تزامناً مع مرور أكثر من 690 يوماً على معركة طوفان الأقصى.. تستضيف "عرب جورنال" المفكر والمؤلف الجزائري، د. نور الدين أبو لحية، للحديث عن نجاح صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة في خضم الطوفان، في مواجهة العدوان الصهيوني الممّول والمدعوم أمريكياً رغم التضحيات الجسيمة. ويتطرق الحوار إلى الحراك العالمي المناهض للعدوان والإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال ضد المحاصرين والمجوعين في غزة، في وقت تواصل شعوب وأنظمة عربية وإسلامية بلع ألسنتها أمام أهوال الموت والتطهير العرقي الذي يطال أشقائهم في فلسطين المحتلة. كما يتطرق الحوار إلى دور النظام الرسمي العربي في نشر ثقافة الاستسلام والإنهزامية أوساط المجتمع بعد إلهائه بدلاً من الإنتصار لقضاياه المصيرية. ويستعرض الحوار دور الإرادة اليمنية الحقّة في مقارعة كل القوى الرجعية والإستعمارية من أجل نصرة المظلومين في غزة.
عرب جورنال / حوار / حلمي الكمالي
اليمن هو الدولة العربية الوحيدة التي تقدم نموذجاً مثالياً للمقاومة والجهاد والمواجهة، لامتلاكه مقومات القيادة الرشيدة والمشروع القرآني والجيش الموحد والشعب المؤمن ذي الثقافة المتراكمة
تمتلك المقاومة اليمنية مقومات جغرافية ونفسية فريدة كالجبال وقدرة على الصبر والإيمان العميق المصادق للأحاديث النبوية، وعمق الثقافة القرآنية المتراكمة هو السر وراء نجاح النموذج اليمني وتماسك شعبه خلف قيادته
انتصار أي مشروع مقاومة يعتمد على منهج شامل غير طائفي يستوعب الجميع ووجود قائد رشيد، كما في إيران واليمن، وأقول للعرب والمسلمين: عمقوا أولاً الثقافة القرآنية كما في اليمن، حتى تنتصروا لقضاياكم العادلة
الدعم اليمني لغزة متعدد الأبعاد يشمل التأثير الاقتصادي والنفسي وكسر هيبة العدو ونشر الثقافة القرآنية إعلامياً، ومنطلق اليمن الإيماني الثابت في مواجهة العدو ينبثق من المسؤولية الشرعية ويتجاوز الحسابات السياسية وضغوط المجتمع الدولي
أعاد طوفان الأقصى إحياء القضية الفلسطينية وكشف حقيقة الكيان الصهيوني والحضارة الغربية المجرمة الداعمة له أمام العالم
الجزائر، شعباً وجيشاً، تدعم القضية الفلسطينية، وترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، لكن ظروفها الداخلية والإقليمية تحدد مستوى موقفها الرسمي الحذر
تتحمل جميع الشعوب الإسلامية المسؤولية عن خذلان فلسطين، نتيجة الهيمنة الثقافية للتيارات الوهابية والحركية المنحرفة عن النصرة، وهناك فرق بين دول عربية تعمل كأدوات مباشرة للمشروع الصهيوني، وبين دول أخرى تخشى التفتيت بسبب ظروفها الداخلية المعقدة
السبب الجذري للسبات العربي هو القراءة الخاطئة للقرآن والرؤية التراثية السلفية التي حولت الدين إلى طقوس فردية وطائفية مقيتة
_ بعد مرور أكثر 690 يوماً على انطلاق معركة طوفان الأقصى.. كيف استقبلتم معركة الطوفان في وهلتها الأولى؟ وماذا تقولون بحق الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة بعد كل هذا الصمود الأسطوري والتحدي في مواجهة أفدح مؤامرة كونية تمارسها القوى الرجعية الصهيونية ضد فلسطين والأمة بأسرها؟ وما تقييمكم للموقف الجزائري الرسمي والشعبي تجاه مجازر الإبادة الجماعية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة؟ وهل يتناسب هذا الموقف مع حجم الجرائم الإسرائيلية يرتكبها الكيان الصهيوني، برأيكم؟
بسم الله الرحمن الرحيم .. بالطبع، كان الموقف يحمل فرحًا وأملًا من جهة، وتَحَشُّدًا وتَحَسُّبًا لما قد يحدث من جهة أخرى؛ لأننا كنا نعلم أن الكيان الصهيوني وأمريكا والعالم بأسره سيستغلون هذه الحادثة لتنفيذ ما يخططون له. كما حصل في أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وكيف استثمرتها أمريكا. وفي الوقت نفسه، كنا فرحين لأننا نعلم أن هذا الطوفان سيعيد إحياء القضية الفلسطينية من جديد، والحمد لله، كانت الآمال أكبر من التحديات. لأن القضية حية في الأمة، وعادت القضية الفلسطينية لتظهر من جديد وتُدَمِّر، وإن كان الكيان الصهيوني يصرح الآن بمشروعه، لكنه ما زال يشعر بتهديد وجودي؛ لأن العالم الآن قد عرف حقيقة هذا الكيان وجرائمه، وعرف أيضًا الحضارة الغربية المجرمة التي تسير خلفه وتؤيده وتسنده. وبذلك سقطت كل تلك المقولات التي كانوا يدَّعونها، ورأينا كثيرًا حتى ممن كانوا يساندون الحضارة الغربية كيف صاروا يرفضونها وينتقدونها ويعتبرونها جاهلية جديدة.
أما بخصوص السؤال الثاني: بالنسبة للشعب الفلسطيني، فطبعًا عندما نقول الشعب الفلسطيني، يجب أن نفرق، كما في سائر الشعوب، بين الجهة المقاومة والجهات المتخاذلة، بل وحتى المتواطئة مع الكيان. فالشعب الفلسطيني ليس كتلة واحدة؛ فهناك من يعمل جنديًّا لدى الكيان الصهيوني داخل الأراضي المحتلة، وأبو مازن يعمل جنديًّا كذلك لصالح الكيان في الضفة الغربية، وغيره كثير للأسف.
لكن عندما نقول الشعب الفلسطيني، فإننا نقصد المقاومين فيه، وأبناء غزة الذين هم على نوعين: المجاهدون الأبطال، والبيئة الحاضنة القوية المؤمنة. هذه المقاومة التي أبرزت كل أنواع الشجاعة وكل القيم، تمثل الدين والإيمان والإسلام الأصيل. والحمد لله، هم مع محور المقاومة في اليمن وإيران والعراق كلهم على قلب رجل واحد، ويمثلون الإسلام الأصيل الصحيح. ومن عداهم، كما وصفهم القرآن الكريم: متخاذلون، مرجفون، منافقون، إلى آخره.
أما بشأن السؤال الثالث: حول الموقف الجزائري، فالجزائر، شعبًا وسياسةً وجيشًا، كلها مع الشعب الفلسطيني ومع القضية الفلسطينية، والجزائر ترفض التطبيع وتستخدم كل الوسائل المتاحة، لكن للأسف موقفها الرسمي لم يرقَ بعد إلى المستوى الذي نتمناه، وربما ذلك بسبب ظروف خاصة في الجزائر. فمثل بعض الدول العربية، الجزائر محاصرة من جهات تستهدفها، خاصة من جهة المغرب، التي تربطها علاقات مع الكيان الصهيوني، مما يهدد حدودها الغربية والجنوبية. وكذلك ما يحدث في ليبيا يؤثر عليها. وأنا لا أستطيع أن أطلب من الجيش الجزائري التدخل؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى استهداف الجزائر وتفتيتها، كما حصل في السودان وغيرها.
أما بالنسبة للموقف الشعبي: فهو موقف جيد في العموم، لكن للأسف هناك بعض الجهات الوهابية السلفية التي وقفت موقفًا سلبيًّا من معركة طوفان الأقصى، وكان لموقفها تأثير سلبي. لكن الشعب كله مع القضية، وعدم خروجه في مظاهرات كبيرة أو محدودة بسبب أوضاع داخلية، حيث هناك من يترصد هذه المظاهرات لإحداث شغب وفِتَن، وقد حصل ذلك سابقًا. لذلك، في كل مناسبة في الجزائر يكون لفلسطين حضور، لكن المسيرات كما في اليمن، الوضع الداخلي لا يسمح بها. أنا شخصيًّا لا أنصح بهذا؛ فهناك مشاغبون ودعاة انفصال قد يستغلون الأمر.
أما بشأن السؤال: هل يتناسب هذا الموقف مع حجم الجرائم؟
قلنا: كل الشعوب الإسلامية مسؤولة عن هذا الأمر، ودورها للأسف يعبّر عن الواقع الثقافي للشعوب التي سيطرت عليها التيارات الوهابية والحركية، وجعلتها تنظر إلى الواقع بنظرة مختلفة.
لا نستطيع أن نفصل دولة عن أخرى؛ فكل الدول، بما فيها تلك التي خرجت في مظاهرات كالمغرب والأردن، فيها مواقف سلبية أيضًا من اليمن وإيران والعراق وحتى من بعض المقاومين الفلسطينيين. لذلك لا نستطيع أن نحكم على الواقع الإسلامي من خلال المظاهرات فقط، بل من خلال ما يُنشر وما يُعلن. فالكثيرون الذين وقفوا في المغرب وغيرها، وقفوا سابقًا مع ما يسمى بـ"الثورة السورية" ومع المتطرفين. إذن الإشكالية هي في التيارات المسيطرة: اتحاد علماء المسلمين، الإخوان المسلمين، التيارات السلفية وغيرها. لذلك لا نستطيع أن ندرس كل منطقة على حدة، إلا أن المواقف السياسية تتشابه إلى حد كبير.
وهنا نصل إلى سؤال يتعلق بهذا:
هناك دول عربية تعمل ضمن مشروع وتخدم المشروع الصهيوني، كأدوات السعودية والإمارات وقطر وتركيا، هذه الدول هي أدوات كبرى للمشروع الصهيوني، أو هي ما يُسمى بـ"الإسلام المتصهين". وهناك دول أخرى، لا نبرر لها، لكن خذلانها له ظروفه الخاصة، كخشية التفتيت أو التقسيم، كما في مصر، حيث يهدد الإخوان المسلمين جنوبها وغربها، بالإضافة إلى تأثر جزء كبير من الساحة المصرية بهذه الحركات.
لذلك فإن الموقف السياسي يتماشى مع الواقع، لكن الدول التي يجب إبراز خذلانها هي هذه الدول الأربع: السعودية والإمارات وقطر وتركيا، بالإضافة إلى البحرين، فهي رأس الحربة في الحرب التي يشنها الكيان وأمريكا.
_ في خضم العدوان الصهيوني يواصل اليمن عملياته العسكرية المساندة لغزة ويُلحق بالعدو خسائر فادحة.. بماذا يمكن وصف هذا الموقف اليمني الصلب؟ وكيف يمكن قراءة هذا التحدي اليمني في مقارعة كل القوى الرجعية من أجل الإنتصار لفلسطين، القضية المركزية للعرب والمسلمين ؟ وكيف ساهم الإسناد والدعم العسكري اليمني في دعم صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة في قطاع غزة طوال الفترة الماضية؟ وكيف يمكن الإستفادة من الموقف اليمني في ترسيخ معادلة الردع والمقاومة في إطار تحرير البلدان العربية والإسلامية وإنهاء التدخلات الخارجية والهيمنة الأمريكية الصهيونية على إمتداد المنطقة، من وجهة نظركم؟
اليمن يمثل النموذج المقاوم المثالي، كما ذكرنا، فهو الدولة العربية الوحيدة التي يمكن اعتبارها نموذجًا للمقاومة والجهاد والمواجهة. وذلك لأن كل مقومات القيادة متوفرة: القائد السيد عبد الملك الحوثي، والمشروع القائم على القرآن الكريم، والجيش الملتف حول قيادته، والشعب المتمسك بالثقافة القرآنية. لذلك نجد اليمن نموذجًا مثاليًّا، ولا أستطيع أن أطالب كل الدول بأن تفعل مثله؛ فلو طلبت من الجيش الجزائري أو المصري التدخل، وهما لا يملكان هذه المقومات: لا قائدًا ولا مشروعًا ولا رؤية ولا ثقافة قرآنية، فلن ينتصروا.
المعركة تحتاج إلى رجال، وكما يُقال: "السيف سيفُ حامله". بينما الجيش اليمني يمتلك هذه الخصائص، بالإضافة إلى ما منحه الله من ظروف جغرافية، كالجبال ، وقدرة على الصبر والتحمل وإيمان عميق. وهو مصداق لأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله الكثيرة في شأنهم.
للأسف، بعض الناس يطالبون جهات أخرى بأن تفعل مثل اليمن.
وأنا أقول لهم: عمقوا أولاً الثقافة القرآنية كما في اليمن. حتى عند المقارنة بإيران، فبيئتهم مختلفة. نعم هناك أناس مثل اليمنيين، لكنهم محدودون. الإيرانيون مستعدون للدفاع عن بلدهم، لكن لو بدأت إيران هجومًا مباشرًا، فلن يقف مع القائد إلا نسبة محدودة، بينما في اليمن، إلا من كان من المنافقين والمرتزقة، فالكل تقريبًا يقف خلف القيادة.
لذلك يجب أن ننظر دائمًا إلى عمق الثقافة والإيمان. واليمن، عندما أقول ذلك، أذكّر بأن هذا لم يأت بين ليلة وضحاها، بل نتيجة لتراكم الثقافة القرآنية. لذا فالنموذج اليمني يجب أن تحذو الأمة حذوه من خلال الاهتمام بالتربية والتوجيه، والتأثر بهذا النموذج. والحمد لله، من بركات طوفان الأقصى الالتفاف حول النموذج اليمني وانتشاره عالميًّا، وهذا سيجعل إن شاء الله تعالى الدول الإسلامية تسير في المستقبل على نهج اليمن.
بالنسبة لشق السؤال: كيف يمكن قراءة هذا التحدي اليمني من أجل انتصاره؟
اليمن لديه المشروع ولديه المنهج، وقد كتبت كتابًا حول أسباب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وأهمها: القائد الرشيد، والمشروع القرآني الذي ليس طائفيًّا ولا حزبيًّا، بل يستوعب كل المذاهب والتيارات، صوفية، شوافع، إلخ، لأنه مشروع لا علاقة له بالطوائف أو الأحزاب، بخلاف مشاريع الحركات الإسلامية الأخرى التي شابها الطائفية والانحراف.
أما كيف ساهم الإسناد العسكري اليمني في الدعم؟ فدائمًا ما يتحدث سماحة السيد القائد عن التأثير الاقتصادي والنفسي لعمليات اليمن، بالإضافة إلى الهجرة العكسية وسقوط مقولة "إسرائيل لا تقهر". فكل عملية يقوم بها اليمن، سواء بالصواريخ أو الطائرات المسيرة، تُظهر قوته واستراتيجيته التي تحيّر العدو، حتى أنهم عاجزون عن تحديد مصدر الهجمات أو ضرب القيادات. فهم يضربون خزانات الوقود دون تأثير يذكر. كما أن اليمن يظهر إعلاميًّا من خلال التحليلات السياسية والقنوات الإعلامية، حيث يبشر بالمشروع القرآني ويحذر الأمة من التفريط. وخطابات السيد القائد الأسبوعية مهمة جدًّا من الناحية الثقافية والتوعوية.
لذلك، دعم اليمن لا يقتصر على العمليات العسكرية، بل يشمل أيضًا نشر الثقافة القرآنية والوعي. ومثال على ذلك خطابه الأخير حول "المسيحية المتصهينة"، الذي قد يكون أحد أسباب الضربة الأخيرة ضد اليمن. فهذه الخطابات تنتشر وتؤثر في الرأي العام العالمي.
ويمكن الاستفادة من موقف اليمن لأنه ينطلق من القرآن والمسؤولية الشرعية، لا من الحسابات السياسية أو الاقتصادية أو ضغوط المجتمع الدولي. فمنطلقه إيماني: حتى لو بقي رجل واحد وصاروخ واحد، سيستمر في القتال. وهذا المنطلق نتمنى أن ينتشر في الأمة كلها، التي للأسف، تأثرت بثقافة الإرجاء والتخاذل عبر قرون، حتى أن نصرة المستضعفين لم تعد من أولوياتها. كما رأينا في التيارات السلفية والحركية التي صارت تخدم الكيان الصهيوني وأمريكا، كما في سوريا والعراق ولبنان.
_ قبل أيام قدّم 9 وزراء في الحكومة الهولندية استقالتهم بينهم وزير الخارجية، وذلك دعماً لغزة واحتجاجاً على فشل مساعيهم لفرض عقوبات جديدة على "إسرائيل" عبر الحكومة، كما أعلنت البرازيل رفضها استقبال سفير إسرائيلي جديد لديها، وذلك في إطار حراك عالمي ضد الاحتلال، في المقابل صمت عربي إسلامي مطبق تجاه ما يحدث من جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة.. ما تعليقكم؟ وكيف أن هذه الإبادة عصفت بالسردية الصهيونية حول العالم بينما لم تحرك ساكناً لدى العرب والمسلمين؟ ومتى سيتحرك العرب والمسلمين لنصرة دماء أشقائهم في فلسطين المحتلة؟ وما عواقب خيانة النظام الرسمي العربي والإسلامي لهذه الدماء، وتأثيراتها على مستقبل الأمة برمتها؟
لقد قضى على الصورة التي كان يروّج لها الغرب، بأن الكيان الصهيوني يمثل الديمقراطية والحرية والمساواة حتى أسطورة الهولوكوست التي كان يستند عليها، صارت الآن موضع شكٍ حتى في الغرب نفسه، حيث نرى مظاهرات ترفضها وتعتقل بسببها. كل هذا سواء على المستوى السياسي أو الشعبي، يدل على أن الضربة ليست للكيان فقط، بل لأمريكا والحضارة الغربية أيضًا، وسيُشكّل وعيًا جديدًا للأمة.
_ بصفتكم خبيراً في المجالات الفكرية المختلفة.. ما أسباب السبات العربي والإسلامي تجاه المؤامرات والمشاريع التمزيقية التي تتهدد أمن واستقرار الأمة شعوباً ودولاً؟ وما هو دور الأنظمة الحاكمة في تشجيع وتعميق هذا السبات وفرضه كواقع على المجتمعات، وسط حالة من الاستسلام والإنهزامية على مختلف المستويات، والدفع نحو تخدير الشعوب وتوظيف العقول والاهتمامات في مجالات خارج احتياجات اللحظة المصيرية التي تشهدها الأمة؟ وبرأيكم كيف يمكن معالجة الوعي العربي والإسلامي من الناحية الثقافية والاجتماعية والدينية والسيكولوجية أيضاً، لمواجهة الفكر الصهيوني الرجعي المتطرف؟ وما هي نصائحكم للشباب العربي والمسلم في هذا السياق؟
أرى أن السبب في ذلك هو القراءة الخاطئة للقرآن؛ فكثير من الآيات مثل آيات النفاق، يُصوَّر أنها تتعلق بأشخاص تاريخيين فقط (كعبد الله بن أبي بن سلول)، أو تربط بغزوة تبوك وغيرها. الرؤية السلفية التراثية للدين، التي تبنَّتها الحركات الإسلامية والتيارات السلفية، بالإضافة إلى ثقافة الإرجاء، جعلت الكثيرين يعتقدون أن مجرد أداء بعض العبادات كالحج، يكفر عن كل الجرائم، وأن الشفاعة مضمونة لهم حتى بدون حساب. بينما تمتاز الرؤية اليمنية باعتمادها على القرآن مباشرة.
للأسف، الكثير في الساحة السنية يعتقدون أن الجنة مضمونة لأهل السنة فقط، حتى لو ارتكبوا الكبائر، بينما الآخرون، كالشيعة في النار. هذه النظرة الطائفية هي الإشكال الأساسي.
أما بشأن ما دور الأنظمة الحاكمة؟
في الواقع، تأثير رجال الدين، العلماء والوعاظ، أكبر من تأثير السياسيين في كثير من الأحيان.
الثقافة السائدة للأسف، هي التي تتحكم. حتى بعض السياسيين يكونون إيجابيين، لكنهم لا يثبتون، كما حصل في سوريا، حيث كان الموقف الرسمي إيجابيًّا لكن التيارات العلمانية والشعبوية كانت سلبية. والمشكلة ليست في الساسة فقط، بل في من يستغلون هذه الثقافة، كابن سلمان، الذي دعم السلفية ضد السوفيت ثم استخدمها لخدمة مشروعه. فهناك تزاوج بين التيارات المتطرفة والسلطة.
بالنسبة لكيفية المعالجة؟ كما ذكرت: بالعودة إلى القرآن الكريم، وتفعيل آيات الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ونصرة المستضعفين. لأن الدين السائد الآن، للأسف، أصبح أفيونًا للشعوب، كما حصل منذ عهد الفئة الباغية التي حاربت الإمام عليًّا. وكذلك يجب تعميق مفهوم الولاية، التي هي امتداد للرسالة، كما في اليمن، حيث توفّرت القيادة الرشيدة والمشروع القرآني. بخلاف الحركات الإسلامية التي أهملت كلا الجانبين.
فالنصيحة: انظروا إلى من يمثل الإسلام الأصيل اليوم من يواجه العدوان؟ من يجسد القيم الإيمانية؟ حتى ترامب شهد لليمن بالشجاعة والتطور. قارنوا ذلك بالحركات السلفية أو الإخوان المسلمين الذين يمدون أيديهم لأمريكا، كما في اليمن مع حزب الإصلاح، أو في العراق ولبنان ضد الحشد الشعبي وحزب الله. حتى مفتي لبنان، الذي يدعي السنة، يقف مع من يخدم الكيان.
لذلك نقول: انظروا إلى من يمثل القرآن حقًّا. فالقرآن يأمر بالجهاد، بينما التراث السني في كثير من تفسيراته يعتبر الجهاد والأمر بالمعروف بدعة! وحوّل الدين إلى مجرد عبادات فردية. في الوقت الذي نرى فيه جرائم الكيان، بعض الناس يقولون: "المهم أن تصلي الفجر في المسجد"، ويتجاهلون الجهاد ونصرة المظلومين، وكأن هذه المفاهيم لا وجود لها في القرآن! ويعتبرون آيات الجهاد منسوخة أو خاصة بزمن معين.