ترجمة وتحرير / نسيم أحمد- عرب جورنال
كلما طالت الحرب في غزة، بدا أن خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يتجه أكثر نحو المبالغة والاستعارات التاريخية. فبينما يسعى لإقناع الأمريكيين بجدوى استمرار المعارك، استعار في الأيام الأخيرة مقارنة مثيرة للجدل حين شبّه غزة ببرلين عام 1945، في محاولة لإضفاء طابع مصيري على حرب محلية لا يمكن مقارنتها بأكبر الحروب العالمية.
لكن خلف هذا التشبيه، كما يشير محللون إسرائيليون، تكمن مبالغة تحمل في طياتها "جنون عظمة سياسي". فغزة ليست برلين، والاحتلال الحالي لا يملك مقومات الحسم التاريخي الذي عرفته الحرب العالمية الثانية. برلين كانت مسرحاً لثلاثة ملايين نسمة محاصرين في قلب معارك كبرى، بينما غزة اليوم مدينة منهكة بالحصار والدمار، يقطنها مليون إنسان يواجهون الموت اليومي في ظل قصف مستمر ونزوح داخلي خانق.
المفارقة أن التشبيه الذي يروّج له نتنياهو قد يكون مستوحى من لوحة يومية يراها في القدس: مطعم صغير اسمه "بين غزة وبرلين" يقع على تقاطع شارعين. لكن الواقع الميداني في القطاع يفضح هشاشة هذه المقارنة، إذ إن الاحتلال يواجه ثلاث معضلات جوهرية:
بقايا لواء معزز لحركة حماس قوامه آلاف المقاتلين والأنصار.
شبكة أنفاق واسعة لم تُدمَّر رغم عامين من العمليات.
ملف الأسرى والمخطوفين، الذي يشكّل كابوساً أخلاقياً وسياسياً يضغط على قيادة الاحتلال ويعمّق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.
وفي الوقت الذي يرى بعض الجنود ضرورة مواصلة الحرب "لأجل تحرير المخطوفين"، يطالب الشارع وعائلات الأسرى بوقف العمليات العسكرية وإبرام صفقة عاجلة. هذا التناقض بات يهدد تماسك الجيش نفسه، وسط تقديرات بأن استمرار الحرب بلا أفق قد يفاقم رفض الخدمة داخل صفوفه.
أما سياسياً، فالمشهد يبدو أكثر تعقيداً. فنتنياهو الذي لوّح سابقاً باتفاق تدريجي بوساطة قطرية ومصرية، انقلب على هذا النهج ورفع الفيتو بوجه أي تسوية. انسحبت حكومته فعلياً من مسار التفاوض بعد عامين من المحادثات، ما أثار غضب القاهرة والدوحة على حد سواء. وبينما يروّج لسيناريو "إنزال حماس على ركبتيها"، تفشل عملياته الميدانية في تحقيق ذلك، وتظل الحركة قادرة على المناورة عسكرياً وسياسياً.
الرهان الأكبر اليوم لا يتعلق بالسيطرة على الأرض بل بمصير الأسرى، الذي قد يحدد مستقبل الحرب وعمر حكومة نتنياهو. فالاحتلال قد ينجح في تدمير أحياء وتهجير آلاف العائلات، لكنه حتى الآن عاجز عن تحقيق ما وعد به أمام جمهوره: حسم الصراع وإنهاء حكم حماس.
بهذا، يتضح أن استعارة "غزة – برلين" ليست سوى صورة دعائية في مخيلة نتنياهو، بينما الواقع الميداني يشي بحرب مفتوحة على المجهول، وحكومة غارقة في أزماتها، واحتلال يتخبط بين مطامعه العسكرية وقيوده السياسية والإنسانية.