عرب جورنال/ عبدالسلام التويتي -
لقد كان الموقف الباكستاني أشد المواقف الإسلامية الرسمية إدانة لما تعرضت له إيران من هجوم صهيوني عدواني، بل لقد أكد وزير الدفاع الباكستاني «خواجة محمد آصف» أن «إسلام أباد» على أتم استعداد -في حال تعرض «إيران» لهجوم صهيوني نووي- للرد بهجوم نووي مضاد، وما كان لـ«باكستان» المرتبطة بتحالف قديم مع «الأمريكان» أن تسارع إلى إعلان مجابهة أي هجوم نووي من قبل «الكيان» على «إيران» -متجاوزة ما يتخلل علاقة الجارين الإسلاميين من مظاهر الخلاف-، لولا يقينها المطلق بأن «الكيان الصهيوني» يضعها -نتيجة امتلاكها برنامجًا نوويًّا- في نطاق دائرة الاستهداف.
منذ عقود مضت يمضي «الكيان الصهيوني» بخطى حثيثة ويحيك التآمرات الخبيثة علَّه يتمكن من تدمير السلاح النووي الباكستاني، لأن بقاءه بيد نظام إسلامي يمثل له -من وجهة نظره- تهديدات مباشرة مستمرة.
ولعل هذا الكيان كان يضع في الحسبان -بعد القضاء على التهديد النووي الذي تمثله منشآت «إيران» التي لم تثبت قدرتها على إنتاج سلاح نووي إلى حدِّ الآن- العمل على تدمير المنشآت النووية والمخزون التسليحي النووي الذي تمتلكه باكستان، أما وقد وضعت الحرب بينه وبين «إيران» أوزارها، فلعل تفكيره بتنفيذ هذه الخطوة الرعناء -في هذه الأثناء- أكثر جديةً من أيِّ وقتٍ مضى.
تآمر هندي-صهيوني ضد النووي الباكستاني
مساعي الكيانين «الهندوسي» و«الصهيوني» للقضاء على السلاح النووي الباكستاني بضربة مفترضة ليست وليدة اللحظة، بل هي رغبة قديمة متجددة تعود بداياتها إلى ما قبل عقود عدة، فقد أشار العميد السابق في الجيش الباكستاني «فيروز حسن خان» في كتابه "أكل العشب، صنع القنبلة الباكستانية" الذي صدر عام 2012 -بحسب ما ورد في سياق تقرير «الديب أبوعلي» و«ميرنا رزق» المعنون [حلم عمره 43 عاما.. دولة كبرى ضمن بنك أهداف نتنياهو بعد إيران] الذي نشره موقع «صدى البلد» يوم الأحد الـ15 من يونيو الجاري- (إلى خطط كانت قد أعدت بين الهند وإسرائيل لمهاجمة المنشآت النووية الباكستانية، وخصوصا منشأة تخصيب اليورانيوم والأبحاث في كاهوتا في أوائل الثمانينيات.
وأشارت تقارير متداولة فيما بعد إلى أن إسرائيل اقترحت مرارا تنفيذ ضربة مشتركة ضد المنشآت النووية الباكستانية، وقيل أن إسرائيل حاولت 3 مرات في ثمانينيات القرن الماضي إثارة اهتمام الهند بهجوم مشترك على موقع «كاهوتا» النووي في شمال شرق باكستان بالقرب من الحدود مع الهند).
كما أشار العميد «فيروز حسن خان» -وفق ما جاء في تقرير «محمد شعبان أيوب» التساؤلي المعنون [كيف نجا نووي باكستان من مخططات إسرائيل والهند؟] المنشور في «الجزيرة نت» منذ الـ19 من نوفمبر الماضي- إلى ما يلي: (كانت قد أُعدّت خطة بين الهند وإسرائيل لمهاجمة المنشآت النووية الباكستانية، وخصوصا منشأة تخصيب اليورانيوم والأبحاث في «كاهوتا» في أوائل الثمانينيات.
وأعدت الهند خطة مفصّلة حول تنفيذ هجوم مشابه لهجوم «أوزيراك» ضد باكستان في كلية الحرب الهندية، إلى ذلك نفذ سلاح الجو الهندي سلسلة من التمارين المتعلقة بهذا التخطيط، بعضها باستخدام طائرات جاكوار المتطورة، وفي غضون ذلك قدمت «إسرائيل» اقتراحًا جديدًا يحقّق أهداف «نيودلهي».
وفي ضوء ذلك المقترح البالغ التعقيد أقلعت طائرات إسرائيلية من قاعدة عسكرية هندية بتمويه شديد لتنفيذ الهجوم، إلَّا أنَّ سلاح الجو الباكستاني كان يقظًا ومستعدًا لهذا الهجوم المرتقب، فأجبر "السرب 11" الباكستاني الطائرات الإسرائيلية على التراجع).
ديمومة خوف «الكيان» من نووي «باكستان»
بالرغم ممَّا توفر لـ«الكيان» -منذ تأسيسه- من إمكانات الدفاع، فإنَّه -على الدوام- يعيش -بسبب افتقاده الإحساس بشرعية وجوده- حالةً من الارتياع، فضلًا عن شعوره الدائم أنَّ أية قوة بيد أيِّ نظام إسلامي -نتيجة إدراكه ما يربط المسلمين من روابط الأخوَّة- مصوبةٌ نحوه، بل إنَّ مجرد بلوغه دعاية بإمكانية بناء قوة إسلامية تناظر قوته وتفقده ميزة التفوق التسليحي المطلق الباعث على التباهي يدخله في دوامة من القلق اللامتناهي، وذلك ما قد يُفهم من احتواء مقال الكاتب اللبناني الدكتور «جيرار ديب» التحليلي التساؤلي المعنون [هل تعيد إسرائيل محاولة ضرب النووي الباكستاني… لكن بنسخة 2025] الذي نشرته صحيفة «العرب» الإماراتية في الـ19 من يونيو الجاري على ما يلي: (ففي عام 1979، أعرب «مناحيم بيغن» رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق عن قلقه الشديد من احتمال امتلاك «باكستان» قنبلة ذرية، معتبرًا ذلك تهديدًا وجوديًّا لأمن إسرائيل).
بل إنَّ معطى سيطرة دولة الكيان على الكثير من المقدسات الإسلامية يحصر تهديدها -على الدوام- في أي نظام متسلح بقوة مادية إلى جانب تسلحه بالانتماء للإسلام كالنظام الباكستاني النووي الذي يخشاه «الكيان» من دون برهان قوي، وقد أشارت إلى تلك الخشية الكاتبة «ميرفت عوف» في سياق مقالها التحليلي المعنون [هل يخيف النووي الباكستاني تل أبيب؟ لهذه الأسباب تدعم إسرائيل الهند] الذي نشرته مجلة «قمر بغداد» في الـ11 من مارس 2019 على النحو التالي: (وبرغم عدم تهديد باكستان لإسرائيل، فإنَّ تل أبيب لا ترى في قدرات باكستان الصاروخية ذات الرؤوس النووية إلا شبح نظام إسلامي نووي، وتزايد هذا التخوف عندما رأت نجاح باكستان في اختبار صاروخ (شاهين-3) المتوسط المدى الذي يبلغ مداه ما يقرب من 2750كم بهدف ترهيب الهند، فتراه إسرائيل مصوبًا نحوها؛ لكونه قادرًا على ضرب أراضيها، كما أنَّ سيناريو وصول جنرالات باكستانيين «متعاطفين مع الإسلاميين» ووقوع الترسانة النووية الباكستانية في أيديهم لا يغادر المخيلة الإسرائيلية).
وبالإضافة إلى خوف «الكيان» من نووي «باكستان»، يخشى من تسرب خبرات إنتاجه إلى دول أخرى تناصبه العداء، وهذا أمر أشير إليه بوضوحٍ جلي في سياق التقرير التساؤلي المعنون [الكشف عن أسرار جديدة.. كيف حاربت إسرائيل البرنامج النووي الباكستاني؟] الذي نشره موقع «TRT عربي» في الـ5 من يناير 2022 بالتالي: (حصول باكستان الإسلامية على قنبلة نووية بخبرات محلية وقدرات ذاتية مثل ولم يزل يمثل "كابوسًا لإسرائيل"، هذا ما عبر عنه حكامها منذ وقت مبكر، فكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي «مناحيم بيغن» -سنة 1979- لنظيرته البريطانية «مارغريت تاتشر- معبرًا عن مخاوفه من "الخطر الوجودي الذي يمكن أن تمثله حيازة باكستان قنبلة ذرية".
ولم يكن خوف حكامها فقط من استخدام باكستان سلاحها ضدها، بل من إمكانية وصول السلاح النووي لدول أخرى معادية لإسرائيل، أو نجاح تلك الدول في تصنيع قنابلها الخاصة بمساعدة باكستانية).
ضلوع «الموساد» في إرهاب حلفاء «إسلام أباد»
محاربة «الكيان الصهيوني» للسلاح النووي الباكستاني بدأ قبل إنتاجه، من خلال ما مارسه جهاز «الموساد» من ترهيب كل مَن أبدى مِن الأشخاص والمؤسسات والشركات الدولية أي استعداد للتعامل أو التعاون مع «إسلام أباد» التي كانت حريصة -بعد أن تناهت إليها عام 1965 معلومات استخباراتية مؤكدة عن توصل عدوتها «نيودلهي» إلى إنتاج «سلاح نووي هندي»- على إنتاج «سلاح نووي باكستاني» مضاد، وقد إلى اجتهاد «الموساد» في ترهيب عدة مؤسسات دولية وترهيب عدد من مسؤوليها بهدف إفشال استمرار تعاملها مع «إسلام أباد» لما من شأنه الحيلولة دون تمكن «باكستان» من إنتاج «أسلحة نووية» تردع بها أيَّ عدوان قد يصدر عن جارتها الهندوسية القوية في سياقات عدة من تقرير موقع «TRT عربي» على النحو التالي: (ما بين وقت وآخر تطفو إلى سطح تقارير إعلامية تكشف تحركات تل أبيب منذ وقت مبكر وتهديداتها التي طالت مؤسسات دولية، كي تمنع باكستان من أن تكون أول دولة إسلامية تصنع قنبلة نووية.
فقد كشفت تقارير دولية أخيرة تورط «الموساد» في تنفيذ تفجيرات استهدفت شركات كانت توفر لـ«باكستان» موارد لإنجاز مخططها النووي.
ففي تقرير نشرته مؤخرًا صحفية "نويه تسورشر تسايتونغ" السويسرية، لوَّحت باحتمال ضلوع الموساد الإسرائيلي في تفجير ثلاث شركات ألمانية وسويسرية كانت تدعم عملية تطوير باكستان برنامجها النووي، فتعرَّض كل من منزل مسؤول مهم في شركة " Cora Engineering Chur" السويسرية، ومصنع شركة "Wälischmiller" والمكتب الهندسي لشركة Heinz Mebus الألمانيين، لتفجيرات متفرقة أواسط سنة 1981.
وقالت الصحيفة: "كان احتمال أن تصبح باكستان أول دولة إسلامية تمتلك قنبلة ذرية يشكل تهديدًا وجوديًّا لدولة إسرائيل". فيما الخيط الرابط بين التفجيرات الثلاثة أنها استهدفت مؤسسات وشخصيات كانت على علاقة بالراحل «عبد القادر خان» أبي البرنامج النووي الباكستاني).
تحفز صهيوني متواصل لتدمير البرنامج كامل
عداء «الكيان الصهيوني» للإسلام عداءٌ متأصل ومستدام ومع مرور الأعوام تزداد حالة الاضطرام، وإذا كان قد سعى جاهدًا للحيلولة دون توصل «باكستان» الإسلامية إلى إنتاج «سلاح نووي»، فقد تضاعف حرصه على التخلص منه بعد أن أنتج رغمًا عنه، وقد تجسد هذا المعنى في ذهاب الكاتب اللبناني الدكتور «جيرار ديب» في سياق مقاله التحليلي إلى (أن الدولة العبرية لم تتخلّ يوماً عن عدائها العميق لفكرة امتلاك دولة إسلامية لسلاح ردعي نووي، وهو ما عبّر عنه صراحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حين قال إن إسرائيل لن تسمح بأن يشكل النووي الإيراني أو الباكستاني تهديدًا لأمنها.
لكن يبدو أن إسرائيل -في ضوء ما يطغى على المشهد الآن- لن تكرر حرفيًّا مع باكستان السيناريو الذي اتبعته في اعتدائها على إيران، لكنها قد تستفيد من هشاشة الهدنة بين «نيودلهي» و«إسلام آباد» لتشجيع الهند على إشعال فتيل الحرب، وبينما تنشغل باكستان في جبهة شرقية مشتعلة، تتقدم الطائرات الإسرائيلية لتنفيذ ضربات خاطفة ضد المنشآت النووية في «كاهوتا» ومراكز التخزين الحساسة.
ومن المؤكد أنَّ «دولة الكيان» واضعة -حتى من قبل الآن- قضية تدمير «نووي باكستان» في الحسبان، بيد أنَّ العدوان الذي شن من قبلها -مؤخرًا- على عدة مواقع في «إيران» أيقظ هذه القضية في الأذهان، وذلك ما ألمح إليه الصحفي «زياد بركات» في سياق تقريره التفصيلي المعنون ["مصير النووي الإسلامي".. هل تكون باكستان الهدف التالي لإسرائيل؟ محدث 18 حزيران 2025] الذي نشره موقع «التليفزيون العربي» في الـ17 من يونيو الجاري بما يلي: (منذ الهجمات الإسرائيلية على إيران فجر الجمعة الماضي، يتداول باكستانيون ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقابلة مع نتنياهو تعود إلى عام 2011، يقول فيها إنَّ إيران وباكستان تشكّلان تهديدًا لإسرائيل، وإنَّ إسلام أباد ستكون الهدف التالي بعد طهران، وإن مهمته الكبرى هي منع الأنظمة الإسلامية من الحصول على الأسلحة النووية).
تيقظ باكستاني تحسبًا لأي هجوم صهيوني
ممَّا يبعث على الافتخار أنَّ جمهورية باكستان الإسلامية وجيشها المغوار كانا ولا يزالان -منذ أكثر من أربعة عقود وإلى الآن عند مستوى تحمل مسؤولية حماية «السلاح النووي» من التعرض لأية إصابة، مثلما كانا عن تحمل مسؤولية إنتاجه في ظروف اقتصادية صعبة، فكل محاولات استهدافه المتواصل من قبل الكيانين «الهندوسي» و«الصهيوني» تمنى -بفعل يقظة وحرفية الجيش الباكستاني البطل- بالفشل، ومن المؤكد أنه في تيقظ دائم وفي جاهزية مستمرة للتصدي الحاسم لما قد يقدم عليه الكيان الصهيوني من هجوم أو مغامرة خاسرة، وقد تجسد أول مظاهر ذلك التيقظ في اتخاذ موقف مساند لـ«إيران» منذ اللحظات الأولى من تعرضها لعدوان «الكيان» الذي لا يستبعد أنه يحضر لشن عدوان على المنشآت «النووية الباكستانية» فور الانتهاء من الاعتداء على المنشآت «العسكرية الإيرانية»، وذلك ما ألمح إليه «زياد بركات» في ما هو آت: (يعتبر ردُّ الفعل الباكستاني على الهجمات الإسرائيلية على إيران لافتًا للانتباه، ومتقدّمًا على مواقف بقية دول المنطقة بما فيها تركيا، فهل يعود هذا إلى مخاوف حقيقية لدى النخب الباكستانية من استدارة إسرائيلية إلى بلادهم، عبر استهدافها مباشرة، أو استغلال عدوتها اللدودة {الهند} للهجمات الإسرائيلية لصالحها، وحشد الرأي العام العالمي ضد الأسلحة الباكستانية النووية؟
كما قامت باكستان، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تحوز أسلحة نووية، -بالتزامن مع بدء عدوان «الكيان» على «إيران»- بتفعيل أنظمة الدفاع الجوي ونشرت مقاتلات بالقرب من منشآتها النووية وبالقرب من الحدود الباكستانية-الإيرانية).
وفي ذلك دليل على ترافق الموقف الباكستاني السياسي المتقدم بإجراءٍ دفاعيٍّ احترازيٍّ، وذلك ما أشير إليه -بالإضافة إلى ما تقدم- في مستهل التغطية الإخبارية المعنونة [باكستان تنشر مقاتلات قرب مواقعها النووية بعد الهجمات الإسرائيلية على إيران] التي نشرت في «العربية نت» يوم الجمعة الـ13 من يونيو الجاري على النحو التالي: (قال مسؤولون باكستانيون إنَّ باكستان قامت -اليوم الجمعة- بتفعيل أنظمة الدفاع الجوي ونشرت مقاتلات بالقرب من منشآتها النووية ومن حدود البلاد مع إيران بعدما شنت إسرائيل هجمات على المنشآت النووية الإيرانية.
وقال مسؤول استخباراتي باكستاني لوكالة الأنباء الألمانية {د ب أ}: "أنظمتنا على أهبة الاستعداد كإجراء احترازي").