أغسطس 26, 2025 - 23:42
العدوان الصهيوني على اليمن : فشل استخباري صفري فاضح

عرب جورنال / توفيق سلاَّم - 


العدوان الصهيوني الغادر على العاصمة اليمنية صنعاء، لم يكن حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سياق مشروع استعماري توسعي يعمل الكيان الإسرائيلي على تنفيذه بدعم مباشر من الولايات المتحدة وأوروبا. استهداف المنشآت الاقتصادية بدلًا من المواقع العسكرية يؤكد فشلًا استخباريًا ذريعًا ويعكس حالة الإفلاس الصفري الذي يعيشه الكيان الصهيوني في مواجهة الضربات النوعية للقوات اليمنية.


اليمن: قوة ردع


القوة الصاروخية اليمنية أثبتت تطورًا استراتيجيًا غير مسبوق، باستخدام صواريخ حديثة ذات رؤوس انشطارية أصابت أهدافها بدقة، ما أحدث إرباكًا وهستيريا لدى صانع القرار الصهيوني. اليمن لم يعد مجرد جبهة دفاعية، بل قوة مهاجمة تملك بنك أهداف واسعًا قادرًا على إيلام العدو في عمقه الاستراتيجي، وكسر معادلات الردع التقليدية.
هذا التصعيد دفع الولايات المتحدة إلى التدخل المباشر. فقد نقلت واشنطن عشرات منظومات الدفاع الجوي من طراز "ثاد" إلى داخل المدن المحتلة، بالإضافة إلى طواقم أمريكية لتشغيل النظام،  في خطوة تعكس حجم القلق الأمريكي من تطور التهديدات الصاروخية اليمنية. ورغم أن منظومة "ثاد" من أكثر المنظومات تقدمًا لاعتراض الصواريخ البالستية، إلا أن التجربة أثبتت قصورها، حيث فشلت مرارًا في التصدي لهجمات يمنية سابقة.

 الأهم من ذلك أن تقارير إسرائيلية أشارت إلى أن الصاروخ الأخير الذي أطلق من اليمن ربما كان مزودًا برأس متشظ قادر على الانقسام إلى عدة رؤوس فرعية، وهو ما يزيد من تعقيد عملية الاعتراض حتى أمام أحدث المنظومات الأمريكية.
تقول الرواية الإسرائيلية بشأن الهجمات الجوية الأخيرة على صنعاء، أن 14 مقاتلة قصفت صنعاء بأكثر من 40 صاروخًا، لم يُسمع سوى دوي انفجارات محدودة نتيجة استهداف منشآت مدنية كمحطة وقود تابعة لشركة النفط، ومحطة عصر ومحطة كهرباء حزيز، التي سبق أن قُصفت عدة مرات، إضافة إلى دار الرئاسة المهجور. بمعنى أن المحتل يوجه ضرباته ضد المنشآت المدنية واستهداف السكان. هذا تخبط وعمى استراتيجي، محصلته هو أن العدو لا تتوفر لديه قاعدة بيانات، وهذا مؤشر ليس فقط على حالة الفشل الصفري، بل على أن هذا الكيان الأحمق الذي يجعل من نفسه امبراطورية استخبارية على العالم. 

 هذه النتائج الهزيلة تقاطعت مع تصريحات مصدر عسكري يمني أكد التصدي الفاعل للغارات الجوية الصهيونية، وإجبارها على الانسحاب من الأجواء اليمنية بعد تعرضها لصواريخ دفاع جوي محلية الصنع. وقد رُصد ارتباك واضح في تشكيلات الطيران الإسرائيلي خلال العملية، ما يعكس نجاح الدفاعات اليمنية في إفشال العدوان.
هذا التطور اللافت في القدرات الصاروخية لليمن، كشف للمؤسسة العسكرية للمحتل أن اليمن يمتلك قدرات محلية كبيرة على تطوير وتصنيع صواريخ متقدمة ورؤوس متعددة الانقسام، إضافة إلى منظومات دفاع جوي فعالة، وهو تحول استراتيجي يضع الدفاعات الجوية الإسرائيلية أمام تحديات جديدة قد تتطلب إعادة صياغة كاملة لاستراتيجياتها الدفاعية، بعد فشل المنظومات الحديثة في اعتراض الصاروخ اليمني الانشطاري. 

مشاريع هندسة سكانية 


تتعامل إسرائيل مع اتساع ساحة الصراع بوصفه شرطًا لازمًا لفرض معادلات ردع جديدة تسمح باستكمال مشروعها الداخلي، تثبيت وقائع الضم في الضفة والقدس، وفرض هندسة سكانية قسرية على غزة عبر الاستنزاف الطويل واحتلال القطاع. لذلك تبدو الضربات خارج فلسطين سواء في اليمن أو سواه جزءًا من سياسة الحواف، لإبقاء محيط المقاومة في حالة انكسار دائم، حتى لا يستقر ميزان ردع إقليمي قادر على تعطيل المشروع الاستيطاني. هذه السياسة، وإن بدت هجومية في ظاهرها، تحمل في جوهرها اعترافًا إسرائيليًا بأن الجبهة الجنوبية-الغربية (غزة/البحر الأحمر) لم تعد معزولة عن باقي مسارح الصراع، وأن الضغط البحري، حتى عندما يُمارس بأدوات يمنية—يؤثر مباشرة على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد وعلى ثقة المستثمرين في الموانئ الفلسطينية المحتلة والمجال البحري الشرقي للمتوسط.

على الضفة الأخرى، يتصرف اليمن منذ اندلاع حرب غزة بوصفه فاعلًا إقليميًا لا مجرد ساحة انتقالية. فالقدرة على التأثير في ممرات حيوية كباب المندب تمنح صانع القرار اليمني نفوذًا يتجاوز الجغرافيا، ويحول أدواته المسيّرات والصواريخ وتعطيل الملاحة إلى رافعة ضغط سياسي واقتصادي في آن. ولهذا يندرج موقف لا وقف للضربات ما لم يتوقف العدوان على غزة ضمن مقايضة صريحة، أمن الممرات البحرية في مقابل وقف الحرب والحصار على قطاع غزة. 
قوة هذا الخطاب أنه يخاطب النظام الدولي، حيث  تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة.
الولايات المتحدة وبريطانيا التي شنتا هجومًا جويًا على اليمن، لفك الحصار الاقتصادي  عن إسرائيل، وفتح باب التحالفات العسكرية البحرية على اليمن، باسم حرية الملاحة، ما يمنح إسرائيل غطاء إضافيًا، ويحول اليمن إلى ساحة مواجهة دائمة مع قوى متعددة الجنسيات، لكنها عندما فشلت الولايات المتحدة في كسر الحصار اليمني، وايقاف الهجمات على الأساطيل والسفن والبوارج الأمريكية، ذهبت للاتفاق مع اليمن لوقف التصعيد بين الطرفين. 
إقليميًا، هناك معادلة ذات ثلاثة مستويات تتحرك بالتوازي، مستوى فلسطيني داخلي تسعى فيه إسرائيل لإنتاج أمر واقع نهائي في غزة والقدس والضفة؛ ومستوى جبهات مساندة هدفه جر إسرائيل إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات؛ ومستوى فوق-إقليمي تقوده الولايات المتحدة وشركاؤها لضبط الممرات البحرية ومخاطر اتساع الحرب إلى صدام مباشر مع إيران. في هذه المعادلة، لا ترغب تل أبيب أن تُنهي حرب غزة بتسوية سياسية، تُفقدها أهدافها القصوى، ولا أن تُديمها بلا كلفة تتعاظم على الجبهات. لذلك تلجأ إلى التوسيع التكتيكي، خارج فلسطين واستثمار نتنياهو لذلك لابقاء وجوده، تحت ذرائع عدة، أمام جمهور المستوطنين.
أما عربيًا، فالفجوة بين أوراق الضغط المتاحة من تطبيع واتفاقيات وتبادلات تجارية وبين توظيفها الفعلي تبدو فادحة. الإطار العربي الرسمي متخاذل، ومتواطئ، وعلى تفاهمات من تحت الطاولة، يتجنب تحويل علاقات التطبيع والأدوات الاقتصادية والديبلوماسية إلى روافع لتغيير السلوك الصهيوني، ويكتفي بإدانة الضرر الإنساني، دون مواقف واتخاذ قرارات.

العدوان على اليمن لا ينفصل عن المشهد الأوسع، لكن اليمن بصلابته وصواريخه ودفاعاته محلية الصنع، دخل معادلة الردع كلاعب استراتيجي جديد قادر على قلب الموازين، وإرباك المشروع الصهيوني، وتحويل المعركة من ساحة فلسطينية معزولة إلى صراع إقليمي، وتتوعد اليمن برد على الكيان الصهيوني.