أغسطس 22, 2025 - 17:23
أغسطس 25, 2025 - 09:20
عضو اللجنة المركزية للتيار الشعبي التونسي عبد الوهاب الشيباني لـ(عرب جورنال): الإسناد اليمني لغزة يتناسب مع التصعيد الإسرائيلي واليمن هو القوة الوحيدة التي تكبح تقدم المشروع الصهيوني في المنطقة

في حوار استثنائي جديد تستضيف "عرب جورنال" عضو اللجنة المركزية التيار الشعبي التونسي، عبد الوهاب الشيباني، للوقوف عند تطورات معركة طوفان الأقصى التي يطوي خلالها الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة 22 شهراً من الصمود الأسطوري في مواجهة أخطر المشاريع الصهيو_أمريكية التخريبية دفاعاً عن الأمة العربية والإسلامية ومقدساتها الدينية، في ظل خذلان وتواطؤ رهيب يضع هذا الجيل من الشعوب والأنظمة العقيمة في مستنقع الذل والهوان حتى تقول كلمتها في الميدان. ويناقش الحوار عدد من الموضوعات والأحداث الساخنة المرتبطة بتداعيات الطوفان، وعلى رأسها استمرار العمليات العسكرية اليمنية المساندة لغزة، والتفاعل اليمني النوعي في كبح جموح التصعيد الإسرائيلي الأمريكي في غزة وعموم المنطقة. ويسلط الحوار الضوء على الموقف الرسمي والشعبي في تونس، وذلك مما يحدث من مجازر إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

عرب جورنال / حوار / حلمي الكمالي 

معركة طوفان الأقصى تمثل جولة متطورة واستراتيجية في الصراع العربي الصهيوني، وهي حلقة في صراع دولي نحو عالم متعدد الأقطاب، ومواجهة حتمية ضد الهيمنة الأمريكية والغربية

غزة كشفت عورات النظام العربي والعالمي، وفضحت تآمر الدول العربية وتخاذل المنظمات الدولية في نصرة فلسطين

الجبهة اليمنية تبقى هي الواجهة الدفاعية الأساسية عن الأمة، خصوصاً مع استمرارها في استهداف القواعد العسكرية الصهيونية والسفن الداعمة لها، حيث يشترط اليمن وقف عملياته بوقف العدوان ورفع الحصار عن غزة 

اليمن يقدم الإسناد العسكري والدعم الشعبي المنقطع النظير لغزة، ولقد كان هذا الإسناد في كل المراحل، متناسباً مع التصعيد الإسرائيلي، وهذا الموقف اليمني الثابت يكاد يكون الوحيد سياسياً وعسكرياً وشعبياً

اليمن برز كقوة وحيدة تكبح تقدم المشروع الصهيوني في المنطقة بعد تخاذل العرب 

يسعى التيار الشعبي في تونس لخلق طرق إسناد معنوية عبر الندوات والوقفات والإضرابات عن الطعام، لدعم قضية غزة وكسر حصارها، ويدعو التيار إلى توحيد الجبهة العربية لمواجهة المشروع الصهيوني المدعوم إمبريالياً، وإيقاف التطبيع مع كيان العدو

تهدف التصريحات الصهيونية حول احتلال غزة إلى تحقيق "إسرائيل الكبرى" وتقسيم المنطقة ضمن مخطط استعماري لتنفيذ "سايكس بيكو" جديدة وتقسيم المُقسَّم وتفتيت المُفتَّت

_ بعد مرور أكثر من 22 شهراً على ملحمة طوفان الأقصى.. ما هو موفقكم من من هذه المعركة الخالدة في تاريخ المنطقة والإقليم؟ وما الذي يمكن أن نقوله بحق الصمود الرهيب للشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة أمام بشاعة العدوان الصهيوني ومجازر الإبادة الجماعية التي طالت البشر والحجر والشجر؟ وما هي المكتسبات الرئيسية التي حققتها غزة والمقاومة بشكل خاص خلال هذه الملحمة من الصمود والتحدي، من وجهة نظركم؟ وما هي مخاطر إقرار جيش الاحتلال رسمياً مصادقته على احتلال غزة؟ 

‏يمثّل "طوفان الأقصى" جولة ضمن سلسلة جولات الصراع العربي الصهيوني، وهي تمثّل أكثر هذه الجولات تطورًا وعمقًا استراتيجيًا، مع أن حركة المقاومة قبل الهجوم الذي شنّته فجر السابع من أكتوبر على مواقع كيان العدو لم تُخبر أي جهة عربية بذلك، وكان الأمر محصورًا داخل عدد محدود حتى بين أعضاء حركة حماس نفسها. 

في معركة "طوفان الأقصى"، استخدمت المقاومة كل إمكانياتها العسكرية واللوجستية وجزءًا من نخبتها القتالية وأسلحتها المتطورة من صواريخ ومسيّرات وقاذفات، وكذا الأمر بالنسبة إلى كيان العدو الذي جرّب كل الأسلحة التي يمتلكها هو وداعموه الغربيون من أمريكان وألمان وإنجليز. وقد حققت هذه الحرب في البداية جملة من الأهداف، مثل مباغتة العدو والاستيلاء على جملة من الوثائق والمخططات والمعلومات التي تمثّل قاعدة بيانات لدى الشعبة 8200 في الاستخبارات الصهيونية، وأكدت أن العدو والجيش الذي قيل إنه لا يقهر انهار أمام ضربات المقاومة التي قتلت وأسرت منهم الكثير رغم التعتيم. كما بيّنت للعالم أن هذه الحرب حرب وجود، حيث لا تتسع الأرض العربية الفلسطينية للعرب والصهاينة معًا. 

وكانت أيضًا من مكاسب حرب السابع من أكتوبر أنها وحّدت ساحات المقاومة في مواجهة العدو، فالحرب واحدة والعدو واحد، وغزة مجرد واجهة للصراع العربي الصهيوني، وأن العدو منذ تأسس ككيان في أرض فلسطين كان يستهدف احتلال كل الأرض العربية والوصول إلى دولة "إسرائيل الكبرى". 

من جهة أخرى، كشفت حرب "طوفان الأقصى" كل العورات وعَرَت كل السوءات عربيًا وعالميًا، ففضحت تآمر الدول العربية على المقاومة وتخاذلها في نصرة فلسطين، كما كشفت ضعف التنسيق العربي والدفاع المشترك، وبيّنت انهيار المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والجمعية العامة ومنظمة الإغاثة الدولية والصليب الأحمر الذي تحوّل أداة في يد الصهيونية. وفضحت الدول المطبعة التي كانت تقيم جسرًا بريًا وجويًا وبحريًا لتوفير الأسلحة والأغذية لدولة العدو في الوقت الذي كان يُقتل فيه الفلسطينيون، مثل قطر والأردن والسعودية والإمارات وتركيا، وتقيم معه علاقات دبلوماسية رسمية ومبادلات تجارية. 

وبيّنت أيضًا أن حرب "طوفان الأقصى" حلقة في الصراع الدولي الذي يدور عالميًا ويتجه نحو تشكيل خريطة عالمية جديدة وظهور أقطاب عالمية أخرى، وانتهاء مرحلة القطب الواحد الذي تقوده أمريكا، وانقسام العالم إلى قسمين: شق مع المقاومة، وآخر مع الصهيونية والإمبريالية العالمية. وإذ نبارك في التيار الشعبي مجهودات المقاومة في الدفاع والحرب نيابة عن الأمة كلها، نعتبر أن زلزال "طوفان الأقصى" قد نسف كل ما قبله وأسس لمفاهيم جديدة وواقع إقليمي ودولي جديد. 

_ رغم الإعتداءات والتهديدات المستمرة.. يواصل اليمن عملياته العسكرية المساندة لغزة، ويواكب التصعيد الصهيوني بتصعيد عملياتي موجع ضد الاحتلال.. ماذا تقولون في حق هذا الموقف اليمني العنيد في دعم غزة؟ وما هي التأثيرات المباشرة التي خلفتها العمليات العسكرية اليمنية في عمق الكيان الصهيوني؟ وهل تعتقدون أن اليمن بات حجر عثر أمام المخططات الصهيونية الأمريكية في المنطقة؟ وماذا عن أهمية التظاهرات اليمنية المليونية الداعمة للشعب الفلسطيني والمستمرة بشكل منتظم أسبوعياً على مدى أكثر من 22 شهراً، في وقت نرى تخاذلاً للشعوب العربية في التعبير عن الدعم حتى من خلال الاحتجاجات؟ 

بعد انطلاق "طوفان الأقصى"، خلقت الساحة ضرورات منها جبهات الإسناد التي كانت على رأسها المقاومة اللبنانية (حزب الله) وحركات المقاومة الفلسطينية الأخرى والمقاومة العراقية واليمنية، التي تولّت جميعها إسناد حماس والجهاد وإشغال العدو في حرب الشمال وتحجيم نحو ثلث قواته العسكرية. وقدَّم حزب الله والمقاومة أغلى ما يملك في حرب الإسناد على طريق القدس، مثل استشهاد القادة، واستطاع أن يحافظ إلى حد كبير على معادلة الردع الاستراتيجي قبل أن يُخترق من قبل العدو ويُغتال الكثيرون من صفوفه الأمامية، لتبقى الجبهة اليمنية كواجهة دفاعية عن الأمة إلى جانب حركة حماس التي قدّمت أغلب قادتها في غزة (سياسيين وعسكريين) فضلًا عن آلاف الشهداء من الأبرياء والشيوخ والأطفال -رحمهم الله جميعًا-. 

حتى وصلت الحرب الشرسة التي يخوضها العدو على أهلنا في غزة إلى حرب التجويع والإبادة الجماعية وهدم المستشفيات والمدارس ودور العبادة ومنع العلاج وإطباق الحصار على القطاع. وفي مقابل ذلك، لم يبقَ لغزة أي إسناد سوى اليمن الذي ظل وما زال يقدّم إسناده العسكري ودعمه الشعبي لها. فتتواصل استهدافات القواعد العسكرية الصهيونية من مجال الجو اليمني بالمسيّرات والصواريخ الباليستية وفوق الصوتية، كما يتواصل استهداف كل الناقلات الأمريكية والبريطانية الداعمة لـ"إسرائيل" بالسلاح والعتاد في البحر الأحمر.

وقد كان هذا الإسناد قرارًا رسميًا من السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، وبدعم شعبي منقطع النظير، حيث كانت المسيرات المليونية أسبوعيًا كل جمعة تملأ الساحات وتدعم قرار قيادتهم بالمقاومة. وكان إسناد اليمن في كل المراحل متناسبًا مع الفترات والأسلحة المستخدمة، مُعلنًا دائمًا أنه لن يوقف استهداف السفن في البحر الأحمر إلا بإيقاف الحرب على غزة. وهذا الموقف اليمني الثابت يكاد يكون الوحيد سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا، خاصة بعد تحجيم دور حزب الله واحتلال سوريا وتنصيب الحاكم الصهيوني (كذا) وتخاذل العرب في نصرة قضيتهم وترك العدو يستفرد بغزة. يمكن القول إن اليمن هو الوحيد الآن الذي يكبح تقدم المشروع الصهيوني في المنطقة وتحقيق دولة "إسرائيل الكبرى". 

_ بالتزامن مع بدء أعضاء في حزب التيار الشعبي إضراباً عن الطعام تضامناً مع أبناء غزة المجوعين تحت آلة القتل والحصار الصهيونية.. هل يمكن أن تطلعونا عن موقفكم في الحزب مما يجري في غزة، بشكل عام؟ وكيف استقبلتم معركة طوفان الأقصى منذ وهلتها الأولى؟ وما تقييمكم للموقف الشعبي والرسمي في تونس مما يحدث من مجازر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة؟ وهل هو بمستوى اللحظة المصيرية؟ وكيف يمكن تصعيد التضامن الشعبي والرسمي مع مظلومية غزة في هذا التوقيت الحرج والهام من تاريخ الأمة العربية والإسلامية، من وجهة نظركم؟ 

في ظل عجز القوى الشعبية في الوطن العربي عن تقديم أي إسناد لغزة، مقابل صمت الحكومات العربية المتخاذلة، تبقى بعض المنظمات والأحزاب مثل رابطة حقوق الإنسان وجبهة العمل المشترك من أجل غزة تحاول تقديم الإسناد المعنوي وتنظيم قوافل كسر الحصار. يسعى التيار الشعبي بدوره، كحزب مقاوم داعم لفلسطين والمقاومة وقوى التحرر عموما، إلى خلق طرق إسناد وابتكار أشكال نضالية كعقد الندوات وتنظيم الوقفات الدورية أمام سفارة أمريكا وعدد من الدول المطبعة أحيانًا. كما انخرط التيار الشعبي في تنظيم سلسلة إضرابات جوع رمزية، أولها إضراب جوع رمزي ليوم واحد، والآن إضراب جوع رمزي لمدة أسبوع دعماً لأهلنا في غزة. ولعل من أهداف هذا الشكل النضالي، الذي لقي دعماً وترحيباً من عديد المواطنين والقوى الشعبية ووسائل الإعلام العربية وتغطية عامة وشاملة، خلق حالة وعي مقاوم في صفوف المجتمع وحالة وعي بمعاناة أهل غزة وأطفال غزة الجوعى الذين تفنن العدو في طرق قتلهم. ويدعو التيار الشعبي في كل المناسبات، مختلف القوى في الندوات والتظاهرات، إلى إعطاء قضية فلسطين وحصار غزة زخماً شعبياً محلياً وعربياً وحتى دولياً، كما يدعو كل المنظمات والحكام العرب إلى الاضطلاع بدورهم الفعلي لنصرة غزة وتحويل هذا الصراع إلى فرصة من أجل خلق جبهة عربية واحدة لمواجهة العدو الصهيوني وآلته العسكرية المدعومة من الإمبريالية العالمية، وإيقاف المشروع الصهيوني وكبح التطبيع العربي مع الكيان الذي يسعى حثيثاً لتحقيق مشروع "إسرائيل الكبرى". 

_ ماذا يعني أن يعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أنه في مهمة تاريخية وروحانية لتنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى" التي تشمل فلسطين والأردن وأجزاء واسعة من مصر ولبنان وسوريا والسعودية، وذلك بالتزامن مع إعلان الكيان خطة تتضمن بناء أكثر من 3400 وحدة سكنية جديدة في "معالي أدوميم" في القدس وتقطع التواصل بين رام الله وبيت لحم؟ وما تعليقكم على هذه المخططات التي يأتي في سياقات المساعي الإسرائيلية الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية وتغيير جغرافية المنطقة وتطويعها لصالح المشروع الصهيو_أمريكي؟ ولماذا لم نرى أي ردة فعل عربية حقيقية، وخصوصاً من قِبل الدول المستهدفة؟ وأي تداعيات خطيرة للسبات العربي حيال التصعيد الصهيوني؟ 

بالنسبة إلى تصريحات رئيس وزراء حكومة اليمين المتطرف الصهيوني وقيادة جيشه باحتلال غزة من جديد، واعتبار نتنياهو نفسه في مهمة روحية وتاريخية، فإننا في التيار الشعبي ندرك ذلك منذ البداية، ونعتبر مسار الحرب ليس حديثًا بل منذ تسعينيات القرن الماضي كان الهدف هو "سايكس بيكو" جديدة وتقسيم المُقسَّم وتفتيت المُفتَّت. ونعتبر أن "الربيع العربي" المزعوم كانت غايته خلق حالة فوضى خلاقة كما بشرت بذلك كونداليزا رايس، وتقسيم الوطن العربي إلى نحو ثمانين دولة صغيرة في مواجهة دولة "إسرائيل الكبرى" التي تشمل أغلب الدول العربية في الشرق الأوسط والخليج، بل ستصل حتى شمال إفريقيا. هذا البرنامج الصهيوني العالمي يؤكده اليوم الواقع وتثبته الوقائع، وما تصريحات نتنياهو إلا نتيجة حتمية لمسار التقدم العسكري والصمت المطلق للعرب واستمرار الدعم الغربي لكيان العدو. 

بالنسبة لنا في التيار الشعبي، الحرب العربية الصهيونية متواصلة منذ عشرات العقود، منذ سنة 1948 بل حتى قبل ذلك، وتواصلت مع قيادة عبد الناصر وصدام حسين ومعمر القذافي وحكومات الأسد في سوريا. ونرى أن العدو لن يتوقف عن استهداف المنطقة باحتلال غزة أو احتلال لبنان وسوريا، بل سيواصل عدوانه وسيعمل مع الإمبريالية العالمية وقوى الاستعمار على السيطرة على كل مصادر الثروات العربية والطاقة والمياه. 

_ رسالة هامة أو نصيحة تودون أن توجهونها عبر الحوار في هذه اللحظات العصيبة والحرجة من تاريخ الأمة العربية والإسلامية؟ ولمن؟ ومتى وكيف يمكن أن نرى صحوة عربية في مواجهة المخططات والمؤامرات التي تستهدف الوجود العربي والإسلامي على إمتداد خارطة المنطقة؟ 

في نهاية هذا الحوار، يمكن أن نقف على جملة من النقاط، أولها: أن حرب "طوفان الأقصى" حرب صهيونية غربية على العرب من أجل احتلال أرضهم والسيطرة على ثرواتهم، وهي حلقة من حلقات الصراع الدولي نحو خلق عالم جديد متعدد الأقطاب، في مقابل سعي أمريكا ومَن معها إلى الحفاظ على تفردها بقيادة العالم والحد من الدور الصيني والروسي والإيراني. وعلى ما يبدو، خريطة عالمية جديدة تُرسم وتتشكل. 

إلى ذلك، ندعو كل القوى الوطنية والحكام العرب إلى خلق جبهة عربية واحدة من أجل إيقاف المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة. كما أن الحرب قادمة لكل الوطن العربي ولن يسلم منها أحد حتى المطبعين، وما عليهم إلا الانتباه والاستعداد مبكرًا لهذه الحرب التي لن تُبقي ولن تذر.