يوليو 5, 2025 - 19:19
حين تتحول التقارير النووية إلى خرائط حرب : من توهمات غروسي إلى نوايا واشنطن

عرب جورنال / توفيق سلام -

في لحظة تبدو فيها الكلمات أشد وقعًا من القنابل، تخرج تصريحات مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، لتفتح أبواب الجدل حول النوايا الحقيقية خلف تقارير الوكالة تجاه إيران، في وقت تتصاعد فيه الضغوط العسكرية والسياسية ضد طهران. ما كان يجب أن يكون تقريرًا تقنيًا محايدًا، أضحى في الخطاب الإيراني تمهيدًا مدروسًا لضربة قادمة، ومقدمة لشرعنة العنف تحت ستار "الرقابة الدولية".

وفي خلفية هذا التوتر، تقف واشنطن برسائلها المتناقضة، بين إعلان رسمي في مجلس الأمن عن سعيها لعقد صفقة نووية مشروطة مع طهران، وبين انخراط مباشر في هجمات استهدفت منشآت إيرانية، في مشهد يكشف زيف الخطاب السلمي ويؤكد أن الحرب لم تغب، بل تتجدد أدواتها تحت مسمى الردع ومنع الانتشار.

في هذا السياق المتشابك، تتحول الوكالة الدولية للطاقة الذرية من منصة رقابية إلى ذراع سياسية، وتصبح أصفهان، بما لها من رمزية حضارية عنوانًا جديدًا لحرب محتملة، تُصاغ ملامحها في الغرف المغلقة، وتُبرَّر بتقارير تُبنى على معلومات استخبارية مشكوك في حيادها. ليس الأمر نزاعًا على شفافية فنية، بل هو استثمار دولي في "الشك"، يُراد منه إعادة تشكيل الشرق الأوسط على طاولة النار والمساومات النووية.

هنا يمكن قراءة التحول في وظيفة الرقابة النووية، والدور الجديد الذي تُراد له الوكالة في تمهيد الطريق لموجة جديدة من الاستهداف، ويقرأ في التصريحات، والتقارير، والتحركات العسكرية، مقدمات لما قد يكون فصلًا جديدًا من المواجهة... أكثر تنظيمًا، وأقل مواربة.


توترات جديدة


التوتر بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، يحمل بباطنه إيذانًا بموجة صدام جديدة قد تكون هذه المرة أشد تنظيمًا، وأعمق نية في التصعيد، خاصة من الجانب الأمريكي. وإذا وضعنا هذا التطور ضمن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، فإن الأمر لا يقتصر على مجرد تصريحات غروسي أو ردود ظريف وعراقجي، بل هو جزء من لوحة شاملة تُعاد صياغتها بالنار والريبة والتجسس والتقارير المعدة مسبقًا لتبرير الضربات.
غروسي، الذي يفترض به أن يكون تقنيًا حياديًا، أصبح في الخطاب الإيراني أشبه بـ"المُبلغ الدولي" عن مواقع لا تصلها الوكالة إلا بتقارير استخبارية غربية، يُرجح أنها من الموساد أو شركاء في شبكاته الممتدة في الجغرافيا الإيرانية. والقول-حسب تصريحات غروسي-بأن اليورانيوم المخصب نقل إلى موقع أثري في أصفهان، دون معلومات موثقة، ثم التراجع بالتلميح إلى عدم التأكد، يكشف أن غروسي نفسه قد أصبح أداة ناعمة في يد الأطراف التي تريد إشعال شرارة الضربة القادمة.

صواعق سياسية


من تقارير فنية إلى صواعق سياسية ، لا يمكن فصل هذا النوع من التصريحات التي يدلي بها مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن الغايات السياسية. فقد تحولت مهام الوكالة من التحقق الفني، إلى إنتاج روايات تستخدمها واشنطن وتل أبيب لصياغة قرارات مجلس الأمن أو تنفيذ هجمات استباقية باسم "منع الانتشار النووي". تصريحات غروسي التي تحوم حول "الشك" أكثر من استنادها إلى الدليل، تنتمي إلى هذه المدرسة.
هذه التصريحات تأتي في وقت شديد الحساسية، بعد الضربات الأمريكية الأخيرة التي طالت منشآت نووية إيرانية باستخدام قنابل ضخمة، لم تحقق ـ بحسب مصادر مطلعةـ سوى أضرار محدودة. الآن، يبدو أن واشنطن تبحث عن غطاء للضربة التالية. وغروسي- وفق ما تراه طهران ـ يوفر هذا الغطاء بتقارير مفخخة بالمخاوف، لا بالحقائق.

الاستناد الأمريكي لتقارير الوكالة
الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عهد غروسي لم تعد محايدة بنظر الإيرانيين. فهي تفتش بناءً على "أدلة استخبارية"، وتصدر تقارير تشبه بلاغات أمنية، وتغض الطرف عن الجرائم النووية الإسرائيلية. من هنا، فإن الولايات المتحدة، تحديدًا في ظل إدارة متقلبة مثل إدارة ترامب، يمكن أن تستخدم هذه التصريحات في مجلس الأمن أو حتى كمبرر شعبي وسياسي للقيام بعمل عسكري.


الموساد الحاضر في كل زاوية


الاتهام الإيراني الواضح بتغلغل الموساد في جسم الوكالة الدولية هو تصعيد من نوع آخر، لأنه يشكك في نزاهة التقارير كلها، ويعني ضمنًا أن كل موقع تزوره الوكالة بعد قصفه، لم يُختر عبثًا، بل بناء على إحداثيات أمنية تم تزويدها مسبقًا، لا على أساس المسارات التقنية التي تقتضيها اتفاقيات الضمانات.

طهران تقطع الخيوط الأخيرة
تحذير ظريف، وإعلان عراقجي، وتصويت البرلمان الإيراني على تعليق التعاون مع الوكالة، كلها رسائل تشير إلى أن إيران لم تعد ترى في الوكالة شريكًا دوليًا بل "رأس جسر" للاعتداء. وقرار "طرد غروسي" هو شحنة لغوية تُمهد لقطع العلاقات إن استمرت التصرفات الاستفزازية، مما قد يعيد الملف النووي إلى نقطة الانفجار.
ما يجري ليس نزاعًا تقنيًا، بل إعادة صياغة مبررات الحرب عبر منصات تبدو دبلوماسية، لكنها تخفي وراءها نية العمل العسكري. وبالتالي، فإن أي ضربة أمريكية ثانية لن تأتي بسبب تقرير غروسي فقط، بل لأن هذا التقرير سيُبنى عليه في البنتاغون والكونغرس وإعلام المحافظين الجدد. أي أنها ستكون حربًا مستندة إلى "الشك"، لا إلى الدليل، كما حصل في العراق، دون وجود دليل مادي على وجود أسلحة نووية.

وهذا يعني أن تصريحات غروسي ليست زلة لسان، بل هي ترس في ماكينة بدأت بالدوران مجددًا لإعادة إنتاج الحرب، و"أصفهان" قد تكون الكلمة المفتاحية التي ستُذاع يوم تُقصف إيران من جديد.

وفي ضوء التصعيد المتزايد بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي ظل التوترات التي فجرتها تصريحات المدير العام رافائيل غروسي حول مزاعم إخفاء اليورانيوم المخصب في مواقع أثرية بأصفهان، يبدو أن المسرح الدولي يعاد ترتيبه من جديد، لا لحل الأزمة النووية، بل لإعادة تأهيلها كذريعة استراتيجية تُشرعن هجومًا آخر ضد إيران، يكون هذه المرة أكثر عمقًا وتنظيمًا، وأكثر خداعًا تحت عباءة الدبلوماسية.

الخبر الذي أعلنت فيه واشنطن رسميًا أمام مجلس الأمن عن نيتها عقد صفقة نووية مع طهران، لا يبدو بريئًا ولا مفصولًا عن سياق الحرب التي اشتعلت نارها بالفعل منذ 13 يونيو، حين شنت إسرائيل هجومًا واسعًا ضد منشآت نووية إيرانية وقادة وعلماء. الرد الإيراني، ثم انخراط الولايات المتحدة في الهجوم فجر 23 يونيو، ثم الضربات الصاروخية الإيرانية على قاعدة "العديد" في قطر، كلها تضع ما يسمى "الرغبة في صفقة" داخل قوسين كبيرين من الشكوك، وتكشف أن الخطاب الأمريكي لا يتجاوز حدود إدارة الانطباع السياسي، بينما الفعل على الأرض يقول إن الضربات الجوية تسبق المفاوضات.

إذن، كيف يمكن فهم هذا التناقض الظاهري بين الرسالة الدبلوماسية في مجلس الأمن وتصريحات غروسي من جهة، وبين الضربات العسكرية التي طالت العمق الإيراني من جهة أخرى؟


إعادة هندسة الحرب

الخطاب الأمريكي الذي جاء عبر رسالة دوروثي شيا، يضع التخلي عن السلاح النووي شرطًا مسبقًا لأي صفقة، بينما تشير الوقائع إلى أن إيران أساسًا لا تملك هذا السلاح، بحسب تقارير سابقة لوكالة غروسي نفسها. وهذا يعيدنا إلى السؤال الجوهري: هل تبحث واشنطن عن اتفاق واقعي، أم عن استسلام إيراني شامل يُفرض بالقصف والضغوط؟
 فرضية التخلي عن الطموحات النووية بصيغة مطلقة، تستبطن في طياتها نزعًا استراتيجيا للقدرة الإيرانية، لا للنية فقط. وبالتالي، فإن الخطاب السياسي الأمريكي، حتى وهو يتحدث بلغة السلام، يضع شروطًا تعجيزية تتطابق تمامًا مع ما تطالب به إسرائيل، تجريد إيران من كل مقومات الردع، وإلغاء حضورها الإقليمي، وتحييدها عن الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.


 تمهيد ناعم

يأتي تقرير غروسي المزعوم حول نقل اليورانيوم إلى مواقع تراثية كخطوة تمهيدية لفرض مشهد التفتيش القسري في إيران من جديد، ليس بهدف التحقق التقني، بل لرسم خارطة ضربات مقبلة. ما أدلى به غروسي، ثم تراجعه عن التأكيد بعبارات غامضة "لا نملك معلومات دقيقة"، ليس سوى توظيف سياسي لتقارير تقنية، تجعل الوكالة الدولية جزءًا من منظومة الاستهداف، لا من منظومة السلام.
وهنا، يصبح غروسي شريكًا غير مباشر في العدوان، كما وصفه محمد جواد ظريف، فهو ساهم- بحسب الرواية الإيرانية- في إضفاء مبرر على الهجمات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة، وها هو يمهد بـ"توهمات" جديدة لما قد يكون ضوءًا أخضر لضربة أخرى أكثر دقة.

عندما تشير مصادر إيرانية إلى أن المعلومات التي تصل الوكالة مصدرها جواسيس الموساد، فإننا أمام اتهام خطير بتسريب المواقع الحساسة داخل إيران من خلال شبكات استخبارية تم زرعها سابقًا. وفي ظل هذا، تبدو زيارات غروسي إلى المواقع المستهدفة بمثابة إعادة تأكيد لإحداثيات القصف أكثر منها رقابة تقنية. وهذا التغلغل، المتزامن مع تصعيد عسكري، يجعل من أي تقرير مقبل صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية وثيقة حرب، وليس مجرد تقرير فني.
في رسالة واشنطن إلى مجلس الأمن، وردت عبارة دقيقة: "نحتفظ بحق اتخاذ إجراءات إضافية، في حال تلقي تهديد جديد من إيران". وهذه العبارة تُفسر عمليًا بأن أي رد إيراني على اعتداء جديد، سيُعتبر تهديدًا يستوجب ضربات متتالية.

 هكذا، تصوغ واشنطن معادلة مقلوبة، الاعتداء مشروع، والدفاع الإيراني مبرر لاستمرار العدوان. وهنا يظهر بوضوح أن إدارة ترامب، أو من يتبنى خطها الأمني في المرحلة الانتقالية، لا تبحث عن نزع فتيل الحرب، بل عن استنزاف إيران تحت مسمى الدفاع، وبإسناد إعلامي من تقارير الوكالة، وتحشيد قانوني من مجلس الأمن، وربما بدعم لوجستي خليجي غير معلن.
لسنا أمام تقارير مشتبهة، ولا رسائل مزدوجة، بل أمام مسرحية معقدة الأطراف، تلعب فيها الوكالة الدولية دورًا ناعمًا، وتقدم واشنطن رسائل نفاق دبلوماسي، بينما الطائرات الشبحية هي من تكتب الحقيقة على الأرض.

إيران تعلم أن اللعبة الآن أكبر من صفقة، وأخطر من توهمات غروسي. ولهذا ترفض التعاون، لا من باب العناد، بل لأنها تدرك أن الهدف هو تحويل الملف النووي إلى بوابة استراتيجية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بقوة القصف، لا بقوة القانون.
 الإصرار الأمريكي في الحديث عن صفقة بعد المشاركة في ضرب منشآت نووية، هو أشبه بمن يقدم العزاء بعد أن يطلق الرصاصة.