يونيو 14, 2025 - 20:15
بصمات الشهداء تُشعل تل أبيب إيذانًا بميلاد عصر الردع الشرقي


عرب جورنال/ هلال جزيلان - 
كان صمت الليل في طهران ثقيلاً كرصاصة في جبين القدر، حين انفجر فجر الجمعة الثالث عشر بزئير مقاتلاتٍ غريبة، تمزق صدر السماء،وتنثر أحشاء الأرض نوويّاً من همدان إلى أصفهان شهداء سقطوا، بينهم قادةٌ كانوا أعمدةً تحمل سقف الأمة، لكن دماءهم لم تَسقط عبثاً، فمن تحت الأنقاض،نهض تنين إيران بجناحين من صواريخ،وحمل اسمه القديم"الوعد الصادق 3".
فجر الجمعة الدامي
لم تنتظر إيران سوى بضع ساعات لقلب المشهد رأساً على عقب، ففي فجر الجمعة 13 يونيو، شنّت تل أبيب عمليّة أسمتها «استباقية»، اشتركت فيها قرابة مئتي طائرة حربية قصفت خلالها أكثر من مئة هدف نووي وعسكري داخل الأراضي الإيرانية، امتدّت من أطراف طهران إلى جبال همدان مروراً بأصفهان وتبريز.
من رماد الشهداء... تولد الصواريخ!
الهجوم، الأضخم منذ حرب الخليج، أسفر عن استشهاد ثمانية وسبعين شخصاً وإصابة ثلاثمئة وعشرين آخرين، وأدرج قادة كبار ضمن لائحة الشهداء: اللواء حسين سلامي القائد العام للحرس الثوري، ورفيقه رئيس الأركان اللواء محمد باقري، وقائد مقر «خاتم الأنبياء» اللواء غلام علي رشيد، إضافة إلى ستة من علماء البرنامج النووي الإيراني الذين شكّلوا دعاماته الأساسية.
ستون ثانية هزّت عرش الصهاينة
حمّلت إسرائيل غارتها اسم «الأسد الصاعد»، لكنها تحوّلت في الذاكرة الإقليمية إلى «أسدٍ حُشر في قفصه». فبعد ثماني عشرة ساعة فحسب، أطلقت طهران «الوعد الصادق 3» كحلقة ثالثة في سلسلة بدأت ربيع 2024 وتواصلت خريف العام ذاته.
سكاكين الكلمات تُشرّب الصهيون رُعبا
عند التاسعة مساءً بتوقيت القدس، انهمرت أكثر من مئةٍ وخمسين صاروخاً باليستياً ومئة طائرة مسيّرة عبر سماء فلسطين المحتلة في هجمات متتالية، مُنطلقةً من عمق الأراضي الإيرانية تحت غطاء تشويش إلكتروني شلّ أنظمة الرادار الإسرائيلية عبر مسافة خمسمئة كيلومتر.
جبال زاغروس تضحك على قنابل الغرب!
خلال ستين ثانية فقط، اخترقت الصواريخ الإيرانية ثلاث طبقات دفاعية. استهدفت الضربات قواعد حتسريم ورامون وسيركين الجوية، ومجمّع الصناعات العسكرية في وسط تل أبيب، ووزارة الدفاع في الكِرْيَاه، قبل أن تُحوّل تسعة أبنية سكنية إلى أنقاض وتُجبر سلطات الاحتلال على إخلاء ثلاثمئة مدني وإعلان حالة طوارئ غير مسبوقة في العاصمة الاقتصادية منذ 1948. سجّلت المستشفيات إصابات ثلاثة وستين شخصاً بين مدني وعسكري، فيما دوت صفارات الإنذار أكثر من أربعمئة مرة خلال ساعتين، راسمةً مشاهد هلع كانت حكراً على غزة وبيروت.
أطفال المقاومة يرقصون على أنقاض السفن!
رافقت الأحداث المتسارعة ظهورٌ تلفزيوني لآية الله علي خامنئي. لم يلجأ المرشد إلى التمويه: «ستُصبح حياة الصهاينة جحيماً، والقوات المسلّحة ستوجّه ضربات قاصمة». سبقت كلمته بيانات توافقية من الإصلاحيين والمحافظين معاً، ما وحّد الجبهة الداخلية وأحبط أحلام تل أبيب في تفكيك الوحدة الإيرانية. ولم تنقضِ عشر ساعات حتى عيّن القائد الأعلى اللواء محمد باكبور قائداً للحرس، والفريق عبد الرحيم موسوي رئيساً للأركان، واللواء علي شادماني على رأس مقر «خاتم الأنبياء»، مؤكداً عدم السماح بفراغ قيادي ولو للحظة.
واشنطن... عجوز ترتجف خلف بحرٍ من نار!
كشفت «الوعد الصادق 3» عن الهوّة بين الإرادة السياسية الإسرائيلية والإمكانيات العملياتية، فالمُنشآت النووية الجديدة في نطنز حُفرت على عمق مئة متر تحت صخور زاغروس، وهو ما يفوق قدرة اختراق القنبلة الأمريكية GBU-57 نفسها. هذه القنبلة، التي تزن ثلاثين ألف رطل، لا تُحمل إلا على قاذفات الشبح «بي-2» أو «بي-1» المحظورة على سلاح الجو الإسرائيلي حتى الآن.
وحتى بافتراض حصول تل أبيب على هذه المنصات، فإن حملة جوية بهذا الحجم تتطلب أكثر من مئةٍ وعشرين مقاتلة وخمسٍ وعشرين ناقلة وقود لتقطع ألفٍ وستمئة كيلومتر – إمكانيات غير متوفّرة في الجيش الإسرائيلي.
محور المقاومة على الخط
بينما كانت صواريخ طهران تُهطل على تل أبيب، أعلن الشيخ نعيم قاسم أنّ حزب الله «يؤيد خيارات الجمهورية الإسلامية ويُفاخر بها». اكتفى الحزب حتى الآن بعمليات تكتيكية على الحدود الشمالية، لكنه أبقى خيار التصعيد الشامل بيد طهران. في البحر الأحمر، تصاعدت عمليات القوات اليمنية ضد سفن الشحن الإسرائيلية، فارتفعت أقساط التأمين العالمية وتباطأت حركة التجارة عند باب المندب، فيما ألمح الحرس الثوري لإمكانية إغلاق مضيق هرمز حيث يمرّ خُمس الطاقة العالمية.
غريبةٌ كانت الردود العربية الخافتة؛ بيان سعودي مُتردد أدان «الاعتداءات» ثم تلاشى، فيما اكتفت دول التطبيع بدعوات غامضة لـ«تهدئة الأوضاع»، بالمقابل، شاركت البحرية الأمريكية في اعتراض طائرات مسيّرة فوق المتوسط والخليج، لكنها تجنّبت التورط الهجومي المباشر، واشنطن، التي تعاني نقصاً حاداً في الذخائر بعد أوكرانيا، تخشى انزلاق المنطقة في حرب استنزاف تلتهم فائضها العسكري وتُوسّع هامش بكين وموسكو.
زلزال في عمق تل أبيب
ما بدأ قبل سنوات بعمليات تخريب واغتيال في الخفاء، خرج اليوم إلى العلن، ففي «الوعد الصادق 1» ردّت طهران بطائرات مسيّرة محدودة على قصف قنصليتها في دمشق. في النسخة الثانية، أمطرت إسرائيل بمئتين وخمسين صاروخاً بعد اغتيال قادة في بيروت. اليوم، تحوّل الرد إلى زلزالٍ في عمق تل أبيب، مُرسِلاً رسالة واضحة: انتهى زمن الضربات بلا ثمن، وكل استهداف للعمق الإيراني ستكون له ضريبة مماثلة في العمق الإسرائيلي.
استنزاف مفتوح
لم يهدأ الغبار بعدُ حتى أطلق الحرس الثوري وابلاً جديداً من صواريخ «خيبر» نحو أهداف مجهولة، ومع كل إطلاق، تتعمّق المعضلة في مراكز القرار الإسرائيلي: كيف تحافظ على ردعها دون غطاء أمريكي ينهار؟ وكيف تمنع تحوّل الحرب الخاطفة إلى استنزافٍ مفتوح كالذي عانت منه واشنطن في أفغانستان والعراق؟
معارك طويلة
الخلاصة أنّ «الوعد الصادق 3» لم يكن ردة فعل على عمليةٍ منفردة، بل إعلاناً رسمياً عن ولادة معادلة ردع إقليمية جديدة، لقد اهتزّت صورة تل أبيب التي ادعت سيادتها على السماء، وتوحّدت طهران خلف شعار «أمن الجمهورية خط أحمر»، وبين عجز إسرائيل عن تدمير المنشآت النووية، واستعداد إيران لخوض معارك طويلة، يجد الشرق الأوسط نفسه على أعتاب مرحلةٍ تُعيد ترسيم موازين القوى، تاركةً العالم على شفير خليجٍ يغلي ينتظر شرارة المواجهة المقبلة.
ها هو الحرس الثوري يُطلق دفعةً جديدة من صواريخ "خيبر" نحو الكيان وها هي تل أبيب تتساءل في دهشة: كيف تردعُ من لا يخاف؟ وكيف تنتصرُ في حربٍ تذوب فيها ذخائرها كثلجٍ تحت شمس زاغروس؟