أغسطس 22, 2025 - 17:41
توسيع الصين لترسانتها النووية .. تحوّل استراتيجي يعيد تشكيل ميزان القوى العالمي


عرب جورنال / أنس القباطي - 
برزت الصين في السنوات الأخيرة كلاعب محوري في المشهد النووي العالمي، بعد عقود من التمسك بسياسة "الحد الأدنى من الردع" التي اكتفت بترسانة محدودة لتحقيق قدرة انتقامية محدودة. غير أنّ التقارير الاستخباراتية والعسكرية الحديثة كشفت عن تسارع غير مسبوق في بناء وتحديث الترسانة النووية الصينية.

وتشير التقديرات الأميركية إلى أنّ بكين تمتلك حاليًا نحو 600 رأس حربي نووي، إلى جانب بناء مئات الصوامع الجديدة لإطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات. 

ووفقًا لتوقعات وزارة الدفاع الأميركية، قد يتجاوز عدد الرؤوس الحربية الصينية حاجز الألف بحلول عام 2030، ما يعكس تحوّلًا جوهريًا في العقيدة النووية للصين وطموحاتها الاستراتيجية، ويثير تساؤلات عميقة حول مستقبل التوازنات الأمنية العالمية والإقليمية.

المشهد الراهن
تشير تقارير استخباراتية وعسكرية، أبرزها تقرير لوكالة رويترز، إلى أنّ الصين تمتلك اليوم حوالي 600 رأس حربي نووي، إضافة إلى بناء ما يُقدَّر بـ 350 صومعة صواريخ جديدة، و712 منصة إطلاق برية، منها 462 قادرة على استهداف البرّ الأميركي. 

ويُرجّح خبراء أنّ وتيرة التوسع الحالية تقارب 100 رأس حربي سنويًا، ما يعني أنّ الترسانة النووية الصينية قد تتجاوز الألف رأس حربي بحلول عام 2030، وهو مستوى لم يكن متصورًا قبل عقد من الزمن.

هذه التطورات تضع الصين على مسار إعادة تشكيل موقعها في نادي القوى النووية الكبرى، لتنتقل من دولة تعتمد على قدرات ردعية محدودة إلى قوة نووية متقدمة ذات تأثير عالمي مباشر.

دوافع التوسع النووي
يعتبر الردع والاستقلالية الاستراتيجية أهم دوافع التوسع النووي الصيني، بعد ان اكتفت لأعوام طويلة بسياسة "عدم الاستخدام الأول" وبترسانة نووية صغيرة تكفي للردع فقط.

لكن مع التطور السريع في قدرات الولايات المتحدة الدفاعية والهجومية، خصوصًا في مجال الضربات الدقيقة والصواريخ فرط الصوتية، بدأت بكين ترى ضرورة توسيع ترسانتها لتحقيق توازن استراتيجي يحميها من أي ضربة استباقية محتملة.

كما ان ضغوط تايوان وتحديات الإقليم، تعد واحدة من أبرز تداعيات التوسع النووي الصيني، وفي هذا الجانب تشير تقارير البنتاغون أنّ خطط الصين للسيطرة على تايوان بحلول عام 2027 ترتبط ارتباطًا مباشرًا بتطوير قوة نووية أكبر وأكثر مرونة، ما يعزّز قدرتها على ردع التدخل الأميركي المحتمل في أي مواجهة مستقبلية عبر تهديد مباشر للمصالح الأميركية وحلفائها.

كمان ان ضمان "الضربة الثانية" وتعزيز القدرة البقائية، تعد من اهم الدوافع، فالاستثمارات في الصوامع المتنقلة، وشبكات التخزين تحت الأرض (المعروفة باسم "السور العظيم تحت الأرض")، تهدف إلى تعزيز القدرة على النجاة من الضربة الأولى، وبالتالي ضمان قدرة الصين على توجيه ضربة انتقامية مدمرة، وهو حجر الأساس في أي استراتيجية ردع نووي فعّالة.

تطور تكنولوجي عسكري
وإلى جانب ذلك تقوم الصين بتطوّر أنظمة مثل DF-41 القادر على حمل ما يصل إلى 10 رؤوس متعددة مستقلة (MIRVs)، وتجري اختبارات على أنظمة FOBS التي تسمح بضرب أهداف عبر مسارات مدارية غير تقليدية، ما يعقّد خطط الدفاع الصاروخي الأميركية ويزيد من صعوبة اعتراض هذه الصواريخ.

التداعيات الاستراتيجية
مع امتلاك روسيا والولايات المتحدة آلاف الرؤوس النووية، كان العالم يعيش لعقود في ظل توازن ثنائي، وبدخول الصين بقوة في المعادلة يعني تحوّل النظام النووي العالمي إلى توازن ثلاثي، ما يضعف أي اتفاقيات قائمة مثل "ستارت" ويجعل التحكم في التسلح أكثر تعقيدًا.

كما ان ذلك سيؤدي إلى سباق تسلّح جديد في آسيا، فالدول الإقليمية مثل اليابان وكوريا الجنوبية بدأت بالفعل في إعادة النظر في سياسات "عدم النشر النووي"، وقد يدفعها التوسع الصيني إلى تطوير برامج ردع خاصة بها أو المطالبة بمظلة نووية أميركية أقوى.

ولا يستبعد ان يؤدي توسيع الصين لترسانتها النووية إلى تقويض اتفاقيات الحد من التسلح، وفي ظل غياب اتفاقيات شاملة تشمل الصين، ومع تفكك بعض التفاهمات الروسية الأميركية القديمة، يواجه العالم خطر الدخول في "العصر النووي الثالث" حيث تنتشر القدرات النووية بشكل أوسع بين عدة أطراف، ما يزيد من احتمالات التصعيد والأخطاء الاستراتيجية.

ردود الفعل
وحذرت لجان برلمانية أميركية مؤخرًا من أنّ الولايات المتحدة "غير مستعدة لمواجهة تهديد مزدوج من الصين وروسيا"، ما قد يدفع واشنطن إلى تحديث ترسانتها النووية وزيادة استثماراتها في الدفاع الصاروخي. 

الأبعاد
وقد تصعب البنية التحتية الضخمة للصوامع والمنشآت النووية الصينية استهدافها في ضربة أولى، ما يزيد من استقرار الردع لكنه يرفع أيضًا مستوى التعقيد في التخطيط العسكري الدولي.
كما أن الاعتبارات السياسية الداخلية في الصين، بما في ذلك رغبة القيادة في تأكيد مكانة بكين كقوة عظمى، تلعب دورًا مهمًا في تسريع وتيرة التطوير النووي.

وعوضا عن ذلك فإن التطور التكنولوجي في مجالات الذكاء الاصطناعي وأنظمة القيادة والسيطرة النووية قد يغيّر شكل إدارة الأزمات النووية مستقبلًا، ويزيد من خطر القرارات الآلية أو سوء الفهم بين القوى الكبر. 

ان توسّع الترسانة النووية الصينية يعكس تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا سيغيّر موازين القوى العالمية خلال العقد المقبل.

ويبدو ان دوافع بكين تتراوح بين الردع العسكري والطموحات الجيوسياسية والرغبة في تأكيد مكانتها كقوة عظمى، لكن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر واضحة، منها سباقات تسلّح إقليمية، وتقويض اتفاقيات الحد من التسلح، واحتمالات أكبر للتصعيد النووي غير المقصود.

ولمواجهة هذه التحديات، سيحتاج العالم إلى إحياء مسارات الحوار النووي، وتطوير اتفاقيات جديدة تشمل الصين والهند ودولًا أخرى، إلى جانب الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر وقنوات الاتصال بين القوى الكبرى لتفادي أي حسابات خاطئة قد تكون كارثية. 

ولكن ينبغي الإشارة الى ان تطوير الصين لترسانتها النووية سيعمل على تحجيم النفوذ الأمريكي، ويدفع العالم باتجاه الدخول إلى مرحلة جديدة من تعدد الأقطاب الدوليين، وينهي مرحلة القطب الواحد والهيمنة الأمريكية.