سبتمبر 1, 2025 - 18:47
التصعيد الإعلامي التركي ضد إسرائيل بين القول والفعل  .. من يمون آلة الحرب الإسرائيلية  في غزة بالوقود .. ؟!

 

عرب جورنال / أنس القباطي - 

أعلنت تركيا مؤخرًا وقفًا تامًا للتجارة مع إسرائيل، حيث مُنعت السفن التركية من دخول الموانئ الإسرائيلية، كما مُنعت الطائرات الإسرائيلية من دخول المجال الجوي التركي. غير أن الإعلان التركي يبدو قولًا أكثر منه فعلاً، لأن المورد الرئيسي للنفط إلى إسرائيل هو حليفتها أذربيجان، التي تُزوّد إسرائيل بالنفط عبر خطوط الأنابيب والموانئ التركية.

نقطة عبور
والمتعارف عليه أن أذربيجان لا تصدر النفط مباشرة إلى إسرائيل عبر خط أنابيب يمتد بين البلدين، بل تعتمد آلية معقدة تشمل تركيا كنقطة عبور رئيسية. فالنفط في أذربيجان يُستخرج من حقول بحر قزوين بالقرب من العاصمة باكو، وينقل عبر خط أنابيب باكو – تبيليسي – جيهان، الذي يصل طوله إلى حوالي 1,768 كم، ومن ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط يُحمَّل النفط الأذري على ناقلات نفط كبيرة تُبحر عبر البحر المتوسط إلى موانئ إسرائيل.

حلقة وصل
وهنا تلعب تركيا دور حلقة وصل لوجستية، فهي تستضيف خط الأنابيب وميناء الشحن، ما يجعلها الممر الوحيد لتدفق النفط الأذربيجاني إلى إسرائيل، وليس بالضرورة أن يُحمل إلى إسرائيل عبر ناقلات تركية.

والمتتبع لحركة نقل النفط بين ميناء جيهان التركي والموانئ الإسرائيلية سيجد أن أغلب الناقلات مسجلة تحت "أعلام راحة" (Flags of Convenience)، مثل جزر مارشال، ليبيريا، وبنما. وعادةً ما تُستخدم هذه الأعلام لتقليل التكاليف والالتزامات القانونية، ما يتيح للمالكين تجنب بعض القوانين والضرائب الوطنية، وهو أسلوب شائع في صناعة الشحن الدولي، خاصة في عمليات نقل النفط.

وتُشرف شركة "Azerbaijan Caspian Shipping Company" (ASCO) على جزء من عمليات الشحن، حيث تدير أسطولًا من السفن التي تشمل ناقلات النفط. ومع ذلك، لا تقتصر عمليات النقل على هذه الشركة فقط، بل تشمل أيضًا شركات شحن دولية أخرى. وتُحمَّل الشحنات في ميناء جيهان التركي، ثم تُنقل إلى موانئ إسرائيلية مثل حيفا.

والشركة المشرفة هي شركة أذربيجانية مملوكة للدولة، تأسست عام 1858 في باكو، وتعد أكبر وأقدم شركة شحن في بحر قزوين، وتلعب دورًا حيويًا في نقل النفط والغاز، بما في ذلك شحنات النفط الأذربيجاني إلى إسرائيل عبر تركيا. ويتألف أسطولها من 98 سفينة تجارية، تشمل 35 ناقلة نفط، و15 عبارة، و14 سفينة شحن جافة متعددة الاستخدامات، بالإضافة إلى 35 سفينة مساعدة متنوعة. كما تمتلك الشركة أسطولًا متخصصًا من 188 سفينة دعم خارجي، بما في ذلك سفن الرافعات، وسفن الإمداد، وسفن الركاب، وسفن مكافحة الحرائق، وغيرها من السفن المساندة.

قيود ولكن
وعلى الرغم من أن تركيا قد فرضت قيودًا على السفن المرتبطة بإسرائيل، إلا أن الشحنات الأذربيجانية تستمر في الوصول إلى إسرائيل عبر طرق غير مباشرة، بما في ذلك النقل عبر البحر المتوسط.

مقارنة
أرادت تركيا من فرض القيود التي أعلنتها مؤخرًا على التجارة والطيران مع إسرائيل أن تقدّم نفسها وكأنها تصعد ضد إسرائيل، لتعكس حالة من استياء أنقرة من الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة. وهذا الإجراء يعيد إلى الأذهان ما أقدمت عليه تركيا في مايو/أيار 2024 عندما أعلنت وقف التبادل التجاري المباشر مع إسرائيل احتجاجًا على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.

ويثير هذا التساؤل حول الفرق بين الإجراءات الأخيرة والإجراءات التي اتخذتها في مايو 2024. وبالتالي، لم يُعرف من الإجراءات التركية ضد إسرائيل المتخذة قبل عام سوى منع طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي من عبور مجالها الجوي في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أثناء توجهه للمشاركة في قمة المناخ المنعقدة في أذربيجان، وما دون ذلك لم يُعرف أي إجراء تنفيذي سوى تصريحات إعلامية للمسؤولين الأتراك تنتقد الهجمات الإسرائيلية على غزة.

نمو ملحوظ
والمعروف للجميع أن العلاقات التجارية بين تركيا وإسرائيل تشهد نموًا ملحوظًا منذ العقد الثاني من الألفية الثالثة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 7 مليارات دولار في عام 2023، حسب البيانات الاقتصادية التركية. وهو ما يجعل التصعيد التركي الأخير مجرد ظاهرة إعلامية تفتقر إلى الفعل، ولا تعكس أي تحول في سياسة أنقرة تجاه تل أبيب.

اختبار حقيقي
ويعد تصدير تركيا النفط الأذري إلى إسرائيل الاختبار الحقيقي للموقف التركي من إسرائيل، فإيقاف التصدير يعد أهم وسيلة ضغط على إسرائيل يمكن أن تسهم بها تركيا لإجبارها على وقف حرب الإبادة في غزة، وما دونها ليست أكثر من تصريحات إعلامية تحاول أنقرة أن تخفي خلفها مشاركتها في تموين آلة الحرب الإسرائيلية في غزة.

استثمار سياسي
وعليه، فإن التصعيد الإعلامي التركي ضد إسرائيل على خلفية حرب الإبادة في غزة ليس أكثر من محاولة لاستثمار ما يحصل من مأساة لتسجيل نقاط تقدمها كقوة فاعلة لدى الشعوب العربية والإسلامية، لكنها في المقابل تصر على الاستفادة من رسوم العبور التي تتقاضاها مقابل مرور النفط الأذري إلى الموانئ الإسرائيلية، وهي بذلك تبدو وكأنها ترفض التفريط بتلك الإيرادات رغم أنها جزء من كل. فالنفط الأذري لا يذهب كله إلى إسرائيل، وإنما أغلبه يذهب إلى أوروبا، وبالإمكان إعادة ضخ ما تستورده إسرائيل إلى أوروبا التي تعاني من أزمة طاقة منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.

وتعد تركيا شريكًا استراتيجيًا لأذربيجان في مجال الطاقة، وحليفها الرئيسي في المنطقة، ومن السهل عليها إقناع باكو بوقف تصدير النفط إلى إسرائيل إذا أرادت ممارسة دور عملي في إجبار إسرائيل على وقف حرب الإبادة في غزة، لأن النفط الأذري هو ما يمد آلة الحرب الإسرائيلية في غزة بالوقود.

ضغوط شعبية
ورغم الضغوط الشعبية في تركيا لوقف تصدير النفط إلى إسرائيل، إلا أن أنقرة تواصل السماح بمرور النفط الأذري عبر أراضيها إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط، ما يشير إلى أن تركيا لا تنظر إلى ما يحصل في غزة إلا من بوابة الاستثمار السياسي فقط.

إلهاء
ومما سبق فإن التصعيد التركي الأخير ضد إسرائيل يندرج ضمن استراتيجية إعلامية بحتة تهدف إلى تعزيز موقف أنقرة السياسي والإقليمي لإلهاء الجمهور العربي والإسلامي، دون المساس بالمصالح الاقتصادية الحيوية للبلاد. فالنفط الأذري يمثل أداة ضغط استراتيجية محتملة، لكن تركيا لم تستخدمها بشكل فعلي حتى الآن، مكتفية بإبقاء خطوط التصدير مفتوحة وتحصيل رسوم العبور. 

تناقض
هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والسياسة العملية يؤكد أن العلاقات التجارية بين تركيا وإسرائيل  - رغم محاولة أنقرة اظهار انها تصعد ضد إسرائيل  - ما تزال قائمة وتتسم بالمرونة. 

افتقار للفعل
وفي المحصلة، يتضح أن موقف تركيا في قضية غزة يظل أكثر رمزيًا منه فعليًا، وأن النفط الأذري يشكل محورًا مهمًا لفهم دور أنقرة في الصراعات الإقليمية، سواء في استخدامه كأداة ضغط أو في استثماره اقتصاديًا.