنوب لبنان خلال الثمانينات والتسعينات.
الجنوب اللبناني هو الخاصرة الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل. فالمقاومة هناك تمثل عنصر الردع الأقوى في مواجهة مشروعها التوسعي. لذلك تحاول تل أبيب باستمرار إبقاء الجنوب منطقة نزاع مفتوح من خلال خروقات مستمرة، لفرض واقع احتلالي بحكم الأمر الواقع.

الترويج إعلامياً وسياسياً لمطلب "منطقة منزوعة السلاح"، أي تفريغ الجنوب من أي قوة مقاومة، وتحويل الجيش اللبناني إلى شرطة داخلية محدودة الفاعلية، وتكرار النموذج السوري، كما عملت في جنوب سوريا على تكريس نفوذها عبر جماعات محلية و"ضمانات أمنية"، فهي تريد أن يتكرر ذلك في الجنوب اللبناني، ليصبح مجرد منطقة عازلة تخدم الأمن الإسرائيلي.


معادلة المقاومة


لبنان الرسمي، بجيشه ومؤسساته، يفتقد إلى الحد الأدنى من القدرات التسليحية الحديثة، وهو ما يجعل جيشه أقرب إلى قوة شرطة داخلية مهمتها حفظ الأمن الداخلي أكثر من مواجهة الاحتلال. هذا الواقع هو ما يدفع حزب الله إلى التمسك بمعادلة السلاح والردع، لأن أي فراغ في الجنوب سيملؤه الاحتلال الإسرائيلي. وبذلك يتشابه لبنان مع الحالة الفلسطينية في السبعينات حين حُصر دور منظمة التحرير في "شرطة مخيمات"، بلا قدرة على مواجهة الاحتلال، فيما توسعت إسرائيل في الاستيطان والضم.

عربياً، تنقسم المواقف بين محور يسعى إلى تحييد لبنان بأي ثمن حتى لو كان على حساب المقاومة، وبين أطراف تعتبر أن تفريغ الجنوب من سلاحه يفتح الباب أمام حرب شاملة.
إقليمياً، سوريا تدرك أن محاولات فصل السويداء تشكل امتداداً لمخططات فصل الجنوب اللبناني، ما يجعلها أكثر تمسكاً بتحالفها مع قوى المقاومة.
دولياً، واشنطن تغطي هذه المخططات تحت عنوان "الاستقرار" وتضغط لانتزاع سلاح حزب الله، فيما أوروبا تنظر ببراغماتية، هدفها ضبط موجات اللجوء وتأمين الطاقة أكثر من الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
ومن هنا تبدو قراءة المعادلة واضحة، بمعنى أي منطقة تتوغل فيها إسرائيل تتحول في استراتيجيتها إلى "أراضٍ مستباحة بحكم القوة"، ولا انسحاب منها إلا تحت ضغط المقاومة. لذلك، فإن مستقبل لبنان لن يُحسم فقط في بيروت، بل في توازن الردع بين الجنوب اللبناني والجولان السوري وغزة، حيث تُرسم خطوط حمراء لإسرائيل وتُكسر أحلامها في خاصرة الشمال.